الصداقة كواقٍ قضائي في حجة – محمد العلائي

الصداقة كواقٍ قضائي في حجة – محمد العلائي

وقت مطالعة وثائق الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بالمحافظة, يوافيك انطباع مفاده: المحافظ عقوق بالقانون وبوزير التربية- بوصف الأخير سلطة مركز، مع إغفالنا ندية المكانة الوظيفية -برّ بأصدقائه، ودافئ بالتالي. الوثائق تلك, مضمنة مذكرات تخاطبية وقرارات من الوزير، عبد السلام الجوفي، للمحافظ في نواح تعليمية شتى, ووجهت بالإغفال أو الصمت بالأحرى. والصمت هنا يحمل معاني منها: اللامبالاة. وهو بالنسبة للوزير، وأدان: برتوكولي، ونفسي.
بأي حال، وطبقا لمصادر ذات صلة, أجار الحرازي صديقيه: ضيف الله العقاري، مدير إدارة المشاريع بمكتب التربية، ومجاهد اليتيم مدير جهاز محو الأمية، من التحقيق وهو، وبالموازاة، نشَّط دعوى قضائية تالفة، أثرية, ضد مدير مكتب التربية، خصمه. ونعته هنا بالخصم، ليس بناءً على فكرة أن إيذاءً باشر به أحدهما الآخر. لا، بل اعتماداً على فكرة أن مدير مكتب التربية لم يراكم مع السيد المحافظ سوى علاقة رسمية ناشفة محروسة بضابط قانوني لائحي؛ ما يعني نشوء حالة من الجدب الوجداني الذي كان يجب تغذيته بوفرة دفء. لكن, وحال ان اتصلت به “النداء” نفى بالفعل تستره على أي كان. وعمد نفيه ذاك بقوله: “لا صديق لي غير النظام والقانون”.

من نحو 3 سنوات، كان محافظ حجة، محمد الحرازي, حسب مطلعين, يلعب دماثة مع أصدقائه, بوقار, كما لو هو إنسان حميم يؤدي دور الأبوة مع صغار أشقياء.
فكرة تدليل المسؤول لمقربيه، ممن هم أيضاً مسؤولو وحدات إدارية أدنى منه، لا بد وتشيع لديهم إحساسا بالأمان، وتبعاً لذلك، التصرف كأطفال مشاكسين يمتحنون مدى محبة أبويهم لهم بكثرة الشغب والعصيان.
محافظة حجة،على الرغم من كل ذلك، لم يعد مبهماً التربص العاطفي الذي يلاقيه محافظوها حال تعيينهم. التربص الحاصل, يتم من أفراد ذوي جاذبية ملفقة, وكما ساحرة للغاية, ومليئة بالخبث والدهاء. غالبا, ينتهي المطاف بلف السيد المحافظ, ليس الحرازي وحده, في آباطهم واقتياده إلى أكثر الأماكن فداحة, كما يراها ضحايا التقاربات المريبة, والمحفوفة بالعسف.
الحرازي إذاً، اُقتنص. وعليه فهو يتوقى مثول أصدقائه أمام القضاء. وبالمقابل يجر خصماءهم، ليس خصماءه فقط, للجحيم، ومن قبيل, كما يتصور, الوفاء, ليس أكثر.
بالواقع، كانت صرامة مدير التربية احمد المعلمي الإدارية, وانصياعه لأوامر الوزير، محط غضب الحرازي. ما حدا بالأخير إلى إيقافه عن العمل تواً, على ذمة مذكرة من وزير التربية. المذكرة، إياها، تقضي, بناءاً على معلومات أدلى بها المحافظ لوزارة الخدمة المدنية، بسرعة تقديم كشوفات المعلمين المنقطعين، «ما لم فستضطر الوزارة إلى رفع الموضوع خلال مدة محددة إلى الأخ رئيس الجمهورية».
المعلمي، فور استلامه خطاب الوزير، باشر طلب مسؤولي إدارات تعليم المديريات لحثهم على تعجيل فحص وفرز المتخلفين عن العمل.
أصدقاء المحافظ، خصماء المدير، ألمحوا إلى أن في المسألة تلطيخ سمعة, وخطأ أحمق, لا بد إلا أن يُصد قبل أن يتفاقم. بالأخص، وأن المحافظ، نفسه، هو الذي لفت إلى وجود ألفي معلم لا يزاولون مهنتهم بالمرة.
إذاً، استشاط الرجل غضباً، ولم يكن حينها، يعدم ما يتوجب فعله لمعاقبة المدير المنفلت من «شوالة» التماس. فبدءا من وقفه عن العمل, انطلق ماراثون التقريع، ولم ينته عند الكيد القضائي. تجاوزه بعيداً، واصلاً لتحشيد مجلس المحافظة المحلي.
ليس من شك, فالإذعان للقضاء أمرٌ لائق. ولكن حجب نفوذيته عن دهاقنة فساد, وإمضاءها فقط على نقيي الطوية الإدارية، هي الحقارة بعينها.
وحقا, كان المحافظ متجاوبا, إذ وافانا بصيغة مغايرة للقصة نفسها. من جهتنا لا يسعنا الارتياب منها او التحيز لجهة الرواية السابقة. هو قال: “تقدم مجموعة موظفين تربويين بشكوى للمجلس المحلي وقام الأخير باستدعائه (أي المعلمين) للرد على دعوى المخالفات فأوعدهم لليوم التالي غير انه لم يأت بل غادر إلى صنعاء, حينها اقر المجلس إيقافه عن العمل, وهو بدل أن يرد راح يتوسط بمسؤولين لإعادته لعمله, وكان حرياً به العمل بالطرق القانونية في رده على الاتهامات أفضل من إحراج المحافظ لكي يعيده”.
 لم تنته رواية المحافظ بعد, فهو إلى هنا يعزو كل الخطأ للمعلمي وحده, وبنفس نبرة الصوت الخافتة واصل: “بعد ذلك جرى إفادتنا أن الشكوى المشار إليها قديمة وكان بمقدور المعلمي طرح الرد أثناء انعقاد المجلس”.
وزاد الحرازي في ذات الأمر: “الآن بعد تشكيل لجنة من طرف المجلس المحلي, تم الرد بإعادته إلى العمل على أساس أن يستمر التحقيق في الشكوى”.
معلوم, أن الشكوى المنشطة ضد مدير التربية تعود للعام 2004، وكان حقق الجهاز المركزي للرقابة فيها، ليتضح في الأخير أنها ليست أكثر من عصا تأديب بذيء، وليست عادلة البتة.

في أن الصداقة واقٍ قضائي
في العام 2004، صدرت مخاطبات عليا بالتحقيق مع مجاهد اليتيم، مدير محو الأمية. اليتيم, وبما هو يتحاب هو والمحافظ منذ بدء ولاية الأخير، لم تطله, أو حتى تمسه أسئلة ولا محقق من أي طرف.
في الجملة، خالف اليتيم، واختلس، ومارس غواية الإستقواء بكونه صديق المحافظ, وهو ما استبعده الأخير تماما, إذ قال: “هذا الكلام غير صحيح إطلاقا, والواقع أن خلافا شخصيا نشب بين مدير محو الأمية و مدير فرع جهاز الرقابة, خارج إطار العمل, ما جعل الأول يرفع شكوى لرئيس الجهاز وهذا الأخير من جهته شكل لجنة للتحقيق وبالفعل تم إيقاف مدير محو الأمية عن العمل, ونحن لم يصلنا شيء وقضيته حولت إلى نيابة الأموال العامة والى الآن جاءت مذكرة الا انها لم تدنه”.
اكتظت بوكسات فرع جهاز الرقابة: تخاطبات ومذكرات مصدرها رئيس الجهاز والنائب العام ووزير التربية. جميعها تقرر إيقاف اليتيم عن العمل، ولا من جدوى. أحيل, نظريا, للقضاء، فوقاه صديقه مجهود الوقوف أمام مطرقة القاضي.
نطالع هنا خطاب أمضاه رئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة يحمل رقم 741 وتاريخ 29/12/2006م ونقرأ ما نصه: «الأخ محافظ حجة، يطيب للجهاز التنويه بمحاذير تعمد التأخير بتكليف من يقوم بتسيير أعمال مكتب فرع محو الأمية بالمحافظة بغرض ترتيب أوضاع معينة».
لم يعر متلقي الخطاب ذاك, أدنى التفاتة للموضوع, أو لعله اعتبرها رسالة عتاب لا أكثر, وهي لا تكلفه أية التزامات مادية.
شأن اليتيم، نجا ضيف الله العقاري، من توابع مساءلة القضاء. وكل الفضل عائد، لا محالة، لمؤازرة صديقه له.
وفي شأن العقاري قال الحرازي لـ”لنداء” ما ينبغي ان يقوله صديق حيث قال: “ابلغنا من وزير التربية بإبعاده, ولاذ بأعضاء مجلسي النواب والمحلي في المحافظة فطالب الأخيرون بوقف إبعاده إلا بإدانة”، نافيا اية اختلاسات مالية سجلت ضد المذكور.
العقاري، لا يحمل مؤهل يرقى لأن يجعل منه مديراً لشعبة المشاريع والتجهيزات بمكتب التربية. إذ المشاريع المتبناة من دول مانحة لا تزال متعثرة، أو بالكاد أنجزت وبشكل غير مرض، الأمر الذي سبب إحراجا للوزير أمام المانحين.
ابتعث الوزير، بهذا الخصوص، لجنة لتقصي الحقائق ميدانياً. عادت اللجنة بتقرير مفاده، بالنظر لعينتين من المشاريع المغشوشة: وجود عشرين مخالفة في مدرسة الغرزة، بني قيس، و22 مخالفة في مدرسة أخرى. وطيه تفاصيل تعزز ما ذهبوا إليه.
بني الوزير، الجوفي، على تقرير اللجنة، قراراً مادته الأولى تقضي بإيقاف العقاري عن العمل حتى استكمال التحقيقات, والثانية أفادت تكليف محمد عبده غنام خلفاً له.
كان القرار غير كافٍ بالنسبة للمحافظ، صديق العقاري. الوزير ثنى بخطاب آخر يترجى مرة أخرى تنفيذ قراره, عدا أن العقاري لم يُوقف ولم يُحقق معه، وغنام لم يتح له تمكينه من بدء عمله أبداً.
«نظراً لعدم تنفيذكم لتوجيهاتنا بإيقاف رئيس شعبة المشاريع حتى تستكمل التحقيقات، نحيل الملف إليكم لاستكمال التحقيق وموافاتنا بالنتائج وبالإجراءات المتخذة بأسرع وقت ممكن حتى لا تتأخر المشاريع المنفذة بالمحافظة، مع العلم بأن المانحين قد أثاروا هذا الموضوع في أكثر من اجتماع وتم إبلاغكم شفوياً». الجوفي للحرازي في خطاب ثانٍ.
” سألْنا إن كان بقاؤه (يقصد العقاري) سيؤثر على المانحين فقالوا انه لا يؤثر”، يقول الحرازي رادا على الفقرة عاليه, والمقتصة من مذكرة للجوفي, الوزير.
متن كلام الوزير، هامش عند المحافظ. هكذا إذاً كثيراً ما يفلح, بإمعان, في صد الهجمات, ما يحيله إلى مجرد جدار فصل وظيفته إعاقة مترتبات شقاوة رفقائه.
على كل, مطلع الموسم الانتخابي الفائت, راجت أمثولة تبجيلية. الأمثولة, طفرت من محمد الحرازي، ولاقت، حينها، تعليقات أشد لذوعة.
«لا يشرفني أن اشغل منصباً إذا لم يرشح الرئيس نفسه»، قالها الحرازي. فيما يشرِّفه، بل ويغريه الإبقاء على من ثبت انه يناله منهم تشويها فظيعا.
ولئن كان ظل الرئيس في المحافظة، فهو الوحيد القابض على جميع خيوط اللعبة، ووحيداً يدير دفة الأمور بمزاجية أكثر جدوى من حصافة مدير مكتب التربية.
تتمة الأمر, فأن يظل إحراز قلب محافظ حجة، بأي حال، أو في الأقل التَّماس معه، يعني, مما يعني, النجاة من المساءلات, لهو شيء بشع؛ إذ قلما يؤاخذ، بأية جريرة كانت، امرؤ يوده، لداعٍ ما. وبالمثل، لا تخطئ قبضته، والحال هكذا، امرؤ حاده أو أبقى علاقته محض رسمية وفي سياقات مغطاة بضابط لائحي أو قانوني.
[email protected]