طلاب «الغشمي» قتلى قبل الأوان – فواز الشرعبي

طلاب «الغشمي» قتلى قبل الأوان – فواز الشرعبي

العاشرة صباحاً، موعد «الراحة»، ويفترض أن يغادر الطلاب فصولهم لقضاء استراحة قصيرة قبل استئناف الدراسة مجدداً.
لكن الوضع مختلف في المدرسة التي تحمل اسم رئيس يمني مقتول (الغشمي)؛ فالطلاب لا يحتاجون وقتاً محدداً لقضاء تلك الاستراحة القصيرة. إنهم يدرسون في مبنى مفتوح لا يشعرهم بالحبس، لكنهم يحتاجون من يُبعد عنهم هاجس الموت قبل الأوان، ومثلهم المدرسون والإدارة.
عبدالرحمن هزاع، أحد مدرسي «الغشمي» يتحدث عن المدرسة: «تهددنا بالموت الذي لم يكتب بعد».
قالها بصوت حاد تتخلله نبرة قلق، وبيده اليمنى أشار صوب سطح الفصول الثلاثة المتهالكة، وهي مجموعة ما تبقى من فصول المدرسة الاحد عشر: «السقف مهترىء ويمكن ان يسقط علينا»، واستدرك: «والطلاب في خطر».
كانت اشعة الشمس ترسم خيوطاً ضوئية في ساحة الفصول الثلاثة بعد تخللها الشقوق والتصدعات البارزة في جدرانها. هي تضفي على المكان مزيداً من الوحشة.
المدرسة التي حملت اسم الرئيس الغشمي بعد عام من حادثة مقتله، تقع على مقربة من مركز مديرية شرعب السلام -محافظة تعز. عند تأسيسها في العام 1977حملت اسم «التصحيح» وما زال منحوتاً على الجهة الوحيدة الصامدة من سور المدرسة. أما الثلاث الجهات للسور فقد انهارت.
يمر بجوار المدرسة خط غير معبد للسيارات يربط بين العديد من قرى مديرية السلام. ولو قدر لغريب أن يمر من أمام المدرسة لكان الاحتمال الأقرب إلى ذهنه أنها بناية مهجورة، لكنه إذا ما اقترب منها سيلحظ أشباه أناس خلفتهم عاصفة رملية، معلقين في نوافذ المبنى الذي اعتقد أنه مهجور. وسيكتشف أن كراسات ذات اوراق متسخة يقوم اولئك المعلقون في النوافذ بتعبيتها بوحي من داخل المبنى.
إذا جاورها سيعرف أن هناك الكثيرين -غير المعلقين في النوافذ- مكومون في ثلاث حجر بالمبنى المهجور وهم أيضاً مغبرون، وفي أقصى كل حجرة يقف شخص هو ايضاً مغبر ويحمل طبشوراً وكتاباً، حينها سيدرك ان ذلك الواقف مدرس وان المكومين والمعلين في النوافذ طلاب.
عند الانتهاء من الدراسة ستشاهد الجميع -طلاباً ومدرسين- يقومون بحركة واحدة: تنفيض تلك الأتربة، قبل أن يغادروا، كأنهم في حفلة تنكرية.
حالياً تتكون المدرسة من ثلاثة فصول دراسية يحتشر فيها ما يزيد عن 450 طالباً، فيما بقية الطلاب يتوزعون في الجزء المتبقي من ساحة المدرسة، بعد أن التهمت جدران الفصول المنهارة الجزء الأكبر منها.
مدير المدرسة عبدالواسع الفهيدي، افاد بأن الفصول الثلاثة المتبقية تمثل تهديداً حقيقياً لحياة المدرسين والطلاب. موضحاً أن البداية لظهور اعراض التهالك تمتد إلى عام 1995. وقال إن ثمانية فصول من أصل أحد عشر فصلاً سقطت وانهارت اسقفها خلال الخمس السنوات الماضية.
وعبر الفهيدي عن قلقه على حياة الطلاب والمدرسين، وقال بصوت متحشرج: «لا بد من حل لهذا الشبح».
منذ الساعة الثالثة عصراً يتحول مبنى المدرسة وساحته إلى مأوى للزواحف والكلاب، فضلاً عن كون المارة يضعون مخلفاتهم فيها.
«محمد» طالب في الصف الأول الثانوي، يقول: «نحن طلاب في الكشوفات فقط، ونحن لا نفهم الدروس، من الخوف».
محمد، في حديثه يكشف عن حجم المأساة التي يتكبدونها جراء الخوف: «هناك مجموعة من الطلاب، وأنا معهم، نحرص أن نبكر إلى المدرسة ونسبق لنجلس على الشبابيك حتى لو قدر الله وشعرنا بحاجة نقدر نهرب بسرعة وإذا تأخرنا لا نروح المدرسة» محمد وزملاؤه في الصف الأول الثانوي وعددهم 150 طالباً يحتشرون في فصل واحد أشبه بالشبح المرعب حال بقية الفصول.
أما «خالد. ع»(17 عاماً) -طالب في الثاني الثانوي- يعلق: «المدرسة مقتولة بسبب اسمها (الغشمي) وأقترح لو بدلوا اسمها بمدرسة الصالح أو الصوفي ربما يهتموا بها».
الطلاب والمدرسون يؤكدون أن مدير المديرية واعضاء المجلس المحلي قطعوا على انفسهم عدة وعود أثناء زيارتهم للمدرسة ووعدوا ببناء مدرسة جديدة. وهو نفس ما أكده «صالح الكلالي» مدير المديرية الذي أفاد أن مخططاً لبناء مجمع ثانوي في مركز المديرية قيد الدراسة.
لكن محمد حمود محمد -أحد مهندسي مكتب التربية في محافظة تعز- نفى وجود مثل ذلك المخطط.
وإلى أن يقر مخطط لذلك أو دراسته وتنفيذه، سيبقى طلاب مدرسة الغشمي ومدرسوها وإدارتها، تحت تهديد الموت قبل الأوان، وستظل العاشرة صباحاً ميقاتاً لا يهتم به الطلاب.