مع خطباء المساجد بدون قيء ولا إقصاء – نبيل الصوفي

مع خطباء المساجد بدون قيء ولا إقصاء – نبيل الصوفي

تعقيبا على مقالي الأسبوع قبل الماضي بشأن المرأة، والذي تمنيت فيه أن يقوم خطباء المساجد بدور مهم تجاه حقوق المرأة، قالت الأستاذة القديرة أروى عثمان –وهنا في هذه الصحيفة أيضا العدد الماضي- إن دعوتي هي كمن “يجتر دعوة آلاف السنين، بل كمن يأكل قيئه”. واسترسلت بعد ذلك في التأكيد على غضب، أتفق معها تماما بشأن مقدماته، ولكني أختلف معها في كل ما بعد ذلك.
ومع التأكيد على احترامي لها وتقديري لرأيها، فإني اعتقد أن مقالها تضمن جرعة عالية من الإقصاء. وسأكتفي بالاستغراب فقط من حديث عن “قيء” في مجادلات حوارية.

ليس لدى أحد منا إحصائيات بالوجود المسجدي –وحيث ثمة مسجد ثمة عشرات الخطباء يتسابقون على تحميلنا بوعيهم وآرائهم باعتبارها الرأي الحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. طبعا مع الاعتراف بخطورة وكارثية التعميم الذي يتعامل مع كل خطباء المساجد باعتبارهم شراً محضاً يجب “رميهم في البحر”.
غير انه لا أحد يمكنه إغفال تأثير هذه الوظيفة التوعوية. ولا حتى الذين يقفون موقفا واحدا معك أستاذة أروى تجاه الخطباء، وقد تلقيت رسائل تؤيد منطقك “طبعا بدون قيء”.
كما أن هذا الغضب من خطباء المساجد، مع أن هناك من سيعتبره ضيقا بالحرية الدينية، وآخر سينقلها إلى ضيق بالدين، وثالث سيصل إلى حد أن أصحابه “عملاء للغرب الذي يريد أن يجفف منابع الإسلام” مع أن هذا الغرب يمول في بلدانه فتح المساجد من الخزينة العامة.
هذا الغضب، هو بحد ذاته تعبير عن التأثير الذي لهذه المؤسسة المدنية المهمة. والتي لا تضاهيها أي مؤسسة في تغطية المناطق السكانية مهما كان عدد قاطنيها كثيرا أو قليلا.
ومع أني كنت أتمنى أن لا يتجه الجدل بعيدا عن “قضية المرأة” التي تلقيت عن مقالي عنها ردودا كما لم أتلق على أي مقال لي في هذه الصحيفة من قراء وقارئات اتفقوا معي واختلفوا، ولكن لم يقل أحد أن قضية المرأة ليست مهمة، إلا من كان ينظر لها من زاوية أنه “طالما أن ثمة منظمات وأفراد ودول تتحدث عنها فهي إذا ضد الاستقلال والسيادة اللذين ننعم بهما في بلداننا”.
لكني مضطر، لانتقاد هذه الحدة التي صبغت مقالك أستاذة أروى تجاه خطباء المساجد. إذ رأيي أن المقال في مجمله حكم إقصائي يسترجع الأخطاء التي أسقطت المجتمعات الإنسانية التي تسكن هذه المنطقة، ويلقي بها على الخطباء. (أظنك تدربت كثيرا على الخطابة في أوقات مبكرة من حياتك لذا تلبستك روح الخطيب الآمر الناهي).
نعم ثمة إرباكات عدة يصنعها خطباؤنا أيا كان المنبر الذي يعتلونه، ويزيد من تأثير من يعتلي منبر المسجد أنه يتحدث كناطق باسم الدين، وكرسول للرحمة، ومن شعب الله المختار. وليس ثمة فرصة لمناقشة أحدهم ولا لتصحيح أخطائهم، ولا لإدارة الحوار معهم مطلقا مطلقا.
غير أن ذلك لا يبرر الدعوة لإقصائهم، بل للاعتراف بالقصور الذي يحرم المجتمع من جهود الخطباء كناشطين في ميدان المعرفة، وفي الخدمة الاجتماعية، ومراكز قوى مهمة. ولنركز على القصور الذي يخصنا نحن غير الخطباء، لتجنب السهولة في إلقاء المسؤولية على الآخرين. وأنوه هنا بالدور المتميز الذي يقوم به الأستاذ شوقي القاضي، عضو مجلس النواب، عبر منظمته في تعز، حيث يقدم تجربة أتمنى أن يسلط الضوء عليها كثيرا، في الحديث والنقاش مع أرباب هذه الوظيفة المهمة.
خذوا الحكمة من أفواه الحكام، ومن التجربة الغربية.
لقد كانت الدولة العربية والإسلامية، ومبكرا، مدركة لتأثير هذه الوظيفة. ومع أنها فشلت في استغلالها لصالح الأهداف الكبرى كالتحديث الفكري، والتجديد السياسي، والتربية العلمية، وتقوية المرجعيات الوطنية من دساتير وقوانين وغيرها، فقد نجحت في تحييدها عن ميدان الصراع تجاه العدالة الاجتماعية، والإصلاح السياسي، وتجذير روح المواطنة.
طبعا أتحدث عن تجربة الدول التي لم تقبل الصراع مع المجتمعات على أسس أيديولوجية وفكرية، من تجربة الملك حسين في الأردن وحتى تجربة الرئيس علي عبدالله صالح في اليمن، وبالطبع لا يمكن إغفال تجربة أنور السادات أو حتى تجربة مبارك في مصر، فضلا عن التجربة السعودية والخليجية بشكل عام، والتي وظفت هذه الوظيفة لصالح الخطوة الأولى لها في بناء الدولة ثم تركتها بعيدا عن التطوير والتحديث حتى عادت لها عبر غبار ال11 من سبتمبر.
وكان ذلك خلافا للمنهج الإقصائي في المجتمعات التي حكمتها حركة اليسار، من الجزائر إلى اليمن الجنوبية (ولست هنا في معرض تقييم الصواب والخطأ والعوامل التي أدت لكل ذلك) أقول: ذلك الإقصاء الذي خلط بين الوظيفة والموقف السياسي أو المنهجي للمشتغلين بها، حرم المجتمع من هذه الوظيفة التي ما لبثت أن اتجهت بعيدا عن حاجات المجتمع، هذا إن لم يكن ضد هذه الحاجات ولو بالسر. وبالطبع لا علاقة لذلك بما تتهم به حركة اليسار من موقف ضد الدين، إذ أنه من وجهة نظري يأتي ضمن سياق الموقف من الحريات أو حتى العجز عن تقديم تجربة حديثة لإدارة الخيارات العامة، والذي تغولت فيه وظيفة المؤسسات الأمنية على حساب المؤسسات الثقافية والفكرية، من المسجد وحتى الصحيفة والنقابة.
صحيح لم يقدم خطباء اليمن الشمالي، والأردن، ومصر نموذجا مذهلا من رؤى التحديث، فضلا عن أن خطباء السعودية وكثيرين من خطباء العالم الإسلامي في كل دولة ومنها اليمن، أنجزوا كارثة كبرى ضد حركة المجتمع الإنساني برمته، بتمكين النزعة المتطرفة والإرهابية أدلة وفكر ديني؛ لكن الانفتاح تجاه تلك الوظيفة –في تلك البلدان- كان منطلقا جيدا، لكنه أُفسد تاليا بسبب غياب الرؤية الوطنية في إدارة الدولة برمتها، أو تحت تأثير الصراع السياسي بين مكوناتها. وليس هذا ما يمكن نقد الخطباء وحدهم بسببه.
ولتسمح لي الأستاذة أروى، والأستاذ عبدالملك المرهبي، وهو أحد من علق على مقالي السالف ذكره فيما يخص دور الخطباء، أن ألفت انتباههما إلى النجاح الكبير الذي حرر الدين المسيحي من الكوارث الذي ظلت تنتجها الكنيسة وخطباؤها، كمواصلة للنقاش.
لقد أثمرت المدرسة السياسية وبسبب النزعة التجديدية الحقيقية للفكر الأوروبي، ومن بعده الأميركي عمليا، تعاملا راقيا مع خيارات المجتمع، ومع وظائفه التقليدية ومنها خطباء الكنائس. رغم الصراع الحاد التي كان يحكم الطرفين، وبما لا يمكن قياسه مع ما يحدث وحدث في المجتمع العربي والإسلامي.
كما أن المؤسسة الحديثة (الدولة، المدرسة، السياسي، البرلماني، الصحفي) رفضت أن تحمل راية القيم التي كانت تنتقدها من المؤسسة القديمة (سواء أكانت الكنيسة أم المعتقل). بل قدمت نموذجا أكثر رشدا ورقيا، باعتبار المشكلة ليست في وظيفة رجل الدين ولا في الخطيب ولا في الكنسية، كما ليس في الدولة ولا في السجن، ولا في جهاز الأمن، بل في الإطار العام الذي تعمل ضمنه كل هذه الوظائف، وطالما تغير الأمر فإن المجتمع بحاجة لتعاون واسع يصنع التحولات التي يحتاجها مجموع المجتمع وتقررها من ثم مؤسساته المختلفة.
ولذا انتقلت الكنائس ورجال الدين إلى الصفوف المتقدمة في مهمات التصدي لمشكلات الحياة. مما حول الكنائس إلى مراكز إشعاع علمي وحضاري، مع الاختلاف، ولا شك، بين الطرفين بعد ذلك بشأن قضايا مهمة، حتى تلك التي يعد الخلاف فيها مثيرا للقطيعة الكاملة كالموقف من العقيدة، ومن الأسرة، ومن الخيارات التعبدية، والحريات الشخصية. وهذا هو أحد الوجوه الجوهرية للديمقراطية التي لاتزال عصية على خياراتنا الفردية حتى لو رفعناها سلاحا سياسيا من المؤسسات العامة، ومن الحكم والحاكم.
إنه ومع موقف الكنيسة المتمسك بمرجعياتها الدينية، فإن التعامل، الذي مثل حالة أفضل من تعاملها هي حتى مع نفسها وأعضائها، من قبل أرباب المعرفة والثقافة العلمانيتين، أغلق أمام الكنيسة أبواب الانكفاء، والتحيز، فقادها إلى الاشتباك مع المجتمع العام، في دورة دائمة من الجدل العام الذي يتيح لكل منا، شخصا أو وظيفة أو مؤسسة أو تجمعا، أن يدافع عن حقوقه وأن يقدم مقابل ذلك واجباته. وفي النهاية فإن “الزبد يذهب جفاء”. ويجر “ما ينفع الناس”، الناس إلى الموقف الأرشد. وهو رشد جمعي قيمة له إن تحول إلى تجريم للفردية أو تحريم لها.
وليس لهذا ما يشبهه في التجربة العربية والإسلامية، التي تمتلئ بنماذج إقصائية شديدة التطرف بحجة أن المسجد والخطبة مصنعان للتطرف. وهو الموقف الذي تنطلق منه الأستاذة الرائعة أروى، ويذكرني بموقف السياسي المصري “رفعت السعيد” وهو يعتبر أن الخطوة الأولى للمسجد هي الخطوة الأولى للتطرف.
مع العلم، وهنا أتحدث عن قناعة شخصية، أن أصول الفكر الإسلامي، كفكر إنساني أفرزته تفاعلات المجتمع، فضلا عن المصادر ذات القداسة من القرآن والسنة النبوية، تحول دون إطلاقية الإدعاءات التي يحاول بها بعض الخطباء حماية ما زرعه أسلافهم من قداسة للخطبة والخطيب، وحتى للفتوى والمفتي، في سياق الصراع بين السلطة السياسية والسلطة العلمية.
ويمكن أنه لولا التعامل المحتقر للتراث النظري للمجتمع الشرقي من رموزه السياسيين حاليا، وانخطاف بصر بعض المفكرين، وانحباس الرغبة بالممارسات الميدانية واليومية رغم أنها إنتاج مراكز التربية من البيت إلى العادات والتقاليد أكثر من كونها خيارات فكرية، وبالطبع مع كثير من الإنتاج النظري المتطرف والمتزمت لكثير من رجالات التراث والتاريخ الإسلامي. أقول لولا ذلك لما سهل على الخطباء تحويل الجملة التراثية إلى سلاح ضد التحديث، والحرية، وبالمحصلة، والمرأة.
فالفتوى من طالبها أو قائلها مجرد خيار فردي (رؤية) لا تعبر إلا عن فرد أو لنقل من أنتجها من مجموع، كان فلاحا أو خريج شريعة، لابساً جبة وقفطانا أو بنطلون جينز، رجلا أو امرأة.
ونظريا –وبأدلة شرعية وعملية يمكن أن يخطب بها خطبا عديدة- فإن الخطيب والمفتي ليس هو من يقرر الصواب والخطأ كمطلقات، بل هو مجرد وسيط بين آخر ومعرفة لم يتحصلها، تماما كالمحامي أو كأستاذ التربية الفنية، فالحياة لا يتحكم بها لا الخطيب ولا الفتوى بقدر ما هي الظروف العامة التي تأتي في سياقها هذه الفتوى أو هذه الخطبة. ولأننا نعيش في خضم هذه الظروف فأعتقد أنه يتوجب علينا الاشتباك مع هذا الخطيب والمفتي، بدلا من محاولات ستفشل حتما لإقصائهم، كوجه آخر من وجوه الخاطئ الذي يتعامل معهم باعتبارهم ظل الله في الأرض.
ولا أرى في ذلك انتقاصا من قدر المجتمع، ولا من حريته، حتى –على الأقل- يكون المحامي –مثلا- أهم للمجتمع من المفتي. إذ حينها إذا منع الأخير الطرفين من التشارك في صناعة الخيارات، فإنه يمكننا أن نقول لكل خطيب ومفتي: “نقطونا بسكاتكم يرحمكم الله”.
أما وطالما المجتمع والخطيب أكثر شراكة، فإن الواجب الاشتباك معهم، تأييداً وانتقادا، ولكن بعدل في الحالتين.
مع حقنا جميعا في تنازع مراكز التأثير، لكن دون أن ندعي أن لذلك علاقة بحاجات المجتمع؛ إذ سيكون الأمر نقاشاً اعتيادياً يقول فيه الخطباء إنهم “ظل الله في الأرض”، وسيقول المعلمون إنهم “ورثة الأنبياء”، ويمكن للكتاب أن يقولوا إن الناس إذا سمعوا فتاواهم بدلا من الخطباء، فإنهم سيكونون “على الطريق المستقيم”. ولحاجات الناس خيارات فردية مهما بدوا “عامة وغوغاء” فإنهم جديرون دائما باحترام خياراتهم الشخصية سواء انحازوا لمحمد الربادي، أو لمحمد المنصور، أو لعبدالمجيد الزنداني، أو لعلي عبدالله صالح، أو لهائل سعيد، أو لعبدالفتاح اسماعيل.
وإلا كيف تشوفووووووووووووووووووووووو؟
[email protected]