8 مارس.. وطاقية الإخفاء – أروى عثمان

8 مارس.. وطاقية الإخفاء – أروى عثمان

* إلى السيدة/ بريجيت جيراردا، وزيرة التنمية والتعاون الدولي الفرنسية، بمناسبة منح اتحاد نساء اليمن وسام الوزارة، تقديراً لدوره في النهوض بواقع المرأة اليمنية.

(1)
أتأسف لجموع “المثقفات” وقائدات حركة حرية المرأة والاتحادات النسوية، اللواتي “ادوشوووووووونا” بهتافاتهن التحررية على مدى عقود من الزمن خصوصاً في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، التي أنتجت تحرراً لكن في قشور المجتمع، أما بناه الوعرة فازدادت صلابة، ومناعة ضد أي تغيير وتحديث، ومن ثم كانت النتيجة إنتاج المزيد والمزيد من معاول التخلف والجمود.

(2)
ومنذ سنوات ليست بالقليلة خرجت تلك الجموع النسوية لتتساكن، وتلعب لعبة إمساك العصا من الوسط، بمقولات تنظيرية مكرورة في المؤتمرات، وحتى في غرف النوم: ” نتحرر نعم، لكن شريطة ألا نخرج عن تعاليم ديننا وتقاليدنا وأعرافنا وثوابتنا الوطنية ” لازمة ستسمعها في كل حين، ويزداد تأججها وهيجانها في يوم 8 مارس، خصوصاً في حضرة الزعماء ووجوه السلطة، التي تكون عادة مكونة من نفس تلك اللازمة بمرجعياتها الثلاث: الفقهاء، شيوخ التقاليد والقبيلة، وزعماء الحكومة. هذا الثلاثي ( المرح ) الذي يترأس كل الكائنات الحية والميتة في البلاد، يفصفصها، ويقصقصها ثم يوصوصها، لتخرج مكأكئة بامتياز على مدى مئات القرون..

(3)
في البداية كنا نظن هذا الغزل النسائي ( المتحرر جداً على نغمات: نعم، ولكن… نعم، شريطة…) للمرجعيات، لأجل منصب، أو مكرمة من المكارم التي توزع كما توزع عيدان “القات” في عرس تقليدي. لكن حتى في الاجتماعات النسوية الصرفة (التفاريط) حيث تتعالى سحب الدخان، وأعشاب القات، والحشوش (النميمة)، تجد هذه البسملة تتغول في تفكيرنا وخيالنا، فنسبح بحمدها حاضرين وغائبين.

(4)
وخوفاً من أن تفتش أوراق تاريخهن (النضالي، المتحرر) فتغضب المرجعيات الثلاث، فإنهن لا يتوقفن عن الاستغفار لكل لحظة ( تحرر-تمرد )، وبعصابية يلكن اعتذارهن الضمني والصارخ عن أية مظاهرة قدنها، وعن أي جينز لبسنه، وعن كل خصلة شعر لمعت على جبين إحداهن ذات يوم، وعن كل مشاركة شاركن بها في حضرة الرجال، وعن شارة النصر أو الشهادة التي رفعنها ذات يوم، وعن كل صوت ارتفع لأجل المحبة ولأجل المساواة والعدالة الاجتماعية وعن.. وعن.. وعن…

(5)
كنت، وبعض الصديقات، حزينات كيف تردت حركتنا النسوية التي كنا نهلل لها، وخصوصاً عندما نرى صورهن تملأ الصحف والمجلات، وخطبهن النارية التي دكت الجبال دكا، وطحنت الصخور طحنا، وداست التخلف دوساً!؟
واكتشفنا انه لا تردٍّ ولا يحزنون، هن من نفس نبع تلك المرجعيات الفحولية، ضلعهم الأعوج، الذي كان في أيام “الزخم الثوري “بسفور، والآن زخماً عبر حجاب. فصحيح أن قيم: الدك والطحن، والدوس، قد رصت بالضجيج لكن لم نر في هذا السديم كلمة نقيضة لهذه القيم، كقيم: نزرع، ننمي، نحيا.
هي نفس شعارات المرجعيات السلطوية الثلاثية، مثلها مثل التلقيح الثلاثي، الذي رأيناه يرجع بقوة برغم “المشلى ” التي تعلم كل كتف وعضلة رجع بقوة الشلل، والسعال الديكي، والسعار الحكوكي. .. فاتحادي نساء اليمن – أكان في الشمال الإمبريالي و في الجنوب الاشتراكي، قبل الوحدة، هما تفريخات، وتخريجات السلطة، بل وذيلها الأعوج الذي لم، ولن يستقيم.

(6)
مع انحسار الاشتراكية، وانقصاف القومية، وبزوغ مرجعيات الفتوى، لبست (محرراتنا) الحجاب، ونظّرن لأفكار الفتوى والعرف، والقبيلة وغداً ستأتي مرجعيات، أية مرجعيات، حتى لو كانت مرجعيات أم الصبيان، وأم الجن، سيتدافعن من قبورهن إلى قبور جديدة – قديمة، فما شاء الله حجابهن العقلي وحجاب التمائم ضد الصدأ في حضرتهن على الدوام، يلمعن على الدوام، يفنى الجميع إلا هن ومرجعياتهن الضاربة في القدم، وفي الكراسي، والحياسي، والبُجم.
ولذا فهن لم يقدن حركات تحرر، ولا حتى حركة “جاري جملـ” لأن التحرر فكر، تمرد على المرجعيات والثوابت أياً كانت، وليس قشوراً كما حدث في عهود القومية والاشتراكية. . فلا يختلف إن حكمتنا مرجعية ماركس ولينين وانجلز أو علي ابن زايد والحميد ابن منصور، أو أبو هريرة وأبو قُطيطة. . أي أن الأموات من يحكمنا، فنحن النساء لا نسير إلا وفق رؤى مرجعيات الأموات، حتى لو كان تحت تسمية جدلية الصراع الطبقي، أو العنف ضد المرأة، أو مفاهيم الجنوسة الجندرية.

(7)
بعد هذا العمر أجدني معزولة عن النساء القائدات، والرئيسات، والزعيمات، والشيخات، والمديرات. معزولة بلا لمعة، ولا نجمة، عن أعيادهن، وخطبهن. مقصية عن ثقافة التريكو أكان شيوعياً، أم راسمالياً، أم اسلامياً، هي نفس الإبرة، ونفس الغرزة، نفس الخيط الذي وهن وتمزق. معزولة عن أمميتهن ومحليتهن.
كيف انتمي إلى اتحاد نساء اليمن، وفي يومي العالمي تتقاذفني خطب إعجازية لزعيماتنا القديمات – الجديدات: ” لنشكر ثالوث المرجعيات، فقد أعطونا، ومنحونا، وعملوا لنا، وتركوا لنا و.. و.. و..و.. والخ، بل ولولاهم لكنا ” خلف الشمس بخمس”. وبموزاة خطبهن تتقاذفنا بلدوزرات الشتم والقذف والرجم من الشارع، ومن الحافلات العامة، ومن المسجد، ومن ساحة العلم والمعرفة تصفعنا: ” استتري ياعاقة والديك، قري في بيتك أيتها الفاجرة، الله يلعن أبو الحرية التي جعلتكن تخرجن للشارع، والله لو كنت ِ مرتي أدفنك حية، ورب الكعبة المشرفة لو كنت أختي لمزقتك، وشربت دمكـ”. . الخ.
فأي اتحاد نسائي لم يحرك ساكناً لمئات قضايا الإهدار للمرأة ( كقضية الطفلة المغتصبة سوسن المضلعي من قبل احد كبار مشايخ البلد ) للنساء المفجوعات والمرهقات في السجون، والأرياف، بل وفي قلب المدن والعاصمة، في المدرسة وفي الشارع، في الوظيفة. وفي البيت، بل هو الذي يمارس هذا القمع بآليات وحدوية، خصوصاً عندما تعدد زعيمتنا الوحدوية جداً: “تحمدوا الله معنا وزيرات، مدرسات، نقود السيارة، غيرنا محرم عليهن، معنا طبيبات، مهندسات، معنا نساء قريبات من صنع القرار، معنا حرية، معنا ديمقراطية، معنا كدم، ومقالي سلتة، معنا كم ملوجة، وكم لحوحة وحدوية، وكم طنجرة، وكم جمنة قشر، بس غيرنا في دول الجوار ما معهم شيء.. فلنحمد الله على النعم التي أسبغتها علينا السلطة بمرجعياتها، فلولاهم لكنا اليوم موءودات في أسفل سافلين”. و تقفز زعيمتنا بمنطادها السحري إلى حقل بروبوجاندي أوسع، لتفتي بأن لكل حرية حسناتها ومضارها، لا بد من إشارات حمراء، وما يسري على الحرية فانه يسري كذلك على الديمقراطية والمساواة، وبدون هذه الخطوط الحمراء التي أنتجتها عقول الثالوث المرح، لكنا كائنات غابية نأكل بعضنا بعضا في الطرقات.

(8)
كان هذا لسان حال عيدنا (8 مارس)، الذي احتفلت به وجوه كثيرة لامعة تُغسل -وعلى الريق- بمرق دسم كثير “الثربـ” فثقافتنا وشهاداتنا ( التي أتحفتنا بها الزعيمة الوحدوية ) لم تضف سوى الخوف الممنهج، الذي نفلسفه وفق جداول الخوف والسلط المتناسلة، ولا، ولن يتنج إلا المزيد من الخوف، والحفر الكثيرة والعتية لتبتلع حركتنا وإبداعاتنا وحياتنا.

(9)
زعيمات اتحادات النساء، المعتقات، اللواتي اغتصبن الكراسي، وسيورثنها، كما يورث الحاكم السلطة له ولأبنائه ولأسرته و.. و.. و الخ، هن فحوليات أكثر من الفحول أنفسهم، ولا أشك أنهن يمتلكن لحى وشوارب كثة، وجنابي، وسيوفاً وبنادق مخفية، ومعاوز، وسماطات، بس أين؟ لا ندري! هذا يلزمنا أن نفكك طاقية الإخفاء، في حضرة جن وشياطين وسحرة، وغيلان الحكايات الشعبية.
والا كيف تشوفووووو؟
[email protected]