عوض كشميم – في حضرموت الوادي.. يقدسون المسؤول ويقهرون أصحاب الرأي المعارض

عوض كشميم – في حضرموت الوادي.. يقدسون المسؤول ويقهرون أصحاب الرأي المعارض

 صيف الاسبوع الفائت جمعتني جلسات اجتماعية في مدينة سيؤون «الطويلة» مع عدد من الشخصيات الاعلامية ومسؤولين محليين، فكلما ازددت ترحالاً في مدن الوادي الرئيسة أزدت فرحاً وحزناً في آن واحد.
في مدينة سيؤون عاصمة الوادي والصحراء التي تزداد ازدحاماً وتوسعاً عمرانياً غير معهود، كذلك نشاط تجاري ملحوظ خلال الخمس السنوات الماضية، لا شيء يبدو مستحيلاً في تلك المدينة المحاطة بحدائق النخيل الرائعة.
لا، إن الزمن فيها لم يتوقف وهو في حركة مستمرة، باستثناء ذهنيات من يطلق عليهم النخبة الذين لم يواكبوا التطور المتسارع وتحديداً من تربطهم علاقة بجهاز الدولة، للأسف الشديد ما يزالون يفكرون بعقلية الشمولية، لم يتحرروا من إرث قداسة المسؤول، الأمر الذي يدعو للشفقة والحزن. هناك إصرار كبير على المضي في طريق الطاعة والخنوع والسير في ثقافة قتل الإبداع.
اسبوع إقامة في عمق مدينة سيؤون الجميلة لم اسمع رأياً معارضاً لبعض جيوب الحزب الحاكم وزبانيته رغم هالة الفساد المدججة من حولهم، فإذا تريدهم يرضون عنك ويأخذون بيدك لابد أن تنتمي إلى «شللهم»، وتشن حربا هوادة فيهاعلى خصومهم السياسيين. في جلسة «مقيل» وسط حدائق سيؤون الجميلة قال مسؤول، محاولاً أن يرضي المسؤول الاكبر منه، إنه من ضمن اشتراطات ذهابنا إلى مقيله: «حاول ان تراعي شعور المسؤول وأن تذكر الانجازات في عهد الوحدة الميمون ومع كل حديث لابد ان تشيد بالرئيس حينما تسمح لك الفرصة!»، رغم انه من المسؤولين الشباب المحسوبين على اتجاه التغيير المحتفين بالوحدة. ذهبت معه ليس لأنه يريد ان يملي مواقفه على الآخرين بقدر ما اننا نسمع ما يقوله الآخرون ربما إلى هذا الحد بلغ بهم امتهان كرامة العقل والأخلاق معاً حتى يبقوا على كراسيهم. هذا نموذج بسيط من عدة نماذج على هذه الشاكلة لمجرد ان تقلبات الزمن دفعت بهم أن يصبحوا مسؤولين يتقاسمون الكعكعة دون حسيب ولا رقيب، نظرت إلى ذلك الرجل وشعرت بحالة الضعف المرسوم على وجهه، تلك الاصناف قد نسيها الزمن اوإنهم قرروا مع سبق الإصرار أن يكونوا أعداء للحركة والتحرر من التفكير نحو الانفتاح على الآخرين، لم يدرك هؤلاء القوم ان النهوض الذي تشهده هذه المدينة في شتى مناحي الحياة لابد وأن يكون امتداداً لحركة التطور في المنطقة، الامر الذي يدعوا إلى مواكبة التطور في جغرافيا العقل.
هذه المدينة تحتاج إلى صحوة ضمير عند قياداتها، شيء من خوف الله، ثم شيء من خوف الناس، شيء من الصدق مع النفس.. القناعة بأن للمال العام حرمته، وللناس حقوق شرعية في الحصول على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.. في حضرموت الوادي اصحاب الرأي المعارض مغيبون يواجهون حالة من الإقصاء والتهميش.
المعارضة الدينية حضورها متميز فيما مؤسسات المجتمع المدني تكاد تكون مفقودة، الجمعيات الإسلامية حاضرة بشدة يمكن اعتبارها اذرعاً للحركة الإسلامية في حضرموت وقد استطاعت ان تكسب تعاطف شرائح اجتماعية واسعة، قدمت لهم خدمات اجتماعية وإنسانية من المدينة إلى الريف، مؤسساتها الدعوية تبدو فاعلة في البادية والحضر.
في الجانب الآخر يقف الاشتراكي الذي حولته السلطة في حضرموت من حزب جماهيري إلى مجرد عنوان مكتوب على يافطة… في سيؤون يطلقون على الاشتراكي «الديناصور» كناية عن عدم تأقلمه وانقراضه، قياداته تعيش حالة من الإحباط والركون والبؤس، ربما يندرج في إطار خطة نشاط التيار الاستئصالي داخل الاشتراكي نفسه، لا لشيء إلا لأن بعض قياداته لها موقف من الآخرين، حالة من أزمة ثقة من قوى اجتماعية لم تكن محسوبة على من كان يطلق عليهم «البروليتاريا» اصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة، ومع تزايد انكماشه وانسحابه من مواقع جغرافية فإن المساحة التي يتركها تحتلها قوى اخرى، وهذا مؤشر خطير على المجتمع وعلىقواه الحية، مفهوم المشاركة الشعبية، في صنع القرار وفي توازن المصالح، ما تزال في خبر كان عند مسؤولي حضرموت… وكفى… >