هل نجحت الدبلوماسية اليمنية في إزالة غبار التوتر من سماء علاقاتها مع إيران وليبيا؟ – شاكر أحمد خالد

هل نجحت الدبلوماسية اليمنية في إزالة غبار التوتر من سماء علاقاتها مع إيران وليبيا؟ – شاكر أحمد خالد

تبادلت صنعاء مع كل من طرابلس وطهران عدة رسائل دبلوماسية خلال الاسبوعين الماضيين بهدف تخفيف حدة التوتر الحاصلة في علاقاتها مع البلدين على خلفية الاتهام اليمني للدولتين بالوقوف وراء حركة التمرد في محافظة صعدة. واللافت في هذه الرسائل انها جاءت في وقت يجري الحديث فيه عن توافق سعودي -ايراني حول عدة قضايا مثار خلاف بين الدولتين وفي مقدمتها الورقة المذهبية، بحيث تضمن الرياض بموجبه عدم استخدام طهران لهذه الورقة بما يضر المصالح السعودية مقابل تأمين دور معتبر لطهران في المنطقة.
كما تأتي في وقت شهدت العلاقات الدبلوماسية بين العواصم الثلاث (صنعاء وطهران وطرابلس)، مرحلة غير مسبوقة من التدهور المريع القابل للتغذية والاستمرار بفعل ظروف وعوامل داخلية واقليمية متشابكة ومتداخلة مع بعضها. فالقربي الذي انهى زيارة لطهران وسلم خلالها رسالتين من الرئيس علي عبد الله صالح الى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، ومرشد الثورة الايرانية آية الله خامنئي، عاد الى صنعاء بملف متناقض من التصريحات، فبينما اشار الى زيارته الناجحة من حيث تصحيح الصورة المغلوطة للقادة الإيرانيين بشأن ما يجري في صعدة، وتأكيده على ان الرئيس الايراني رفض مبدأ التدخل في الشأن اليمني، جاءت بعض التصريحات الايرانية الرسمية لتؤكد ذات الاتهامات اليمنية السابقة عن تورط ايراني فيما يجري بصعدة، والتي حاولت الدبلوماسية اليمنية إخفائها، غير ان المصادر شبه الرسمية في طهران نقلت عن الرئيس الايراني تشديده على ضرورة انهاء الصراعات الدائرة بين ما اسماه مسلمي اليمن، وسبقت تصريحات نجاد تصريحات مماثلة لمستشار قائد الثورة الايرانية “على اكبر ولايتي” اعرب فيها عن امله بأن تتمكن الحكومة اليمنية من إقرار السلام عبر الطرق السلمية وان تحول دون استمرار الاشتباكات في محافظة صعدة.
كما شهدت طهران موجة احتجاجات عنيفة ضد ما أسمته ممارسات السلطة اليمنية ضد انصار الحوثي، فقد اعتدى متظاهرون إيرانيون على السفارة اليمنية بطهران ورشقوها بالحجارة وحاولوا اقتحامها، وإذ طالبو بتغيير اسم الشارع الذي تقع فيه السفارة اليمنية إلى شارع الشهيد “حسين الحوثي”، طالبوا ايضا بطرد السفير اليمني من إيران، كما طالبوا بمزيد من الدعم للحوثية وأتباعها. ولازالت وسائل الاعلام الايرانية تتناول الاحداث العسكرية في محافظة صعدة بتعاطف واضح وتصوره على أنه صراع بين السنة والشيعة، فيما صنعاء تنتظر وفد التقريب بين المذاهب في خطوة اخرى تعدها تتويجا لنجاح دبلوماسيتها.
وعلى الجانب الليبي، اوفدت صنعاء فريقا من مؤسسة الصالح للتنمية التي يرأسها نجل الرئيس (احمد علي عبد الله صالح) لزيارة مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية التي يرأسها نجل الرئيس القذافي وذلك قبل يوم واحد من زيارة أمين اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي في ليبيا عبد الرحمن شلقم الى صنعاء حاملا رسالة من الزعيم الليبي لنظيره الرئيس علي عبد الله صالح لم يكشف عن محتواها، وقال المبعوث الليبي في تصريح صحافي لدى مغادرته صنعاء بعد زيارة استغرقت يومين انه ” يحمل رسالة جوابية من صالح إلى القذافي تتناول العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها في مختلف المجالات والتنسيق والتشاور حول القضايا العربية والدولية”. واشار إلى أنه أجرى محادثات مع المسؤولين في وزارة الخارجية تناولت تعزيز التعاون المشترك بين البلدين والتحضير لترتيبات عقد اللجنة اليمنية الليبية المشتركة بالإضافة إلى التشاور والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.
وبالرغم من ذلك، فإنه لم يداخل مراقبين ادنى شك بأن المحور الرئيس لهذه الزيارات هو محاولة لترميم العلاقات الدبلوماسية ورأب الصدع الذي اصاب علاقات البلدين خصوصا بعد الاتهامات العلنية التي وجهها مسؤولون يمنيون إلى ليبيا بدعم التمرد في صعدة. ووصل التدهور في علاقات البلدين، مرحلة غير مسبوقة في الاسابيع الماضية مع قيام السلطات اليمنية بطرد الطفلة الليبية المصابة بالايدز منيرة كمال المجريسي والتي كانت تتلقى العلاج في جامعة الايمان على يد الشيخ عبد المجيد الزنداني.
وذكر موقع “نيوز يمن” أن وساطة للشيخ عبد المجيد الزنداني لدى السلطات اليمنية لإبقاء المريضة الليبية لم تفلح، فيما قال إدريس لاغا رئيس جمعية الأطفال الليبيين المحقونين بالايدز “طردت الطفلة دون أي أسباب تذكر رغم تدخلات الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي أبلغ الجهات الرسمية في اليمن بحالة الطفلة، غير أن الجهات الرسمية في اليمن لم تأخذ بواسطة الزنداني”.
واشار الأغا إلى أن الطفلة طرد ت في شكل ترحيل أمني في غضون أربع ساعات، وأن اليمن طردت أربع عائلات ليبية يعالج أطفالها عند الشيخ الزنداني قبل ذلك، مؤكدا أن السفارة اليمنية في طرابلس جمدت تأشيرات ثمانية أطفال مصابين بالايدز. واعرب كمال طاهر المجريسي (والد الطفلة المصابة)
بعد عودته مسقط رأسه مدينة بنغازي الليبية، عن استغرابه للتصرفات الصادرة عن السلطات اليمنية بطلب ترحيله في غضون ساعات قليلة رغم دخوله إلى اليمن وفق إجراءات رسمية للعلاج. وقال:” قرروا طردنا وقالوا لنا: اذهبوا إلى معمر القذافي لكي يعالجكم”. واضاف “لا نعلم بوجود مشاكل سياسية أخرى، ذهبنا إلى اليمن على نفقتنا الخاصة للعلاج فقط، ونسأل الرئيس على عبد الله صالح لماذا تطرد هذه الطفلة البريئة”.
وكانت المصادر اليمنية خلال الفترة الماضية قد اتهمت ليبيا وإيران اكثر من مرة بدعم الحوثيين، واشارت انباء إلى أن صنعاء تعمل على تنسيق الجهود والتواصل مع بعض الدول العربية والإسلامية وبعض القادة للتدخل لدى السلطات الإيرانية والليبية لإيقاف الدعم الذي يقدم منهما لتنظيم الشباب المؤمن.
وتوقعت ذات المصادر أن تشهد الأيام القادمة تحركاً دبلوماسياً لإقناع الدولتين بالكف عن التدخل في شؤون اليمن، معتبرة ما يجري في صعده تصفية حسابات إقليمية ودولية تسعى من خلالها إيران لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية في العراق ولبنان واليمن، واحتمال امتداد تحركاتها إلى البحرين ثم المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية. فيما اعتبرت ان للزعيم الليبي حسابات اقليمية تهدف إلى تصفية حساباته مع المملكة العربية السعودية من خلال استغلال أحداث صعدة، ومحاولته إيجاد منفذ للعمل داخل السعودية من أي منطقة كانت، بعد أن كان هدفه الأول العمل في المنطقة الشرقية فقط واستهداف منابع النفط.
إجمالا لايمكن بأي حال من الأحوال فصل الزيارات اليمنية المتبادلة مع ايران وليبيا عن التطورات الاخيرة وخصوصا في الجانب السعودي الايراني، إذ تبادلت الرياض وطهران مؤخرا حركة دبلوماسية مكثفة وملفتة للنظر أجرى خلالها الأمين العام لمجلس الأمن الوطني الإيراني علي لارجاني عدة زيارات للرياض، كما زار الأمير السعودي والسفير السابق لدى واشنطن بندر بن سلطان طهران، وتوجت هذه الدبلوماسية بلقاء القمة بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، وقد خرج اللقاء – بحسب بعض المصادر – بوعود من كلا الزعيمين في مواجهة انتشار النزاع الطائفي في المنطقة.
وبالتالي عُدت زيارة القربي الاخيرة الى طهران بمثابة محاولة يمنية لاستعادة زمام المبادرة الدبلوماسية بعد فشل كسب الجار القوي في دخول خط المواجهة مع انصار الحوثي، لكن هل يمكن القول إن الدبلوماسية اليمنية نجحت في إزالة غبار التوتر والغيوم السوداء من سماء علاقاتها مع ايران وليبيا؟
ثمة من يشكك في هذا الامر خصوصا مع تواتر المؤشرات الاولية في ذات الاتجاه اقلها ان الخلاف الذي تثيره الورقة المذهبية يجد من التوظيف السياسي مبررات قوية للاستمرار والبقاء مدة اطول خلال هذه المرحلة، فيما على الجانب الليبي تبدو اللجنة التي اعلن الشيخ حسين الاحمر عن تأسيسها تحت مسمى ” اللجنة الشعبية للتضامن الوطني” واشياء اخرى مدعاة لإثارة واستمرارية غبار التوتر بين صنعاء وطرابلس كلما استدعت الحاجة. وربما نحتاج نحن الى فترة مناسبة من الوقت لمعرفة سيرورة هذه العلاقة وعلى ضوئها سوف تتحدد الاجابة على السؤال.

[email protected]