حرب صعدة والأسئلة الفاجعة – عبدالباري طاهر

حرب صعدة والأسئلة الفاجعة – عبدالباري طاهر

دخلت حرب صعدة عامها الثالث بعد وقفات تكتيكية سرعان ما تنفجر بأشد ضراوة وأكثر خطورة.
والأسئلة الحارقة التي تقذف بها حمم هذه الحرب في وجوهنا: ما طبيعة هذه الحرب؟ ما هي الأسباب و العوامل التي أدت إلى اشتعالها؟ و لماذا صعدة تحديدا؟
وهل الهلال الشيعي الذي يتحدث عنه الأمريكان والإسرائيليون وبعض الحكام العرب قد انتقل فجأة الى جنوب الجزيرة بدلا من شمالها؟
و هل هناك تدخل أجنبي حقا؟ أسئلة تتناثر كالمصائب المتناسلة من رحم ولود هي الحرب أم الكبائر كلها.
يستحيل أن نحيل إلى الماضي كل ما جرى و يجري في صعدة. وهي حقا احد معاقل الإمامة التي حكمت اليمن عدة قرون. كما انه قد يكون من السذاجة إغفال إرث قال عنه أحد أهم شعراء اليمن ” الزبيري “:
من أين يأتيك العدو وأنت في
أرض تكاد صخورها تتشيع
و هل للحرب العولمية التي تقودها أمريكا ضد الإرهاب دخل في الحرب. أم لصراع التيارات السلفية الجهادية والجهادية الشيعية أثرها. وهل لترتيبات الحكم المستقبلية أثرها أيضا.
معروف أن صعدة ومناطق عدة قد شهدت الحرب الجمهورية الملكية، التي استمرت أكثر من ثمانية أعوام. وكانت مناطق الحرب المعجونة بالحرمان والتعليم المذهبي سنيا أو شيعيا، وبالسلاح مع العوامل الخارجية بما فيها أو من أهمها ” الحرب الأمريكية على الإرهابـ”. والتحاق اليمن به باكرا في مواجهة التيارات الجهادية السلفية. وفجأة تحولت الحربـ” الاستباقية ” حسب استعارة لمصطلح بوش إلى مواجهات دامية في صعدة.
الحرب ضد السلفيين تلقى معارضة قوى نافذة في الحكم، وتطال حلفاء أقوياء في اليمن والجوار. أما المواجهة مع الحوثيين فتستجيب لرياح تتدثر برداء مواجهة الهلال الشيعي ونزعات أسطورية ” للعدننة و القحطنة ” و خرافات ما قبل التاريخ. عبثا يحاول الحكم بالحرب و في الحرب القفز على عجزه المدقع عن حل معضلات التنمية والبناء، وتوفير الحد الأدنى من مطالب برنامج الإصلاح السياسي الاقتصادي الاجتماعي وما وعد به صالح شعبه في الإنتخابات الرئاسة الماضية.
وتخلق الحرب أوهام التوحد والتراص، سواء في المنطق القبلي أم في الشعارات الثورجية العربية، و ربما اعتقد الحكم أن الحرب وسيلة فضلى لإسكات كل الأصوات وإعادة الإصلاح ” ذي الهوى السني إلى بيت الطاعة”.
تتداخل في هذه الحرب نزعات و نزوات قبلية و طائفية و تختلط و تتمازج مع أكثر الشعارات حداثة وثورية وعولمية: الوحدة الوطنية، الإمامة البائدة، حماية الثورة و الجمهورية والوحدة. ومواجهة الخطر الشيعي المحدق بالجوار النفطي، وصولا إلى التماهي مع الحرب الاستباقية الأمريكية. والشيء المؤكد ان الحرب الكريهة شاهد عارنا وفشلنا كحكم وكشعب.
فالحرب المستدامة منذ قرون كانت تعبيرا عن توحش مجتمعنا القبلي الذي لا يستطيع العيش بدون السلاح. واعتبار السلاح أداة إنتاج والحرب احد أهم وسائل إعادة توزيع الثروة. وقد أعاقت الحروب ولادة المجتمع المدني الذي حُرم الأمن و السلام و الاستقرار. وبالتالي مراكمة الثروة لبناء كيان مزدهر و متطور.
وجاءت حروب ما بعد الثورة اليمنية، سبتمبر وأكتوبر، لتفتح مجالات الأدلجة والتسيس لهذه الحرب التي لم تقطع حبلها السري بمجتمعها القديم وأرياف صعدهة وحجة وصنعاء ومأرب والجوف ورداع مرتعا خصبالها.
وقد حرمت هذه المناطق من خدمات البنية التحتية، وتمثل حضور الدولة فيها من خلال أقسام الشرطة، وانتشار بعض الوحدات ومكاتب الضرائب.
تتاخم هذه المناطق المحرومة -من خدمات الطرقات والكهرباء ومياه الشرب النقية والتطبيب وتطوير الزراعة- العربية السعودية والمستشفى الوحيد في صعده مستشفى السلام الذي بنته العربية السعودية.
فيشاهد اليمني أخاه اليمني في الطرف السعودي، او بالأحرى في المناطق التي صادقت الدولة على ضمها للمملكة، يتمتع بخدمات الدولة في التعليم والتطبيب والطرقات وتوفير الحياة الآمنة نسبيا. ومعروف إن هذا الترسيم قد توزعت فيه القرى والقبائل والأسر المترابطة عبر عشرات ومئات السنين.
لقد أهملت حكومات الثورة المتعاقبة هذه المناطق، بل كان هناك حرص على استمرار نفوذ المشايخ فيها، واحتفاظها بالأمية و الفقر و بنيتها الشائخة.
صحيح ان اليمن كلها تنال قسطها من الحرمان، فهو سمة مشتركة بين الجميع، ولكن مناطق صعدة وحجة وجوارهما قد غابت شبه كلية عن عدالة توزيع المشاريع والخدمات و تركت نهبا للتيارات و تجارة السلاح وولاء ما قبل عصر الدولة. لقد استجابت الدولة لرغبات شيوخ القبائل الشريرة في ترك هذه المناطق المهمة و الخطرة غارقة في التالوث الشرير الجوع و الجهل والمرض. وكانت السمة الأبرز ضعف صلاتهم بالدولة إلا من خلال “الشيخ”. و كان لنشر السلفية الوهابية أثر الصاعق في قنبلة.
أما حرب 94 وحرب صعدة فإنها تعيد صياغة الماضي الكالح، وتوظف الديني والمقدس في حرب تمد جذرها للماضي القبلي وللمصالح الأكثر ضيقا وعدوانية رغم لشعارات الوطنية المعولمة.
وإذا كانت حرب 94 بين نخب سياسية، تتقاتل على اقتسام الكعكة وبين جيشين، فإنها في حرب صعدة تتخذ طابعا شعبويا بين جيش يتأبط القبيلة والإسلام السياسي “السني” في مواجهة تمرد إسلام سياسي “شيعي” بل منتم للمذهب الزيدي.
المتمردون الحوثيون يجترون أو يعبرون عن أزمة مجتمع عاجز عن استيعاب روح العصر. وتطورات الحياة في اليمن و الوطن العربي. فهم برفع السلاح، والشعارات الغامضة، وإدارة الظهر لأهمية وجود الدولة واحترام الدستور والنظام والقانون، إنما يعطونه المبرر لتقوية عضلات العنف والإضرار بانفسهم ومناطقهم واليمن كلها.
فصعدة تعيش تقاتل الماضي، وتصارع الموت. وبرم الحكم والمتمردين بالتطورات السياسية المدنية الداعية إلى تعميق مجرى الديمقراطية، وحل معضلات التنمية المجتمعية السياسية، الاقتصادية، و الثقافية. والبراكين التي تقذف حمم هذه الحرب اللعينة لا تتجلى في شيء كتجليها في الثالوث الشرير: الجهل والفقر والمرض. وفي فشل خطط التنمية الشاملة، وغياب العدالة في توزيع المشاريع، وعدم الاهتمام بمناطق الأطراف والريف بصورة عامة.