نافذة.. من شارع «قهوة امريكية» – منصور هائل

نافذة.. من شارع «قهوة امريكية» – منصور هائل

ذات مساء هربت من جنون الشارع إلى «قهوة امريكية», ولم أكن أعلم بمرارة مذاقها, ولم يدُر بخلدي انها ستجعلني، بلا شفقة، إلى أشداق وحوش الكوابيس الضارية في الشارع: القنبلة، الرصاصة، القبيلة، المبولة، المزبلة، ما قبل الحضيض، والمراحيض. والمستنقع، المحرقة، التحرش، التلصص، الاغتصاب، الاختطاف، والمقبرة،…إلخ.
وفي الشارع، بل في غير شارع من شوارع صنعاء، لم يكن بمقدوري الهرب من المجانين العراة. وكنت ملزماً بالتصالح مع واقع شارع تخصَّب لاستضافة اللامعقول وتدرب على الامتناع عن استضافة عاقل واحد. ولست من البجاحة لأزعم بأني اقصد نفسي بصفة: «عاقل».
وفي مهب هذا الشارع وحيث يتجاوز الإدقاع مع الفضيحة، ويتزاوج الجنون بالقتل، عليك التعايش مع هاجس الموت في أي لحظة وفي كل لحظة. الموت برصاصة طائشة، أو قنبلة، صدفة، والموت ببرْكة موجلة أو بحفرة «بيارة» أو بعضة كلب مسعور، فالموت هو «القاعدة» أما الحياة فصدفة.
ثمة شيء واحد عليك التوجس منه وهو الصمت إذا ما حدثت مصادفة وتوقف الرصاص عن اللعلعة، وسكتت قذائف القنابل والمدافع، فإن السلامة لا تأتي من نباح الكلاب وصياح المجانين المشتجرين، لأن هؤلاء لا يقومون بأكثر من شغر الفراغ وتعبئة مقاطع الصمت اليتيمة التي سرعان ما يندلع هدير الرصاص والقذائف ليقطعها، لا يتوقف إلا ليعاود الكرة مرة أخرى وكأن «المدينة تعيش حرباً دائمة، حرباً لا نهاية لها».
وكلما وطالما استمر هدير القذائف من غير انقطاع، «فإن كل شيء على ما يرام، في هذه المدينة»!
وفي أهون الاحوال فإنك «ستصبح مجنوناً كالذي تشاهدهم عرايا، في الطرقات، وقرب اشارات المرور، وفي المقاهي، وعلى مقاعد الدراسة، وفي مكاتب الوظيفة العامة».
ولما كان هذا الشارع لا يقبل بغير المجنون الذكر، الفحل، فإنه يلفظ المرأة إلى القمامة ويبتلعها بسموم غازات السيارات القديمة، ويكرسها كضالة لـ«النَّصع» بالرصاص، والتحرش، والاغتصاب بأوسع معانيه واعنفها أكانت في الحافلة أم في الزقاق أم في الرواق، أكانت طالبة أم ربة عائلة أم متسولة، أكانت في القصر أم في القبر.
ثم إن هذا الشارع وإن كان لا يمنحك الفرصة لأن ترى صورة قاتلك قبل انفجار الطلقة، فإنه لا يبخل عليك برفاهية الركض وانت نصف عار تسابق المجانين والشحاذين والمشردين والضحك على الدقون والشوارب المنتوفة وأكلة شفاههم -بعد القات- وكافة النائمين على الكراتين الصغيرة في الشوارع بمن فيهم اصحاب الامتياز بالنوم بجوار مارد الثورة المنتصب في الساحة أو بحذاء الجندي المجهول.
وقد ينفسح الشارع لقصف اللهو، ولكنه يذهب في صمت القبور إذا ما حانت ساعة الجد. وقد كان أن انفسح ذات يوم لمظاهرة أسفرت عن تحطيم المتاجر والمطاعم ولوحات الاعلانات، وحرق اطارات ونهب مؤسسات، وقتل العشرات واعتقال المئات؛ ولكنها -اي المظاهرة -توقفت حينما انتهى وقت اللهو: المظاهرة، وحان وقت الجد: القات.
وما أكبر الشارع وأكثره في هذه البلاد التي تفاقمت فيها انجازات الثورة والوحدة لتصل إلى درجة نفي الشارع والمدينة.
 وأخيراً تحتاج رواية «قهوة امريكية» التي خطفتني مساء الأحد الماضي, لأكثر من قراءة، ومن أكثر من زاوية ومستوى. وليعذرني كاتبها المتميز والمبدع الرائع احمد زين إذا كنت قد اجتزأت مقطعاً قصيراً من شارع روايته التي برهنت على امكان الاقلاع بصنعاء من زمن ما قبل الرواية إلى قلب الرواية، وليس ثمة رواية سابقة تميزت بذلك الالتقاط الحاذق لسينمائية وقائع صنعاء التعويضية عن غياب السينما والمسرح والمدنية في هذه المدينة.
[email protected]