الآخرون، دائماً، هم الذين يفعلون! – مروان الغفوري*

الآخرون، دائماً، هم الذين يفعلون! – مروان الغفوري*

> قلتُ لصاحبي. هزّ رأسه كما لو أنه قد فهم قصة دائرة الطباشير، هذه.وإذا كان علم النفس يعرّف الصديق الحميم باعتباره الطبيب النفسي الأمثل، كون الأخير لا يقدم شيئاً ذا قيمة علاجية لمرضاه، في أغلب حالاته، أكثر من أنه يبدو أمامهم كمستمع جيّد.. فإننا، أنا وصديقي، ولأسباب معروفة لكلينا لم نكنُ نتطابق مع التعريف الشائع للصديق، وفقاً لعلم النفس. كذلك، فأنا لم أجد الحماس الممكن، بداخلي، للاستمرار في سرد أدواري المملة في قصّة التعيين، هذه، لصديقٍ يملك قدرة استثنائية على تكديس الملل بحمولاته الخاصة من الشؤم، الأمر الذي دفع علم النفس لاتخاذ موقف سالبٍ من علاقتنا؛ على أيّة حال، فقد استولى صديقي على عربة البوح، مستحضراً المسافة البعيدة نسبيّاً بين بوّابة كلية طب القصر العيني،القاهرة، وبين مدخل الشارع الفرعي المؤدي لبيته، حين سيكون عليه أن يتخلى عنّي دون موجب اعتذار.
.. عُيّنتُ معيداً في جامعة صنعاء بالمصادفة، انطلق صديقي. «أهااا، يبدو أن نظرية المصادفة لم تكن سيئة دائما»، علقت مازحاً. كان بمقدورِه، الآن، أن ينتقل لسرد قصة أخرى، تختلف كليّةً، فها هو كثف مشكلته الموجعة بصورة تسمح لي بإكمال فصولها بحريّة تامة استناداً إلى معرفتي الموسوعيّة بالمشكلة اليمنيّة الحديثة، فلا داعي للمجانيّة، إذن. بيد أنه، ربما لعدم استحضاره لقصص أخرى نحنُ بحاجة إليها الآن، استمر في السرد: «فكما تعلم، كان ترتيبي الأول على مستوى الجمهورية، في سنة ما. أيضاً فقد تخرجت من كلية الطب، جامعة القاهرة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف. غير أني عندما تقدّمتُ للمنافسة على درجة مُعيد في جامعة تعِز وجدتُني عضواً في قسم الطفيليّات، حتى خيّل إليّ وجود شبه ما (…) الطفيليات، القسم، هو أحد فروع كلية العلوم أكثر منه تخصصاً طبيّا، كما تعلم». (هززت رأسي موافقاً). «انسحبتُ، (يواصلُ) من جامعة تعز واتجهت إلى جامعة ذمار فوجدتُ نفسي في قسم الكيمياء الحيوية» (لم تكن المصادفة متورّطة هذه المرة، ها؟.. قلتُ)!..
بصوتٍ عال ومخيف: «كلية العلوم للمرّة الثانية، أيها التعساء، متى تفهمون أني طبيب بسجّل علمي نادر! نويتُ أن أقول لعميد الكلية، استمر صديقي في الحكاية».
غير أن الضربة الثالثة كانت في جامعة صنعاء. فقد تقدّم صديقي، عقب انسحابه من كلية طب ذمار، للمنافسة على فرصة معيد ضمن ال 62 درجة المعلنة؛ أعني: تلك القصة اليمنية الشهيرة، التي استدعت نزول لجنة خاصّة من البرلمان، على إثر اكتشاف المتنافسين، وصديقي من بينهم، والبرلمان من فوقهم، والمستقبل من خلفهم، أن الفائزين بالتعيينات كانوا من القوى الفوقيّة، وكائنات اللامرئي العام.وبعد أن ثار الغبار(أو النقع، كما تقول لغة الحروب القديمة)، يهم صديقي بالاستمرار…، قاطعته: عزيزي، ماذا عن صديقنا عبد الله؟ لماذا لم يتقدم في العام السابق للمنافسة مثلك؟ ابتسم، كمن وجد خيطاً أكثر إثارة للحديث: «لقد فعل، لكنه أخفق بصورة مثيرة للدهشة، لسوء حظّ نادر وضعه في منافسة مع إحدى خريجات الجامعة، عقيلة أحد صانعي القرار في الكليّة». استمر صديقي: «لقد هدد الدكتور،رب البيت، بترك القِسم، وربما الكلية، إذا لم تكُن الفرصة الوظيفية من نصيب حرَمِه،عِرفاناً بما قدّمه للجامعة وللتعليم اليمني، وعقيدةً بقدرتها». أضاف: «مصادفة غريبة، أدركتها فيما بعد، تقول إن السجِل الأكاديمي، لعبد الله، يشبه سجلّي تماما.(يضحك) حتى قامته وطريقته في الكلام».
تبدو الحكاية مملّة، أعترفُ، بيد أني مضطرٌ للاستمرار قليلاً. فبعد فصول معقّدة، يرويها صديقي المُعيد، كادت أن تعصف بفرصة قبوله في الجامعة، لولا وقوف شخصية هامّة في الأمن القومي معه، وقبلها الموقف النبيل لرئيس الجامعة، آنذاك. فقد وجد صديقي نفسه -أخييييييييييراً- يتحسس الطريق في مفاصل كلية الطب، بالتحديد: في اتّجاه قِسْمه الحبيب، بعيداً عن وعثاء الطفيليات وكآبة الكيمياء الحيوية. صديقي لم ينسَ أن يحمد الله،بكل امتنان، لأنه لم يضعه في منافسة صريحة مع عائلات قويّة، كما حدث لصديقه عبد الله، في العام السابق، وكما سيحدث لكثيرين من عباد الله في يَمَنات حديثةٍ يبدو أن قدومَها وشيك للغاية.. فالمؤسسة، في اليمن، هي نظير حداثي لمعاني العائلة، العشيرة، الرّبْع، الحرَم..،سابقاً، هكذا تقول أمُّ الحقيقة. بوضوح: كذلك هو معنى فكرة الرجل “المناسبـ”، في النسخة اليمنية، حين يكونُ النسّب والصهرُ ترجمة حجرية لأفراح الحداثة!
إذن، فقد كان لا بُد، كما تقتضي بنود السيرة الصالحة، أن يمرّ صديقي، الآن، على مكتب رئيس القِسم لإلقاء التحيّة وبناء أول سطور التطبيع الودّي مع الرجل الأقوى.. وبالمرّة، لمعرفة طبيعة عمله الجديد، بوضوح. استمرّ صديقي: دخلتُ إلى مكتب رئيس القسم.. ألقيتُ التحيّة. وقعت عينا الدكتور على قامتي.. بدأت علامات وجهه تقترب من تقاسيم وجه غوريللا في مأزق.. في لحظة فزعٍ ما.. كأني كنتُ أسمعه يصرخ:wraaaaaah. قاسني بنظرات متوترة، لثوانٍ. لم أكد أكمل التعريف بنفسي، مرتبِكاً، حتى كان يكتبُ بعصبية بالغة، وبخط عريض، ورقة استغناء عن خدماتي.. رّماها على المكتب بعدوانية مخيفة: اذهب إلى عميد الكليّة حالاً وأبلغه أننا لسنا بحاجة إلى أطباء جدد في القسم. حاولتُ أن أستفسر منه، يقول صديقي، فهو لم يسبق أن رآني من قبل ؛ أيضاً: فقد وصلتُ إلى القِسم بعد معارك مرهقة استمرت لأشهر سوداء، لم يكُن أيٌّ من أعضاء هيئة التدريس خصماً فيها. فكل الأطراف كانت خارجية تماماً. غادر صديقي مكتب السيد الدكتور، بذهول، وهو يتساءل: “ما الذي يحدث بحق الشيطان والجحيم”. وقبل أن يترك القسم خلفه تماماً (هكذا يختم الحكواتيون قصصهم) كانت طبيبة أنيقة تمشي بمحاذاته: لو سمحت يا دكتور، أنا آسفة.. فقط لا تقلق، سأحل مشكلتك مع رئيس القسم. لا مشكلة على الإطلاق ؛ كل ما في الأمر أن زوجي أعتقد أنّك شخص آخر!

* العنوان من قصيدة ” الآخرون ” لأمل دنقل.
* شاعر وكاتب يمني مقيم في القاهرة
[email protected]