وداعاً وريقة الحناء.. سؤال المرأة في المحكي الشعبي* (2) – أروى عثمان

وداعاً وريقة الحناء.. سؤال المرأة في المحكي الشعبي* (2) – أروى عثمان

الفصل الأول: عن الحكاية

مفتتح
قالت الجدات: عندما يأتي الليل، تأتي حياتنا، نستردها بعد استلاب، دام ضوءاً، وشمساً، وريحاً، وبرداً. دام شهرزاد، ووريقة الحناء، وجرجوف، وسلطان الزمان، وسيد المكان. دام الذكورة الوعرة. دام الأمومة والخصوبة المفقودة. دام حبة رمان، وحبة مرجان. دام بضع بلحات، وقرون الدبا/ القرع. دام الهواء، والنور، والظلمة. دام الضحكة، والاغتسال في بركة الغمز واللاغمز. دام في بركة الماء الراكد الصامتة. دام طائر النار، والغراب، والجولبة. دام البساط الطائر، وعصا الساحرة، وكُم الثوب/ الزنة، وأثداء أمنا الذئبة. دام ضاط وضاطة، والقميص الطقطق. دام الحضور، وقبله الغياب. دام بنت الحطاب، وبنت صين الصين، وذات الوجه الأبلج. دام علي ابن الجارية. دامت كنزاً، فلم نجد الكنز سوى الأرض. دامت أحمد شوربان، و حقل مزروع، وبقرة تاهت طريقها، وثور ينطح الهواء، ثور يغيب، هو غائب، لكن حضوره مستبد، طاغ إلى أقصى حدود العتمة، وحصان جموح يعتلي الغبار في صحراء الوهم والسراب، خيل طوح بغبار حوافره فراشات لا تأتي إلا في الليل تستل من روحها المنهك. دام بلقيس، وقميرة البان. دام الحكي. دامت الحكاية.
حكاية ينشتل بذورها ورداً في أتلام الليل، ويتضوع زرعها بالنسمات الملقحة، تدخل التلم، تغوص في مسامات التربة، أعمق، وأعمق، تسقيها بدموع وعرق، وأمزان، زخاتها طويلة طول الليل، فتبزغ: “كان ياما كان!”.
كان، حيث يسمع ويدون. كان، هو، كان، حيث الورقة والقلم، والعقل، والذاكرة.
كانت هي الليل، حيث تحكي، حيث تنهيدة ولسان، حيث حلمة تتشقق متفجرة بالحياة.
كان هو المتن. وكانت هي الهامش، المقصي، حتى أصبح هو كائن ويكون، يكون سرمدية المبتدأ والخبر.
في محطة متقيحة من تسيد الكان ويكون، ظهر الهامش ملتحفاً بالحكاية حيث العروق المتفجرة باللبن. قالت: أنا أكون الآن، آه! آه! لا بد أن أحكي، أن أكون..

السُّمَّاية القذرة
ما انفك القائمون على الأدب، والقائمون على الفقه، رسميو الفكر والثقافة، ينعتون المحكي الشعبي، بالسُّمّاية، الحُزاية، الخريفات، سمامي مكالف(1).
ولا ندري لماذا الاستصغار، وتكريس دونية هذا الإبداع الشعبي؛ هل لأنه شعبي؟ أم لأنه مرتبط بالمرأة، تبدعه، وترويه، للصغار؟
في غمرة التساؤل، يرد سؤال:
لماذا يظل الطفل متعلقاً بحضن جدته لتحكي له حكاية، وعندما يبدأ ينعت بأنه “رجَّالـ” – في اللهجة الشعبية اليمنية – رجال البيت، مَحرم النساء، يبدأ بالإبتعاد عن حضن الجدة، ينكمش عن مجالسة أي أنثى داخل البيت، ليمارس الدور الرجولي، حتى وهو في السابعة من عمره، وكلما ثقلت عليه أردية الفحولة، كلما انتشى وتوشى بتمزيق الحكاية، وتقطيع أوصالها، وردمها أسفل غمد الجنبية، وفي ركن قصي، حيث يخلع الفحولة، ويحن للحضن، ولسورة الحكاية؟
لماذا تظل الطفلة لصيقة بحضن الجدات، ولا تشبع من الحكايات، حتى لو رددتها الجدة ألف ألف مرة، تكبر وتشيخ وفي كل منبت تورق وتخضر مئات الحكايا؟
عندما كانت الوحدة والوحشة “سيكولوجية الوحدة”(2) تساوي المرأة، كانت السماية/ الثرثرة/ النُسيعات/ الحزاوي، هي المعادل الموضوعي للحياة. من سيل اللعاب المتدفق أثناء الحكي كان الإحياء والاستشفاء من الخوف واللا أمان، ذلك الكائن المتوحش الوريدي المتحكم بمجرى الدم والروح، حتى وإن كانت الحكاية تقتص منها.
“هذه الأساطير التي أمتلأت بها رؤوسنا وآذاننا في عهد الطفولة بالقرى، أخذت تتبخر وتتلاشى من أذهاننا تدريجياً بعد انتقالنا إلى المدن والاستقرار فيها، ولم نعد نرى فيها سوى أنها كلام عجائز و”سمامي نسوان”(3).
اللاقيمة، واللاجدوى، واللامعنى، الدونية، صفات أضحت لصيقة بالنساء والأطفال، لأنهما متكافئان في التفكير، ولذا أول ما يكبر الطفل، يخضع لتصفية ذكورية ممنهجة من شوائب الحكاية ليتطهر من دنسها، وينتقل إلى طور الرجولة، فتصبح الحكاية امرأة، وامرأة فقط.
من أين أتت النعوت على مكون الوجدان، ترياق الأنس (الحكاية) المخصبة للجدب، والتشقق في النفس الإنسانية؟
ولماذا ظلت الثقافة الرسمية تتجاهل هذا النوع من القصص؟
“إن الثقافة العربية – الإسلامية قد جعلت الحكايات تحت الرقابة، وقد جعلت منها أدباً للأطفال، أو تمرينات للتسلية، غير جدير بالاحترام، ولم تعتبرها أبداً جزءاً متمماً لها”(4).
وسواء أكانت تحت الرقابة السلفية الإسلامية، أو أي رقابة من الإيديولوجيات، فالسرد قد بدأ حيث تبدأ الممارسات الفطرية. حيث تبدأ المرأة في استعادة كينونتها المهدورة في العمل، والمهدورة قبل ذلك في الذهنية الذكورية الصرفة. بدأ السرد حين يبدأ الليل، ف ” السرد يحتاج إلى الإعلان عن نفسه.. وما عبارة ” زعموا أن ” إلا لتعلن للمتلقي أن السرد قد بدأ وتحدد نوعه”(5).
وأياً كانت ملابسات النوع، فإن السرد لا يتحدد إلا بنوع المرأة.

موت وحكاية
في اليمن كانت الحكاية “مغالبة للموت، والتخلص منه”(6) ففي الوقت الذي تعيش فيه المرأة اليمنية، وخصوصاً الريفية، العزلة القاتلة، بسبب هجرة الرجال إلى المدينة، أو هجرتهم إلى بلاد الاغتراب (الغدرة)، أو الهجرة النفسية، فضلاُ عن الطبيعة القاسية، والعمل/العقوبة الشاقة المؤبدة:
يا والدة قد زلجوني أحطب
لا به حطب ولا لقيت ما احطب
كان الحكي “هذيان عقل مشوش”(7) هو المرادف للحياة، يبدد الموت النفسي، وحتى الجسدي، فهو ” الدواء… والعلاج لترميم أو إصلاح أي جانب من الجوانب المهدمة في النفس نجده في القصص”(8).
خلقت المرأة الحكاية، ونفثت فيها من روحها الخصبة/ الغيث اللامتناهي، فكستها لحماً وعظاماً مثل الأصبع المبتورة لأخ فتاة الدوم في حكاية “الجرجوف ” -التي سنستعرضها أثناء التحليل– لقد أخذتها فتاة الدوم، ودفنتها في مشقار(9) وتعهدتها بالرعاية والحماية، فنبتت قرعاً، وخرج طفل جميل، ومثل حكاية “بنت الدبية “أيضاً.
كسوة الحياة الجرداء بلباس الحكاية، لباس الحياة، تعويضاً عن الحرمان والفقد، فقد الذات، أو تحويلها إلى ذاتيات منشطرة، متشظية، فقد الحبيب، الطبيعة الوعرة، وعورة ثقافة المنحنيات والمنعرجات التي تنتقصها، وتئدها في الأرحام، وما قبل الأرحام.
بالسماءة/ الحزاية/ الحدوثة/ الحكاية دجنت المرأة ذلك المتوحش إنساني أو حيواني أو غيبي، على غرار ما فعلت شهرزاد التي روضت ودجنت المستلب لحياتها، وحيوات بنات جنسها، فحكت لتحيا، وتحيي من حولها.
ومن السماية/ الحزاية خلقت أنيساً، يبدد وحشتها القاتلة.
حلت الحكاية محل الجدب، أذابت الصقيع، حل الأنس، أطلقت فضاء حيوياً مؤنسناً، مضافاً لفضاء اللغة العجائبية.
إن المرأة اليمنية لا تقل عن شهرزاد. عند شهرزاد كان هناك الموت الجسدي لكل امرأة يفتض بكارتها شهريار، ويفتض حياتها معاً. وفي اليمن كان الموت الجسدي يومياً يفتض شهرزادنا القابعة خلف الجبال الوعرة، والوديان، الأشغال الشاقة المؤبدة التي تنتظرها قبل أن تخلق. حتى أن المرأة في بعض مناطق اليمن، كانت تستخدم عوضاً عن الثور لحراثة الأرض، بصورة تنضح بأقسى درجات الوعورة الإنسانية التي تركتها للوحدة والوحشة لهجر الحبيب الذي تركها إلى بلاد الغربة، وهي في شرخ الشباب، ولا يرجع إلا وهي عجوز فانية(10). مثلها مثل جمل المعصرة الذي يظل عمره يدور ويدور بأعين مغمضة، فلا يلاقي الزيت ولا العصار(11). فظلت شهرزاد الجبال تحكي في المساءات، لكن لا تنسى في الصباح الباكر أن تفتتح يومها الجديد بأغنية، وتظل تغني، وتغني، وتغني حتى يأتي المساء، والمساءات اللامتناهية لتبدأ الحكاية من جديد:

هجرتني ياعيبتك وقفيت
خليتني مثل الحجر قفا البيت

قلبي جريح يشتي يطير مع الريح
يطير إلى باب الكريم ويصيح

لا تنقدوني ليش وجهي أسود
هذا وجهي ما القلب قد أدود

في ليالي المرأة اليمنية، حيث القمر يستمع تنهيداتها، وصراصير الليل تبادلها الحكايا والخفايا، مع حفيف أوراق الخريف تهسهس الصمت، حيث الثريا تنفش بحفنة أضوائها نحو صدرها وحجرها، فتلألئهما، حيث قهوة القشر بالزنجبيل عند المساءات الباردة، وحيث كسرة من ” الكبن”، أو “القفوع”(12)، وحيث جرة الماء الباردة التي نسيت أن تغطي فوهتها، حيث أطفالها الملتفين حولها، والملتحفين صدرها، المتكومين عند أقدامها المتشققة. في هذه الليالي المتعاقبة، تكون المرأة نفسها، فتخرج مكنونات أسفل التختة عارية متوجة تلك المرأة الحكاية، تتسيد كل شيء، وقبل أن تصيح الديكة مؤذنة بانتهاء الحكاية، تنسل مكنونات التختة، لتكون أسفلها، حيث مقرها الأصلي.. وهكذا يكون المرأة الليل، والمرأة الحكاية. إنه الليل الذي ” يجعل من المرأة سيدة نفسها تترك نفسها تنقاد لغرائزها، وتشكل تهديداً للنظام والقانون الذي يضفي هذه الشرعية على هذا النظام”(13)..
عندما يهمد أسفل التختة، هل تنام المرأة؟
عندما تصيح الديكة لا تسكت المرأة/ شهرزاد عن الكلام المباح لتنام، ينام شهريار المتملي بسحر الحكاية، بل تواصله بالغناء حيث تطالبها تفاصيل الحياة اليومية الوعرة، الشاقة بأن تعمل، فتنتصر على هذا الشقاء بالغناء.
الموت المتواصل الذي يحف شهرزاد، تغالبه وتبعد شبحه في الليل حكياً، وفي النهار غناءً.
في كل بقعة من هذا الكون، ثمة شهرزاد…

أسلمة الحكاية الشعبية
عندما كنت أجمع بعض الحكايات الشعبية أو أغاني النساء، من أفواه كبيرات/ كبار السن، كان هناك تيار ذكوري متشدد يبدو أنه عرف الإسلام قبل أيام فقط. فقالوا لي وبالحرف الواحد: “تقطعين هذه المسافات لأجل الخرافات، و سقاوق النسوان؟!” (أي التفاهات.). كان من المفروض -كوني متعلمة- أن أقوم بإرشادهم لمعرفة الدين، وما ينفعهم، وما يضرهم، فهذا هو الأفيد.
أما البعض الآخر فكان يغرق في الضحك ساخراً من السخافات التي أرصدها، وكنت أخرج مثقلة بالألقاب الوضيعة، ونظرات الإشفاق المتوجة ب “لا تبكِ على من مات، وابك على من فقد عقله”.
كما قلت سلفاً إحياء الخرافة وتشجيعها (مع التحفظ) أراه حاجة إنسانية، خصوصاً للمرأة، حيث لابد من قليل خرافة. ولأن مساحة الحلم أصبحت ضيقة ضيق أنفسنا، جدباء كجدب أرواحنا الجافة المتشققة، فما أحوجنا إلى ليل وحكاية!
وبما أن الحكاية ترجع إلى الأزمنة السحيقة الموغلة في القدم من أساطير، وخرافات ومعتقدات(14) -بتصرف- إلا أن هذا الإيغال من الحياة البدائية قد جرى تشذيبه لصالح الأيدلوجيات الدينية، والأعراف، والتقاليد.
وهكذا انفسح المجال لمساحة كبرى من الحكايات التي تحمل طابعاً إسلامياً، أو يشتم من رائحتها عمامات الفقهاء، بدليل أن في منطقة ” بُرع ” يطلق على الحكايات أسم “فتوى” والفتوى هي “ما أفتى به الفقيه”(15).
ولغمت الحكايات الشعبية بالكثير من المحاذير ذات الصبغة الإسلامية. ففي استهلالات الحكاية، لا يبدأ الحكي إلا بذكر الله، والرسول، وآله من أصحاب البيت، أو “كان في واحد، وما واحد إلا الله، ومن عليه ذنب يستغفر الله”، وفي وسط الحكاية أو عقب أي حدث جلل، تكثر الاستغفارات، والتكبيرات.. الخ ومقولات مثل (والفائدة والمغنم في الصلاة على رسول الله”، أو التذكير من قبل الراوي بين الأحداث، صلي على النبي وآله، ثم تكرار الأمرللمتلقين، ثنوا بالصلاة على النبي وآله، وحتى بعد الانتهاء من الحكاية تأتي القفلة: “إن صدقنا فالصادق الله، وإن كذبنا استغفر الله”.
أما المتن الحكائي، فمليء بالصيغ الإسلامية الظاهرة أو المضمرة داخل المتن، كالزوجة الساحرة التي يريد الزوج أن يعلمها “الخير والفضيلة” والتدين(16). أو حكاية “الشقي.. والموت” عندما أتى ملك الموت ليقبض روحه، قال له: “هيا دعني، وتوضأ وصل ركعتين”(17) وحكايات الآباء الذين يذهبون للحج، ويأمرون بناتهم أن لا يفتحن الباب ولا يظهرن لغريب، ولا يختلطن، وحكاية “جليد أبو حمار” ووصية المنجين بوأد ابنته التي ستكون خراباً على الأسرة – سنتحدث عنها في تحليل النصوص.
أرى أن الصورة الدونية او السلبية للمرأة في متون الحكايات الشعبية صارت تعبر عن روح الذهنية الفقهية التي قطّعت جسم الأساطير والميثولوجيات، والمعتقدات الشعبية، بل شوهتها، وخلقت من رحم هذا التشوه التدجين الفقهي، أو المدجن الفقهي للحكاية، فأظهرتها ضعيفة باهتة، أو صوراً وحشية. لقد رضعت تلك الصور نفس التشوه وبذا اكتسبت وجهها المعمم. ف ” لم يبق من الأم الكبرى سوى جانبها السالب المعتم الذي ما فتئت الأسطورة الذكورية تكرسه وتفرزه عن بقية الوجوه العشتارية، حتى لم يبق من عشتار سوى جنية الظلام، والغولة، والنهالة، والساحرة العجوز”(18).
ولعل الذاكرة الشعبية لا تنسى أفعال الفقهاء الذين وظفوا الدين لصالح ايديولوجيات ضيقة، فأذاقوا الناس عبر الدين العذاب، فالأمثال الشعبية اليمنية شاهد على بعض تلك الممارسات، وأورد الكثير منها العلامة إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه الهام “الأمثال اليمانية”
– “إذا غريمك القاضي فمن تشارع؟!”.
– والتعبير الشعبي “عقل فقيه” كناية على سقم التفكير.
– الفقهاء فئران الأرض.
– الفقهاء نسور الميت.
– فقيه القرية حمار ابليس.
ولعل القصيدة الشهيرة للسيد أحمد القارة في الفقهاء قد عبرت عن ضيق الناس بالفقهاء وبأفعالهم. يقول:
ضاعت الصعبة على الخلفاء… خبط عشواء والسراج طغى
شيطنة جاءت من الفقهاء… مفجعين لاإله إلا الله
خلوا الدنيا تلف لفيف… أسكرونا خمر غير رغيف
ولعل الحكاية الشعبية عن المرأة التي أخذت بحق زوجها الضائع في أروقة المحاكم، تقدم لنا خير مثال، فهي تعرفنا كيف استطاعت أن تستخدم جمالها للإيقاع بالفقيهين/ الحاكمين بعد استرداد حقها المغتصب، فجعلتهما عاريين في الشارع(19).
تلك هي ثقافة الفقهاء الذين لا يعرفون من المرأة إلا العورة فقط. ” بلبس العمامة يدخل الولد في زمرة أهل العلم لتزييه بزيهم… كما يمتنع عن مخالطة الصبيان، وملاعبتهم، ولا يمارس ألعابهم التي يمارسونها، كما يمنع من مخالطة النساء غير أرحامه ولا اللعب مع الفتيات، أما وقد صار معمماً فقد حرم عليه كل ما يجوز للصبيان عمله، وتحتجب منه النساء الأجانبـ”(20).
وهذا يدل على أن الصبغة الإسلامية المتطرفة طبعت بقوة الحكاية الشعبية في استهلالاتها، وانحشرت في متنها، وجرى بذلك “أسلمتها”.

شرر الأسئلة
من أين للمرأة كل هذه الشرور داخل بنية الحكاية الشعبية، بل وداخل المحكي، والأدب الشعبي برمته؟ من أين هذه السوداوية البادية فيها حتى عندما يرد الحديث عنها في الحكاية كحمامة؟ ولماذا يتعاظم وصفها بالغباء، والمراوغة والخداع والوقيعة؟
لماذا هذا التاريخ الأسود الذي لا يحتفي بالمرأة إلا ككائن متخم بالشرور ومغلق على الإثم والخطيئة؟
لماذا يعيد التاريخ سوداويته حاضراً مع كل بزغ جديد للمرأة، ويستشرس عندما يبدأ حديثه، وحديثه بالمرأة، وعن المرأة؟
لماذا كل هذه الكلبية و”الجرجفة” و”الدجرنة”(21) للمرأة؟ لماذا خصوبة الخيال عندما يلتصق أسم المرأة بهذه الكائنات المتوحشة؟
لماذا هذه الفصامية والسادية المتمادية في صنع تماثيل المرأة من الحلوى، أو صنعها من التمر، آلهة يعبدها، وسرعان ما ينفك يأكلها، ويبتلعها؟
لماذا تتعمد الذكورية المنفعة الجنسية لإشباع غريزتها بانية مفرطة، فتعمد -كما تقول المرأة اليمنية بالمثل الشعبي- لأخذ حقها عبر ” أول الليل يا مقلتي، وأخر الليل يا نقرتي ” أو ” أول الليل يا روحي، وأخر الليل يا جحري ” أو ” العشي يا مرتي، والصبح يا قحبتي “؟.
لماذا ميزان العقوبات – أكان القائم على الفقه أم على العرف، أم على القانون المؤسلم/ والمتعرفن (العرف) – يحتفي بشرور المرأة، ويبالغ في معاقبتها بطرق خرافية، وسحرية، وفي تحويل الخطأ إلى خطيئة؟… فقد أمرت ” طبق البنور أن يأتوا بجمل جوعان وجمل ظمآن ويضعوا الماء أمام الجوعان والعلف أمام الظمآن، وتربط كل رجل من رجليها في رجل أحد الجملين. وربطت وكان الظمآن يشدها إلى العلف حتى ماتت عقاباً لها على جريمتها الشنعاء”(22).
لن تخرج الصورة عن بنية المحكي، من أين أتى كل هذه المحكي؟ الصورة واحدة تتناسل منها كل الصور السلبية. منطق: “إما أن تكون المرأة سلبية، وإما لا تكون على الإطلاق”(23).
ومع ذلك، فحتى لو تكالبت الأيديولوجيات على تشويه المرأة/ الحكاية، فسوف تبقى هناك صور ناطقة عن العوالم الفطرية التي يجب أن ننصت لها. والإنصات يعني أن الحكاية بدأت تفعل مفعولها، فهي ” الدواء… والعلاج لترميم أو إصلاح أي جانب من الجوانب المهدمة في النفس نجده في القصص” (24).

– هوامش ومراجع الفصل الأول:
 
(1) السمّاية، الحزاية، حزاوي، سمامي نسوان أو مكالف، كلها تندرج ضمن الحكايات الشعبية، أو ما يسمى بالحدوتة.
(2) سيكولوجية الوحدة، علم الدلالة، ص17 كلود حرمان، ريمون لويلان، ترجمة د/ نور الهدى لوسن، دار الفاضل.
(3) حكايات وأساطير يمنية، علي محمد عبده، ص14، دار الكلمة، الطبعة الثانية، 1985م.
(4) القول الأسير دليل الحكاية، جمال الدين بن الشيخ، ص26، ترجمة، محمد برادة، عثمان الميلود، يوسف الإنطاكي.
(5) الحكاية والتأويل، عبد الفتاح كليطو، ص34، دراسات في السرد العربي، دار توبقال – الطبعة الأولى، 1988م.
(6) القصيدة والنص المضاد، عبدالله الغذامي، ص 127، المركز الثقافي العربي، ط. أولى.
(7) القول الأسير دليل الحكاية، جمال الدين بن الشيخ ص28، ترجمة: محمد برادة، عثماني الميلود، يوسف الأنطاكي.
(8) نساء يركضن مع الذئاب، كلاريسا بنكولا، ص24، ترجمة مصطفى محمود محمد، مكتبة الأسرة.
(9) مشقار: قطعة أرض صغيرة تزرع فيها النساء باقات الريحان، والنعناع، وكثيراً من النباتات العطرية.
(10) مأساة الغربة جسدتها قصص محمد عبد الولى، القاص اليمني الكبير، الذي رحل عن دنيانا في السبعينيات من القرن المنصرم بحادثة الطائرة المليئة بالدبلوماسيين. مات، ولم يتجاوز عمره السادسة والثلاثين. من أشهر قصصه: يموتون غرباء، الأرض ياسلمى، صنعاء مدينة مفتوحة.
(11) العُصار: هو بقايا عصر حبوب السمسم، وتأكله الأبقار.
(12) الخبز، والقفوع، والكبن: أكلات شعبية يمنية.
(13) القول الأسير، جمال الدين بن الشيخ، ص43.
(14) الحكايات الخرافية، فردريش فون ديرلاين، ترجمة د/ نبيلة ابراهيم، مراجعة د/ عز الدين إسماعيل، مكتبة غريب.
(15) تسمى الحكايات الشعبية في بُرع، باسم”فتوى”، ومعنى الفتوى في القاموس المحيط للفيرو زبادي، مؤسسة الرسالة ص1702، الطبعة الثالثة.
(16) الزوجة الساحرة، ص24 , من الحكايات الشعبية التي قام بجمعها الأستاذ الراحل محمد أحمد شهاب، دار ابن خلدون، طبعة الأولى.
(17) حكاية الشقي والموت، ص186 من كتاب الحكايات الشعبية، محمد أحمد شهاب.
(18) لغز عشتار، فراس السواح، ص97، دار علاء الدين، الطبعة السادسة.
(19) ذكاء امرأة، قراءة أولية في السردية الشعبية اليمنية، جمع وتدوين أروى عثمان – تحت الطبع.
(20) صفحة من تاريخ اليمن الاجتماعي وقصة حياتي، الأستاذ محمد بن علي الحين الأكوع الحوالي، ص127، الجزء الثاني، مطابع مؤسسة 14 أكتوبر.
(21) نسبة إلى الكائنات الخرافية في الذهنيات الشعبية اليمنية، والذين ينتمون إلى السعالي، والغيلان.
(22) حكاية بدر وزهرة، الحكايات الشعبية، محمد أحمد شهاب، ص152.
(23) صورة المرأة في روايات المرأة العربية، أ/ صبري حافظ، ص216، عن بحوث ونقاشات نظمتها دار المرأة العربية للنشر، المعرض الأول لكتاب المرأة العربية في مواجهة العصر.
(24) نساء يركضن مع الذئاب، كلاريسا بنكولا، ترجمة مصطفى محمود محمد ص24.
[email protected]

* أجزاء من بحث مقدم لمنح اليونسكو/سوزان مبارك/ الصداقة اليابانية المصرية لتمكين النساء في دراسات السلام وشؤون المرأة – (دورة 2005-2006)