البارحة فقط يا محمد! – جمال جبران

البارحة فقط يا محمد! – جمال جبران

البارحة فقط توقفت عند «أين تمضي بأيامنا يا غزال؟». البارحة فقط يا محمد، على الرغم من وجود المجلة الجديدة التي احتوتها حقيبتي منذ اسبوع. قلت: يمكن لـ«دمون» أن تنتظر، هي فصلية ويمكنها أن تنتظر اسبوعاً آخر وهذا لحين صفاء ذهني، أو إلى حين عثوري على ركن ملائم للشعر.

البارحة فقط يا محمد!
وقفت عند «الذين أتوا خلسة… والذين ترنح فيهم صباح.. أفاقوا على أرق، جالس عند أرجلهم…». وقفت عند الذين «جففوا نومهم، علقوه على مشهد جانبي وشدوا الستائر…».

والبارحة فقط يا محمد!
استعدت كتاب «رسائل الغريبة» لهدى بركات. ذكَّرني هذا بروايتها الثالثة «حارث المياه» التي أعرتني إياها حال عودتك من معرض القاهرة الدولي للكتاب قبل أكثر من أربعة أو خمسة أعوام، لم أعد أذكر على وجه الدقة. المهم أني أعدت قراءة الغريبة، وتذكرتك.

البارحة فقط يا محمد!
استعدت أيضاً وعدك لي. الاسبوع الفائت كنت في مكتبك وسردت لي قائمة ما أتيت به من معرض القاهرة الأخير وكانت «القلعة البيضاء» لأورهان باموق حائز نوبل الجديد، بين يديك. قلت لك مداعباً، هذه بترجمة عربية منقولة عن الانجليزية، وهو أمر أغضب باموق. وقلت لك أيضاً: هي عندي بترجمة مباشرة عن التركية. أخبرتني عن «شيكاغو» علاء الاسواني، وطلبتها منك. قلت إنك تقرأها الآن. كما و«هند» تنتظرها بعدك.
اكتفيت أنا حينها بوقوفي في الطابور.
والبارحة فقط يا محمد،
في آخر النهار!
تذكرت أن هاتفي ما يزال مخنوقاً منذ نوم الأمس. ما يزال في أسره. ما يزال معزولاً عن أخبار العالم. صرت أتعمد فعلي هذا طلباً لنوم بارد بلا أذية تأتي في العادة محمولة على نص رسالة مختزلة.
الهواتف المحمولة يا محمد لم تعد سوى أداة ناقلة للأخبار السيئة وأنباء الكوارث، لم تعد نعمة ولا جالبة للراحة.

البارحة فقط يا محمد،
وفي آخر النهار كان هذا.
جاء خبرك على رسالة sms وتقول إن الأمر انقضى! جاء خبرك منقولاً على كلمات خفيفة مقتضبة وتقول إن البقاء في حياتنا، أننا سنظل على قيد الحياة كجواميس مصابة بالسل والملاريا والزهايمر. أما أنت فقد رحت تماماً!! كانت مجرد كلمات خفيفة مقتضبة وتقول بموتك. خفيفة لفرط ما يبدو عليها ويشير إلى انها قد كُتبت على عجل، ودفعة واحدة وبدقات متلاحقة على مفاتيح الهاتف الصغيرة.
البارحة فقط يا محمد.
كان هذا.
و… يا غزالُ
           أحبَك.
[email protected]