نافذة.. اعترافات راسب في الحساب – منصور هائل

نافذة.. اعترافات راسب في الحساب – منصور هائل

يعترف كاتب هذه السطور برسوبه في مادة الحساب السياسي لأنه استهونها واستعبطها واستخف بها وتوهم ان النجاح فيها لا يدعو لأكثر من تغطية الغباء بغلالة من المكر والدهاء ولأكثر من التلقي بمؤخرات الساسة واستلهام خلفياتهم والانذهال بمقدماتهم وصورهم والسير على خطاهم واتباع وصاياهم بلا حساب.
ويعترف أكثر أن فشله في مادة الحساب السياسي افضى به إلى انعدام وزن ومعنى وجدوى، وزج به في أتون معارك دونكيشوتيه لا حصر لها، وأورده موارد الهلاك غير مرة كما أورده في مطبات ومقالب ومصائب نجا منها لأكثر من مرة، وما زال متمسكاً بـ«المبدأ» ومصراً على المضي في (ماراثون)، أو مسابقة إحراز البطولة، في الإخفاق من غير التفات إلى أخاديد الجراحات التي انحفرت في جبينه وما برحت تنزف في أعماقه، ودونما اكتراث للإرتطامات والصدمات والنكسات التي ادمت رأسه وآدميته، وشربت أيامه وأحلامه وهو سادر في غي «السياسة» من غير إفاقة ولا حساب.
ويعترف ثالثاً أن فشله في مادة الحساب السياسي لا يرجع فقط لواقع اتكائه وانمحائه بـ«الرموز» والمقولات والهتافات والشعارات، أو لانمساخه بـ«القادة» في المقايل والمنتديات والكواليس، أو لاعتقاده بأن امر النجاح في السياسة لا يتطلب غير «البعسسة» والتمويه والمراوغة والمداهنة فحسب وفقط، وإنما لعدم اقتناعه بحقيقة انه يقف على أرضية رخوة وعلى بلاد توزعت «بُقعها» واقتطعت ونهبت واضحت بمثابة «بُقع» للنزاع والاحتراب والاقتتال، ولم تحصل فيها السياسة على بقعتها، كما لم تعد -هذه البلاد- طاردة للأمان والإيمان والسكان، الا بعد أن كانت طاردة للسياسة بامتياز وبغير حساب.
ويعترف رابعاً بأن فشله في مادة الحساب السياسي، كان يرجع لوقوفه مع الطرف الأقرب والأحب، بإمعان في التعصب، وذوبان افقده قدرة الاحساس بحتفه السياسي ولم يشأ الالتفات إلى ساعة الحتف حينما حانت من زمان؛ لانه استمرأ البقاء تحت منخفض «الحيوان السياسي» وارتضى الاعتلاف بملفوظات السياسة وأنفاسها الميتة في بلاد ماتت فيها السياسة قبل أن تولد.
وخامساً، ليس بمقدور كاتب هذه السطور أن يتبجح بإحراز بطولة الاخفاق أو الزعم بأحقية التسيد على عرش الفشل السياسي لأن احترامه للملكية العامة ومن ثم تربيته على حب الوطن لا يسمحان له بسرقة حق «القوى الوطنية» في بلاد كاليمن المحكومة بالإقامة في مربع العطالة السياسية، وخارج ملعب السياسة إلى حين تتهيأ لها فرصة الدخول بين اللاعبين من نافذة إعادة الاعتبار للسياسة، بما هي إدارة للحياة وتصريف لشؤونها وتدبير وتقدير عقلاني لمجرياتها وآفاقها، وانفتاح على حوار الارادات، والقبول بالاختلاف والمغايرة، وتنظفيف الملعب -اليمن نقصد- من كل العوامل الطاردة للسياسة، ومن كل هذا الذي يحدث الآن في صعدة، وفي حدة، وفي مختلف أرجاء اليمن في زمنها الراهن وعلى خلفية ما حدث في كل منعطفات «الثورات» والحروب والعنف وتجريف البلاد من السياسة التي اوصدت دونها الأبواب قبل أن تدخل وتتوطن في هذه… اليمن!
[email protected]