وداعاً وريقة الحناء.. سؤال المرأة في المحكي الشعبي* (3) – أروى عثمان

وداعاً وريقة الحناء.. سؤال المرأة في المحكي الشعبي* (3) – أروى عثمان

الفصل الثاني:

أخزاق المحكي.. أخزاق اللغة
هناك مقولتان الأولى للدكتورة أسيا جبار: “إني لا أكتب بالعربية لأنها لغة الذكورة” والأخرى – لا يحضرني اسمها: “الحضارة التي تقمع المرأة، ليست حضارة”. هاتان المقولتان تحيلاننا إلى اللغة والمعنى، لأن المعنى كينونة المرأة فقط، أما الفكر، واللفظ، فهما كينونتا الرجل، كما يتحدث النقاد، وخصوصاً الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه الهام ” المرأة واللغة ” لذا فإن كلاً من اللغة والكتابة والحضارة تختزل في ” رجل “.
ستظل المرأة تحفر في جدران اللغة، لكنها لن تضيف سوى أن تسجل كينونة نفسها منذ أن بدأت، حتى وإن خرجت بثياب تجديدية، فكونها تمارس، وتفكر، وتكتب بلغة الفحول، إذن هي بشكل واع أو غير واع “فحلة مؤنثة”، إن جازت هذه التسمية – وليعذرني القارئ على جرأتي في نحت اشتقاقاتي الخاصة بي -.
وعلى هذه الرقعة من الجدل المعقول، والعبثي في أحايين كثيرة، غالباً ما نجدنا نشعر بالسأم، ولا نخرج إلاّ بمزيد من العبث.
لقد سئمنا الأفكار التي تقف على الخط نفسها، الأرضية نفسها، النص نفسه، وتنطلي بألفاظ، تبدو كأنها ملصقة، ومُرقعة، تزيد الأرضية تشويهاً ليس إلا. من هذه الأفكار التي تتخم بهاْ الكتب، والصحف، والمؤتمرات، وتهيج، ويشتد عنفوانها عقب كل كارثة تحف العالم العربي والإسلامي، خصوصاً عندما يكون الخطاب/ الكارثة يتعلق بالمرأة والدين والسياسة ويزدان على سبيل المثال بألفاظ: التجديد، الإصلاح، رؤية، تعديل.. الخ.
أرى أن هذه الأفكار لا تخرج في الغالب عن مجرى الهذيانات، ولا تزيد عن كونها مجرد خطابات متمسحة/ أو ممسحة، تبريرات، إعتمالات تزيد التقليدية، والنصية ثباتاً، وقوة ومنعة، حتى وإن لبست لبوساً مغايرة من مفاهيم التجديد، والآخر، والمدنية، ومفردات كثيرة تدخل قاموس الضحك على “الوجوه -وليس الذقون” مجاراة لما يعتمل في العالم.
سنجد البوق الفضفاض يردد على الدوام، وعقب كل انتكاسة للفكر العربي شعارات مثل: تجديد الفكر الديني/، أو إصلاح الفكر الديني، لكن لم نسمع قول: “فصل الدين عن الدولة”. إلا بصوت خافت كأنه السكوت.
 فلنقلها جهاراً، وكفى، بهذا الفصل بين الإلهي -الديني، واليومي الدنيوي- وبهذه القطيعة الإبستمولوجية، ستغير بنية الفكر، كل الفكر رأساً على عقب. وسنبدأ الكتابة معاً إناثاً وذكوراً.
وبهذا سنكتب عنوان بداية الخلق الجديد، وعدا ذلك فإن كل ما نسمعه، ونقرأه، ليس إلا رغاءً لزجاً، تفوح عفونته كل يوم.
“إذا كان المرض بالرأس، من أين ستأتي العافية” مثل وتعبير شعبي خطير يقوم برفض التعديل، والإصلاح في الأطراف، فيما الرأس هوهو، ثابت، لا يتزحزح، وهو فاسد، ولن تأتي العافية مطلقاً، لا بد من رأس جديد، وستكون هناك عافية بالضرورة، فالخلايا الجديدة لا تسكن إلا الرأس الجديد.
فازدواجيات الخطاب أنهكتنا وسدت في وجوهنا باب السؤال عن: ماذا سيجدد هذا الخطاب؟ أو ماذا سيعدل إذا كان الإله فحلاً، والحضارة فحلاً، واللغة فحلاً؟! إذاً أين الطرف الآخر، القطب الآخر الذي لا يستقيم الكون إلا به؟
ماذا سنعدل؟ وماذا سنصلح؟ وما هي الرؤى التي ترتدي لبوس التجديد، وهي لم تخرج بعد عن نسيجه، ومن أنساقه ذات الأعمدة الصلبة العاتية التي لا تتغير لا في الزمان، ولا في المكان، فالحاضنة الذهنية للفحولة لا تنتج إلا أفكاراً من المصب نفسه.

لا اسم.. لا هوية
هكذا تلهث المرأة في الفراغ، وتشكل من السديم حقيقتها، لحضارة تقصيها، وتنفيها، تسلبها الحياة، إذن لا حاجة لها بها، ولا حاجة لها بدين وملة تخلقها من ضلع آدم، بل وضلع أعوج، ويظل هذا الضلع الأعوج مسار حياتها الدنيوية والأخروية، هذا المسار مليء ليس بالمنحدرات الشاهقة، والمزالق الظاهرة والخفية، بل وبالاستتباع؛ لأن المسار أعوج في الأصل. فلا بد من حصان يجر العربة ذات العجلات المركبة في غير مكانها، مثل عقل المرأة المركب في درمها. حتى الفكر، والشعر، والحكاية والموسيقى.. الخ نغماتها، وإيقاعاتها معوجة.
وتظل المرأة ملحقة بالثقافة الذكورية وتجلياتها من بدء الاسم، وضرورة انتمائها للأب، ذي الجسد المستقيم، فتحمل اسمه، فهوية الأعوج تكون في وجود المستقيم، العقلية البدوية نفسها/ القبلية للمواطنين الأقلية، كاليهود الذين يدفعون الجزية، ويجب أن يكونوا في حمى الشيخ ذي الأصل المستقيم، الذي تخلق من ضلعه النساء.. الشيخ، المكتمل فحولة وهوية.
عندما تتزوج لابد من هوية جديدة/ قديمة، جديدة باسم الزوج وعائلته، وقديمة بنظام الأعوج/ المستقيم نفسه، حتى اسمها يختفي في حالة وهب الهويتين، عندما تكون بنتاً تسمى بنت فلان، وعندما تصير زوجة تصبح زوجة فلان، تلحق بزوجها وباسم بيت زوجها مثل: مرة/ زوجة الغراب، فبيت كزم تسمى الزوجة بكزمة، أو أسم شارد، تكنى الزوجة بشاردة، صالح، صالحة… الخ.
إذن أين اسمها؟
لا وجود له، لا شيء.
المرأة اللاهوية، يجب أن يكون لها هوية ملحقة بعائلة الأب، وعائلة الزوج الذي تذوب فيه ليس هويتها، بل ووجودها، فمعروف في بلادنا، وحتى يومنا هذا أن الفتاة تتزوج لتكون طاقة عمل في بيت الزوج، حتى أن الأب/ الأم، يقولون لابنهم، متي ستتزوج، وتأتي لنا بخادمة/ خدامة تخدمنا، في الحقل، والبيت؟
أنه زواج المنفعة، تتكرس المرأة كمغزل من لحم، ودم، يظل يغزل، حتى نومها مغزول بثقافة الإهلاك، رق غير مفارق لنظام الرق القديم، حتى وإن كان بلباس شرعي، ولذا نجد كثيراً من شباب الريف، خصوصاً، يأتون بالخادمة/ الزوجة، للعمل والإنجاب، أما الابن/ الزوج فإنه يشتغل في المدينة أو يدرس، فيأتي فقط في الأعياد يرمي ببذرة ” الذرية الصالحة ” الممتدة، ليرجع إلى المدينة في مدة أقصاها عاشر العيد!
وتشيخ المرأة قبل الأوان من سرعة الإهلاك المنظم، فيما يحتفظ الرجل بحيويته المنظمة، و تمر السنوات ويستمر رمي البذار في الأعياد، تتكاثر الذرية الصالحة، وتعمر البيت والحقول، لكن لا بد من خادمة أخرى جديدة تناسب المدينة، وتناسب حيوية، وشباب، وفحولة الزوج المقبور مع زوجة كأمه، ولا ضير إن كانت الزوجة الغضة تحمل أسماً خاصاً بها، لكنها لابد أن تستتبع بزوجة فلان الفلاني.

خادمتان ملحقتان بالذكر المفرد، وبالعائلة النووية.
خادمتان لمقبرتين: مقبرة الأب القصيرة، ومقبرة الزوج والأبناء الممتدة، والأخيرة هي الأقسى، والأشرس، ولذا أتت الثقافة المتسربلة بعباءة الدين لتقول إن المرأة لا تخرج إلا لقبرين، قبر على عتبة بيت الزوج، والقبر عند الموت. وقد تكرم السيد عباس مدني، رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ بإضافة قبر ثالث فيقول: ” إن المرأة لايجب أن تخرج سوى ثلاث مرات فقط في حياتها، من رحم والدتها – يوم مولدها – من بيتها يوم زفافها.. والمرة الأخيرة يوم وفاتها”(1).
وسوى كان قبرين أو ثلاثة، أو مليون، فما هو إلا قبر واحد كبير.
فالمرأة كما تقول أمثالنا الشعبية: “المرة/ المرأة مثل الطلية: ساعة، وقالوا خلي) أي مثلها مثل الكبش/ النعجة التي تقاد للذبح، فالمرأة موجودة لتوقيت محدد في بيت/قبر الأب، وبعد ذلك تنتقل إلى قبر/ بيت الزوج/ العائلة.
وعندما يقال إن النساء “مراجيم الغيبـ”، أظن تجاوزاً يسمى الغيب، فالغيب مكان معلوم في الذهنيات الأبوية الطوطمية رجمة صغيرة (التربية في بيت الأب)، والرجمة الكبيرة والقاتلة في كثير من الأحيان (الزواج/ القبر طويل الأمد).
حتى إذا ذهبت المرأة إلى المستشفيات لتقطع روشتة للعلاج، تسجل أسم العائلة أسم الزوج، ومن المعيب أن تلفظ اسمها فهي ابنة فلان، أو زوجة فلان، أو أم فلان “هذه الفلايين هي أقحاح الذكور”.
في النقوش اليمنية وجد هذا الإلحاق يقول: ” ولم شمله مع المرأة – امرأته – المسماة (تحي إيل بنت جراف والصعق) ووصولها إلى بيته بيت (تزأد)… وليمتحن (المقه ثهوان بعل أوأم) عبة (ريعيث يغنم) أولاداً ذكوراً صالحين من زوجة (تحي إيل التزادية”(2).
أما عند توقير المرأة بصفة كدلالة الاحترام فغنها تأتي ممتلئة بالمعنى الذكوري مثل: “امرأة بعشرة رجالـ”، “صٌفة ولا مائة دقن”(3).

من الأمومة إلى الرجولة/ آلهات
تراجع حضور المرأة في الثقافة المكتوبة، وفي الشفاهية أيضاً، هامش نراه في كتب التراث، ويحمل في أغلبه صوراً لا تخرج عن الثقافة المُجهزة على الكائن الآخر (المرأة)، تستأصله من النص، أكان شعراً، حكاية، ملحمة، مخاطبة… الخ.
لحظة استيلاء الرجل وانتصاره على الآلهة الأنثوية (الأمومة) وقيامه بتذكير الحضارة أو (فحللتها) أستخدم المرأة دعامة لبناء حضارته (المرأة/ الزوجة الخادمة) وقتلها في صحائف التاريخ، والحضارات، وتبددت روح المحبة، والخصوبة، والمعاني الإنسانية لقد كان مناخاً ” أقرب إلى مناخ فردوس فقده الإنسان بحلول مجتمع الذكر الذي ضيع السلام والدعة ربما إلى الأبد”(4).
وحلت الأسلحة، والرماح، والسهام، كل أدوات القتل (رموز الذكورة) محل الحمائم، والأشجار والجداول. يحدث ذلك على غرار ما تفعله سلطات الحكومات العسكرية التي ما أن يتوج رئيسها حاكماً للبلاد والعباد، ويصنع لعرشه آلاف الشعارات، وآلاف الأعياد الطبيعية، وليس حتى الوطنية، والدينية، ويسقيها بألفاظ:الأول، البكر، حتى يأتي انقلاب عسكري آخر، يمحي كل ما فعل سابقوه، ليخبز على طريقته الأعياد، والشعارات، والمعارك، وبطولات لا تتناسب إلا والإله الواحد الأحد.
ومن “الأم الربة/ الإلهة” إلى الأب الإله المهيمن على كل شيء، والذي تتبعه المرأة، وكل الكائنات من حوله، نضبت الخصوبة والزراعة التي تطلق على المرأة ” الإلهة الأنثى ظلت الشكل الأسطوري المسيطر في عالم الزراعة في كل من منطقة مابين النهرين، وفي وادي النيل، كما في بقية الحضارات الزراعية القديمة “(5) نفس ما نراه في الحياة اليومية وفي الزراعة.

معركة الشواخ
في المنحوتات والنقوش القديمة واليمنية منها تظهر المرأة متضخمة الأثداء والأوراك- والبروز للأعضاء التناسلية علامة الخصوبة.
هكذا بدأ ظهور المرأة كالآلهة التي على هيئة دمى “آلهة لاوسيل، وآلهة ليسبوغ، وآلهة ويلندروف في جنوب النمسا هذه النماذح الثلاثة ذوات الأثداء المتضخمة ” تحمل دلالة التكاثر والولادة عند الإنسان، وارتباط ذلك بالأعضاء الجنسية الباذخة لدى المرأة باعتبارها مصدر التنوع البشري”(6).
وإذا كان تضخيم العضو الذكري في بعض المنحوتات دليلاً للخصوبة والنماء (تماثيل العضو التناسلي الضخم للرجل الموجودة في المتحف الوطني بصنعاء، وهيئة الآثار في صنعاء من خولان وشبوة، الحديدة، جبل العود)(7).
فإن ما رسب في الذهنية السائدة يشير إلى إخصاء وتعطيل تلك الخصوبة والتنوع البشري وحصر وظيفة ذلك الثراء في الأعضاء الباذخة الخصوبة لكل من الرجل والمرأة في ” الشواخ ” ضاعت اللعبة الإيروتيكية للتكاثر والنمو لتختزل في المبارزة والمساجلة، والمباراة بين قطبي القوة والضعف، السيد والعبد.
والوظيفة الجديدة للأعضاء هي الشواخ/البول، من أي سقف من أي طاقة/ نافذة، ولمن ستكون الغلبة؟ النتيجة المحتومة طبعاً للذكر كما يقول المثل الشعبي المعروف “فما مره شخت من طاقة”.
فأصلاً طبيعة المقارنة جائرة، وتنم عن محدودية الخيال أيضاً، فثقافة الشواخ لن تفرز إلا خيالاً من شواخ أيضاً.

(ثنائية العقل والدرم)
هذا الخيال المرضي (الشواخي)، هو الخيال نفسه الذي قسم المرأة والرجل إلى أيروس، ولوجوس، عقل ودرم(8) هو الذي أعقل الغريزة عن تأدية وظيفتها.
هنا تحضرني حادثة سجلتها الصحافة اليمنية، أن حافلة مليئة بالطالبات الجامعيات (يقال إن عددهن في حدود 25 تقريباً) يدرسن في تخصصات مختلفة أنحرف بها سائقها المستهتر عن الطريق الرئيسي، ولم تجد الطالبات وسيلة للدفاع عن أنفسهن سوى الصراخ، حتى انقلبت الحافلة بهن، وذهبت مجموعة منهن ضحايا لتلك الحادثة.
وتقول هذه الحادثة، إنه رغم الكم الهائل للفتيات، إلا أنهن عجزن عن الدفاع عن أنفسهن، وكان الصراخ وسيلة احتجاجهن الوحيدة، فلم تتجرأ واحدة منهن، على ضربه، أو تقييده، أو على أبسط وسائل الدفاع عن النفس التي تفرضها الطبيعة الغريزية لدى الكائن الحي، ونرى أشكالها تتجلى لدى الحيوانات مثلاً القطة، وكيف تدافع عن نفسها، وأولادها، أو الدجاجة، والكلبة،.. الخ
 وعلى ذلك قالت إحدى المتشددات دينياً، ببساطة: ” لو كنت في محل واحدة منهن سأخنقه، نعم سآتي من الخلف، وأكتفه “.
لماذا طالبات الجامعة لم يدافعن عن أنفسهن ومنهن الطبيبة، والمهندسة، ودارسة الأدب، وباحثة العلوم الاجتماعية، والنفسية؟.
لماذا أكتفين بالصراخ فقط، أسهل طريقة؟.
طالبات الحافلة كانت وسيلة الدفاع عن حياتهن هي الصوت/ الصراخ. والصراخ ينتمي إلى لغة ما قبل الكتابة، الإنقاذ هنا أتى في حالاته الأضعف باللسان، وليس باليد، بالأسنان، بالأعضاء الأخرى؟.
أين كان العقل؟
خمسة وعشرون امرأة بالغة راشدة (عاقلة) لم تسعف إحداهن بداهتها إلى اللجوء إلى الطبيعة الغريزية، أو العقل لإنقاذ أنفسهن من رجل واحد، ربما كان مسلولآً، معلولآً من جراء سوء التغذية، مخدراً من تعاطيه القات(9)، وربما لم يكن يزيد على ظل رجل، وليس رجلاً بالمعنى الذكوري، البنيان المرفوع، والزند المفتول؟
لماذا تعطل العقل، وقبله الغريزة؟ لماذا أُصبن بالسكتة؟
هل النص الديني المسؤول عن تعطيل الغريزة، والعقل: “المرأة ناقصة عقل ودين”، ومن الموروث الثقافي الأخلاقي البدوي/ القبلي: “عقل المرأة في درمها” ثنائيتان قاتلتان، الأولى: النقص/ عدم الاكتمال/ الضلع الأعوج، والثاني، حتى لو وجد العقل، فهو في الدرم، أي معطل لا يستفاد منه.
ولذا كانت فكرة المحرم، مع المرأة حتى لو كانت أماً، فمحرمها طفل صغير في الخامسة من عمره، وهو بلا شك عقلها المتمم أو المكمل للنقص، وهو الذي يفكر عنها بدلاً عن تفكير الأقدام.
ولا يغيب عن بالنا أن شهادة المرأة لا تقبل في المحكمة نتيجة هذا اللاعقل/ أو العقل المنقوص، فلا بد من توافر امرأتين للشهادة، فشهادة إحداهن تظل ناقصة.
هل لأنها خلقت من ضلع أعوج، كان يجب أن يدافع عنها الجسد المستقيم/الكامل؟
في الصلاة نجد رأس المرأة يتدلي خلف أقدام الرجال، فتنكس رأسها عند أقدام الرجال المصلين، فهل كانت رؤوس الطالبات منكسة عند أقدام الرجال من مصلين، وغيرهم ساعة وقوع الحدث؟.
وماذا عن الغريزة؟ أين كانت مغلولة ومعتقلة؟ لماذا لم تنهض للدفاع عن نفسها؟ هل لأن المرأة كما يقول المثل الشعبي: “المرة مرة، ولو تنمره”، أو “ما بقرة تحاير ثور”(10).
لماذا أختفت الغريزة الغائلة التي أجمعت الثقافات بأنها المحرك الوحيد للمرأة أينما أقبلت، وأينما أدبرت؟
الصوت/الصوات، هو الشيء الوحيد الذي لجأن لإطلاقه الطالبات، بل حتى هذا الصوت وجوده قد تعدى النصية الدينية: “صوت المرأة عورة”. فكيف نفسر هذا؟.
إن ثقافة النقص عقلاً وديناً، و” تدريم ” العقل، أي جعله في الدرم، هما اللذان خلفا ثقافة النفسية الهشة الخائفة، الخانعة الإنهزامية ف “لا يحمل الجور إلا الذليلـ” الذل المضاعف للمرأة، الجور المتعاظم، النفسية نفسها التي تجعلنا عبيداً أمام سلطان غاشم، أو زوج مستبد، يجمعهما السادية، النفسية نفسها التي تجعلنا نخاف أمام الظلال والأشباح.

تنمية الخوف
ظلت الذهنية الذكورية الكاملة، الثابتة، والراسخة رسوخ الجبال الأسطورية تقولب التصورات للمرأة، وتصنفها، وتؤطرها في براويز ” المرأة الشريفة ” الخارجة من رحم الشرف العربي القح.
و ” الشريفة ” لا تنبس ببنت شفة، لا تتململ من أي سلطة وبالأخص سلطة الزوج مهما كان الأمر، فلديها مكانان، إما الزوج، وإما القبر، وكلاهما موت وقبر واحد.
فطاعة الزوج/ السلطة، من طاعة الله:” لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد غير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”(11).
هذه النفسيات الإمتثالية، القدرية، الخائفة، المرتهبة للهواء، والشمس، نفسيات لا تنمو إلا في الظل متسلقة بين الفروع، يعتليهن الكساح العقلي والجسدي، هذا السقم النفس جسدي هو الذي جعل الطالبات الجامعيات على اختلاف تخصصاتهن يسلمن قيادهن لسائق مجنون يتحكم بحياتهن، خاصة وأن التعليم والعلم في جامعاتنا لم يؤنسن بعد، ومازال شبح ” قطرنة ” الإمام الكلي الدنيوي والأخروي، الأنسي والجني يفور، ويمور، ويترسخ، ويتجدد في ذهنية المواطنين، والمرأة/ الطالبة الجامعية بشكل أكبر.(12).
القطرنة نفسها التي لطخت عقولنا ونفوسنا قبل جبهة رؤوسنا. أتذكر عند دخولنا الجامعة، كنت وبعض الزميلات القريبات من رؤاي الفكرية، نفتعل الصرامة في سلوكنا، فمشيتنا مثل العسكر، أتذكر حتى بعض الزملاء الذين ما أن يرونا من بعيد حتى يتهامسون، ونسمع همسهم الزاعق: “الحكومة جت/ جاءت”.
وخلعت علينا ألقاباً لصقت بقوة في شخصياتنا ك “الشرسة “، لأننا مقطبات الجبين، ونتعامل مع الزملاء برسمية شديدة، كل هذا كان لأجل ألا يقال عنا إننا صائعات/ منحلات/ قليلات حياء.
وحينذاك حاولت التماهى بجدتي التي كان يشار إليها بالبنان “مره بعشرة رجالـ” “صفة ولا مائة دقن”، يقولوا رحمه الله ولا لعنه الله؟
بعد فترة اكتشفت هؤلاء (المن) ماهم إلا الذكور، ماهي إلا الثقافة، التي نمّت داخلي الخوف وأكبرته لتتشرف عائلتي بلقب (رحمه الله) فيبعدها عن شبح (لعنه الله)، حتى يقال لعائلتي، بعد الرحمة، أحسنتم التربية.
وهكذا قتلوا تلقائيتنا، وإنسانيتنا، عندما زاوجوا في أنظارنا بين الأنوثة والإنحلال، فيقال عنا مسترجلات خير من أن يقال عنا قليلات حياء.
مرة أخرى أكتشف أن لا فرق بيني الشرسة/ المسترجلة، وبين الأنثى التي تستعرض مفاتن جسدها للفت أنظار الآخرين، فكلتاهما، أو الإثنتان، عبارة عن واحدة تعمل دونما كلل على تشكيل طبيعتنا لأجل ثقافة الذكورة، لأجل الرجل، إما لتفوز بلقب ” الشريفة”، أو المنحلة.
إنها تنمية الخوف وإعادة صناعته، وهي تنمية تأخذ صوراً مختلفة، فصورة: كلما صبرت المرأة على قمع زوجها، وتقتيلها اليومي، زادت احتراماً عند الآخرين، وكبرت حسناتها في الآخرة. والمحكيات الشعبية تصور كماً من النساء اللواتي أتهمهن أزواجهن زوراً وبهتاناً تحملن أقدارهن وقبلن بالنصيب، حتى يأتي منقذ أخر يكون جنياً، أو أنسياً، أو طائراً، أو أي هائمة.
وعلى سبيل المثال يرد في حكاية ” وسيلة ” أنه بعد أن يخطف العفريت أولادها الرضع الثلاثة عقب كل ولادة، ويلطخ فمها بدم الولادة، على أساس أنها أكلتهم، يقرر الزوج سجنها عقاباً على أكلها لأولاده، ويتزوج بأخرى: امضّت ” وسيلة” في سجنها عدة سنوات عاشتها قانعة بحياتها، راضية بما كتب لها، وهي تردد باستمرار “ما من المكتوب حيلة”.(13) المقولة نفسها. التي رددها الغراب/ العفريت عندما كان ينقر نافذتها، ويردد عليها هذه العبارة “يا وسيلة، يا وسيلة، ما من المكتوب حيلة”. ومنها خرجت وسيلة لتبحث عن قدرها. وصبرت على السجن حتى يؤتى لها بحجرة الصبر ومفتاح الفرج، لترجع الأمور إلى نصابها الطبيعي، فالطائر هو الذي أخرجها تبحث عن قدرها، وهو الذي خطف أولادها، وعبر الحجرة والمفتاح اللذين أتى بهما الزوج، ليكونا المنقذ (طبعاً هذا حسب التحليل الظاهري للحكاية).
وهنالك الكثير من الأمثال والحكايات الشعبية التي تكرس هذه الروح الميتة الفائضة عن الحياة، لما ترتضيه من هذا الموت الغرائبي فصبر بطلات الحكايات لأقدارهن يعد صبراً ربانياً.

 

– هوامش ومراجع الفصل الثاني:

(1) مجلة حواء المصرية – لم أستطع معرفة العدد والسنة، فما وجدته أوراقاً متناثرة من المجلة.
(2) نقوش مسندية/ مطهر الإرياني، المسند رقم 24 ص 169، مركز الدراسات والبحوث اليمني.
(3) الصُفة: مقدمة شعر رأس المرأة، وتسمى في بعض اللهجات، النبعة.
(4) لغز عشتار، فراس السواح ص33/34، دار علا الدين، الطبعة السادسة.
(5) قوة الأسطورة، جوزف كامبل، ص241، ترجمة حسن صقر، وميساء صقر.
(6) أديان ومعتقدات ماقبل التاريخ، خزعل الماجدي ص45 – 49، الطبعة الأولى.
(7) الفن المعماري والفكر الديني في اليمن القديم قبل الميلاد، منير عبد الجليل العريقي ص545-546 مكتبة مدبولي، طبعة أولى 2002.
(8) الدرم: كعب الرّجل، وقدم المرأة دليل على جمالها، فكلما كان القدم بضاً وناعماً، كانت المرأة المخفية جميلة، والعكس، وهناك بعض الرجال يوافقون على الزواج من نساء متغطيات/ مشرشفات من خلال أيديهن واقدامهن.
(9) القات: نبات يتعاطاه اليمنيون.
(10) تنمره/ أو تنمرت: توحشت مثل أنثى النمور.
(11) القضاء في اليمن، القاضي يحى بن محمد الهاشمي، ص80، مكتبة خالد بن الوليد.
(12) القطرنة: مادة كان يستخدمها اليمنيون أيام الحكم الملكي، حيث كان الإمام أحمد حميد الدين، يجبر المواطنين على وضع هذه المادة السوداء على جباههم، حتى يعتقد اليمنيون، بأن الإمام له قوى فوقية، فهو قادر على جلب الجن، وتصريفهم.
(13) حكاية وسيلة، من مجموعة كتاب حكايات وأساطير يمنية، قام بجمعها الأستاذ علي محمد عبده ص 91، دار الكلمة، الطبعة الثانية.

[email protected]

* أجزاء من بحث مقدم لمنح اليونسكو/سوزان مبارك/ الصداقة اليابانية المصرية لتمكين النساء في دراسات السلام وشؤون المرأة – (دورة 2005-2006)