كيف يرى الناس المواجهات في صعدة؟! – علي الضبيبي

كيف يرى الناس المواجهات في صعدة؟! – علي الضبيبي

الأسبوع الفائت شيّع مواطنو حارة الإحسان بمديرية شعوب جثة أحد الضحايا العسكريين في صعدة. وفيما كان المشيعون يهللون وتتسابق أكتافهم نحو الأجر والثواب؛ كان أحد الواقفين يتضرع إلى الله ويرفع أكفه إلى السماء: «يا الله احفظ ولدي ورده لي بخير»، وحين سألته عنه، أفاد أن ولده في صعدة ولايعلم عنه شيئاً منذ أسابيع.
وقبل أيام أثار شريط الأخبار في قناة الجزيرة جدالاً حاداً وصل حد الملاسنة في جلسة مقيل. ففيما كان النقاش ضوضائياً، والتحليلات تتصادم ببعضها حول موقف المشترك من الحرب، وعلماء الدين، وازدياد عدد الضحايا، ظهر في الشاشة: تحطم مروحيتان عسكريتان في صعدة. وهو ما أسعف أحد المراهنين على أن السلطة تخوض حرباً برية وبحرية، والذي بادر تواً ويكاد يطير من الفرح: «شوف يا اهبل ما بتقول الجزيرة». موجهاً كلامه لشخص ينكر استخدام الطائرات في المواجهة، وهذا الأخير الذي استفزته الهزيمة رد غاضباً: «والله ما اهبل إلا أنت يا…» وكادت المواجهة أن تنتقل إلى داخل هذه الغرفة الصغيرة.
بالتأكيد، المواجهات محصورة في صعدة شمال البلاد، وحتى ليس في كل نواحيها. لكن تداعيات هذه الحرب لم تتوقف قبالة نقاط التفتيش المنصوبة بالعشرات عند حدود ومداخل المحافظة، رغم التعتيم الإعلامي الشديد، وحالة الطوارئ غير المعلنة، بدءاً بأسواق الفواكه والخضر، وأصحاب البسطات والعربيات المتحركة، مروراً بطلاب الجامعة الصعديين -والدارسين فيها- ومصاريف الدراسة، وصولاً إلى مجالس القات، وتحليلات مواطنين، كل ما بحوزتهم من معطيات عن الحرب: أنها تدور في صعدة.
فقط ما يهم بائعة الدجاج والبيض البلدي في سوق «الزُمر» بصنعاء القديمة أن ترتفع حالات الولادة وتزداد أرباح مبيعاتها اليومية، أما الحرب طالت أم قصرت فالأمر لا يعنيها. بالنسبة لبائع الفاكهة المتنقل، مسعد الحبيشي، الأمر مختلف تماماً إذ لم يشهد سوق الفاكهة ارتفاعاً جنونياً في الاسعار مثل هذه الأيام. «البضاعة مرتفعة ومعدومة والزباين يشتو الكيلو الواحد بسعر زمان»، يشكو مسعد وهو يدف عربيته ذات الثلاثة الكفرات وعليها بقايا برتقال لا تبدو أنها طرية: «أقسم لك بالله له من أمس وباقي للضمار خمسمائة»، ويشير بكلتا يديه إلى البضاعة.
تكتنف الشارع هذه الأيام حالة من الصمت والهمس الحذر، وأخرى من البوح والمبالغة والتكهنات. فغموض الأسباب واختفاء المبررات الحقيقية وراء الحرب، والتعتيم الشديد عن ظروف واوضاع المعركة، أوجد فرزاً موقفياً لدى الناس في الجلسة الواحدة. ففي الوقت الذي يرى فيه (أ. ع. ه) هذه الحرب خاطئة، وغير محسوبة، ويبدي تخوفاته من انعكاساتها المستقبلية على الوطن، ينظر لها من ناجية عبدالعزيز الدُكم، على أنها ضرورية وشرعية حتى «لا بد من حسمها عسكرياً فهؤلاء الناس لا ينفع معهم غير الصميل» فالأول حدد موقفه بناءً على حسابات خارجية: «قد تجي أمريكا في يوم من الأيام وتفتح لليمن ملف صعدة وحرب إبادة وتتخذ منها ذريعة» وهو يبديي تخوفه هذا ويبوح عن اعتراضاته رغم تحفظه على الإسم ضارباً المثال بأكراد العراق وازمة دارفور السودانية. فيما الثاني «الدُكم» الذي بدا اكثر تحمساً للحرب اختصر مبرراته في سؤال: «ما رأيك بمن يرفع السلاح في وجه الدولة؟! وأيش موقفك من جماعة تسب الصحابة وتخوض في عرض الرسول؟».
في صيف العام الماضي، وفيما كان يعدد مناقب الرئيس استدعى أحد دكاترة الجامعة حنكة القائد في عفوه عن أتباع بدر الدين الحوثي: «المعركة أصلاً حسمت عسكرياً ولكن هذا من حكمة الرئيس» قال ذلك في خروج اعتراضي عن محاضرته أمام ما يقرب من 70 طالباً، كمن يفاخر بإنجاز حققته حكومة حزبه الذي يعتبر أحد مرشدي ميثاقه. الآن أحد الحاضرين إذ ذاك يتساءل ولكن في غيبة الدكتور الذي عُيَّن عميداً لكلية المحويت: «اشتي اسأل الدكتور مرة أخرى ليش ا لرئيس ما يستدعي حنكته الآن ويوقف النزيف؟».
طلاب الجامعة هم الأكثر بوحاً وتحديد مواقف ممّا يجري.
كل ينطلق من قناعاته السياسية والفكرية. إذ نجد تبايناً ملحوظاً في الآراء. فالطالب حميد دبوان، الذي خاض سجالاً مع زميل قسمه، عماد الحرازي، يطالب الحكومة اليمنية سحب القوات إلى مواقعها السابقة، ودعا في ذات الوقت الحوثيين إلى وقف إطلاق النار «حقنَّاً للدماء وإعادة الأمن إلى المحافظة» وفيما تتوافق رؤاه مع أخرى لزملاء في المعارضة «المشترك» الذين يبنون مواقفهم منها بناءً على بيانات مرجعياتهم السياسية «الأحزاب» نجده (حميد) يحمل على المعارضة بشدة ويتهمها بالجمود، بل والتخلف.
حميد، وهو من شرعب تعز، يعتبر صعدة محافظة منكوبة: «ما قام به الحوثي لا يعطي الحكومة، ذريعة لاستخدام القمع»، ويكرر دعوته إلى الطرفين للتفاوض وإنهاء الإحتراب.
وفيما الطالب هشام قاسم لا يؤيد الحروب اياً كان نوعها، كما قال، إلا أنه استثنى الحوثيين منها «ضد الحوثي واجب لما أحدثه من فوضى وعرقلة للتنمية، وقتله الشرطة والأمن وتأثيره على سمعة اليمن خارجياً». وبين هذا وذاك يقف رأي آخر من ذات الجامعة يدعو إلى كشف السبب الحقيقي من الحرب: «أيش الأسباب حتى نقرر مشروعية الحرب من عدمها»، هذا التساؤل المطلبي قوبل برد جاهز من آخر: «السبب أن هولا يسبوا الرسول والصحابة»، فسخر أحد الجالسين من هذا قائلاً: «يووه وأنت صدقت أن حكومتنا محتسبة على آل البيت».