عصيدة الرئيس – محمد راوح سعيد القدسي

عصيدة الرئيس – محمد راوح سعيد القدسي

هل حقاً، ما يجري في محافظة صعدة «عصيدة الرئيس وهو يمتِّنها»؟ ونتساءل بدهشة ونحن نرى المشهد أمامنا متداخلاً وضبابياً بل ومعقداً: أهناك حقاً مشروعية لجيش نظامي يقوم بقصف ومطاردة فلول من المتمردين الخارجين عن القانون والنظام؟
وهل هذه المجاميع من إخواننا «الحوثيين» ومناصريهم قد إرتدت فكرياً! وسلكت اتجاهاً آخر، يمثل فلسفتها وخلاصة اجتهادها؟
وفي هذا المفترق لا يتصادم المتخاصمون، فالتباين والأختلاف فيه رحمة للجميع، ولا يترتب على ذلك رفع السلاح، فالكلمة أجدى في هذا المقام، والحوار أمضى لكل الأطراف.وهذا الحق واجب للفرد أو للمجموعة أياً كانت!
غير أن ما هو حاصل الآن من مواجهات بين المؤسسة العسكرية وتلك المجاميع يُظهر صورة أخرى.
فالتمرد الحوثي وجماعات الشباب المؤمن، هو تمرد مسلح ضد الشرعية الدستورية وارتداد «حربي» لا شك فيه يتوجب مواجهته: والتعامل معه، وبغض النظر عن إتفاقنا أو اختلافنا مع السلطة. إلا أننا أمام واقع لا خلاف حوله، وهو مشروعية النظام القائم. فالسلطة منتخبة بما فيها فخامة الأخ رئيس الجمهورية، وهي تقف الآن في مواجهة قضية مصيرية تهمنا جميعاً. وهي المعنية بحسم ومواجهة هذا التمرد المسلح كضرورة وطنية لحفظ الاستقرار والأمن، ليس في محافظة صعدة فقط، بل في كل محافظات الجمهورية. وهي مسؤولية خاضعة لمحاسبة الشعب وقواه السياسية والمدنية. إنها مسؤولية الجميع في اتخاذ موقف وطني عام مما يجرى الآن. فالمؤسسة العسكرية ليست ملكية خاصة لطرف كما أنها لم تنشأ لحراسة «تكيَّة الحاكم» وحاشيته، بل هي أداة شعبية مكلَّفة بحماية الوطن وسيادته. كما أنها معنية بالحفاظ على أمنه واستقراره. وإن بسط نفوذ الدولة وهيبتها على كل مناطق ومحافظات اليمن هو بالأساس مطلب حضاري ووطني متقدم، طالما وهو يعني فرضاً لهيبة ونفوذ القانون والنظام، وتثبيتاً للشرعية الدستورية أيضاً.
إن الغائب الوحيد عما يجري الآن هو «المعارضة» كما ذكرت صحيفة «الثوري» في افتتاحية عددها» الأخير.
ومن المنتظر لقوى المجتمع الحيَّة أن لا تغفل ضرورة حضورها وتواجدها أمام حدث كهذا، يمكن أن يوفر لها الدافع الايجابي الذي ينتشلها من «سكون» ما تدَّعيه من المعاناة أمام جبروت السلطة والشعور بالأحباط والانحسار ومحاولات تهميش السلطة لها، ويضعها مباشرة على المحك وبالتوازي مع المستوى الذي تمثله (كوجه آخر للسلطة) وفرض نفسها كشريك أساسي لها في التوجهات الوطنية، دون استجداء من أحد!!
وهذه فرصتها للقيام بمبادرة شجاعة لسبر غور هذه الأحداث وتقييمها بشفافية ومسؤولية، للخروج بموقف وطني واضح ومسؤول.
كما أن من حقها أيضاً إنتقاد السلطة في تعاطيها مع هذه المشكلة إنطلاقاً من الهم الجمعي الواحدة! بعيداً عن المناكفات المعهودة.
غير أن ما يضع علامة استفهام كبيرة حول «خاصرة» المعارضة حتى الآن هو ذلك الموقف السلبي وغير المبالي (تماماً) بما يجري من أحداث تقشعر لها الأبدان في أرض هي يمنية بالأصل ومقيدة في كشف السيادة الوطنية باسم محافظة من محافظات الجمهورية اليمنية. وهو موقف غريب، بل ومشبع بالانتهازية والتشفي من النظام، وكأن تلك الجثث المتناثرة، سواء لأبنائنا من المؤسسة العسكرية أم لأبناء صعدة من الحوثيين لا تمث لهم بصلة!
«إنها عصيدة الرئيس وهو يمتنها»!! كما نطق أحدهم.
وحتى إذا سلمنا جدلاً بأن هذه الجماعات لا تتحرك وفقاً لتوجهات بعض القوى الأجنبية الساعية لخلق بؤر من التوترات في المنطقة بهدف خلخلة ميزان المصالح والعلاقات الدولية والاقليمية؛ يكفي أنها جماعات متمردة، وبالسلاح، علىالشرعية الدستورية في البلاد، بهدف شق الصف الوطني والوحدة الوطنية.
والحوثيون قبل غيرهم يعلمون أن ابناء صعدة قد صوتوا للأخ المشير علي عبدالله صالح في الانتخابات الرئاسية وحاز على نسبة عالية من النجاح في الانتخابات الرئاسية. كما أن الحزب الحاكم قد حاز في محافظة صعدة على نسبة كبيرة في الانتخابات المحلية الأخيرة.
فهو الأمر الذي يفسر أن معظم أبناء وقبائل صعدة في وضعهم الحالي يقعون بين «فكي كماشة» فهناك المرتزقة والمتمردون من جماعات الحوثي أو من المغرر بهم، يتمترسون بالقرى والمنازل ويختبئون بين الجماعات المدنية من النساء والاطفال والعجزة.
وفي مواجهة ذلك هناك قوات من المؤسسة العسكرية تواصل جهودها في مطاردة فلول المرتزقة والمتمردين، ومحاولة التقدم إلى العمق وقصف الكهوف والمخابئ التي يتمركز فيها غلاة الحوثيين، والممتلئة بمختلف انواع السلاح.
وقد يصيب القصف في كثير من الأحيان أهدافاً محددة. وقد لا يصيب في بعض الأحيان. وفي أحيان كثيرة تطيش عياراته هنا وهناك!!
إنها الحرب -إذاً- بتكاليفها الباهضة وأعبائها المكلفة ونتائجها الأكثر كلفة!
الحرب التي تكتنفها العوائق والمخاطر من اتجاهات كثيرة!
حرب المزالق والفخاخ، والمتاريس التي تنضحُ بجثث طريَّة لبشر هم من لحم ودم!!
وهذا خيار مؤلم بكل ما في الكلمة من معنى.
غير أن الأكثر إيلاماً هو السماح لمثل هؤلاء يعيثوا في الأرض فساداً. يودون لو أن يقتطعوا جزءاً من بلاد اليمن يقيمون عليها شعائرهم، ويمهدوا لمملكتهم.
إنها محاولة لشق الوحدة الوطنية، وليس عصيدة الرئيس. إنها عصيدتنا جميعاً؛ فلنحسن تمتينها».