مكتب الصناعة والتجارة والقط الغريب – يحيى سعيد السادة

مكتب الصناعة والتجارة والقط الغريب – يحيى سعيد السادة

لكي يصل القارئ إلى فك شيفرة هذا العنوان لا بد من العودة إلى قرار الدولة المتعلق بتحرير التجارة الداخلية والخارجية من خلال المرور على بعض المحطات التي توصلنا إلى هذا الهدف إذ أن القرار في جوهره يصب في توفير السلع وبالذات الأساسية بعد تحرير الاستيراد من قيود الاحتكار وطرحها في الأسواق للمنافسة الحرة بحيث يتمكن المستهلك من الحصول على احتياجاته بأقل الأسعار. إذن الهدف واضح من اتخاذ هذا القرار. إلا أن الآلية المصاحبة لتنفيذه لم تكن بهذا الوضوح وربما لم توضع آلية لهذا الغرض. إذ أن مهمة الدولة لا تنتهي عند هذا الإصدار بل بوضع الضوابط والاحتفاظ ببدائل وخيارات لمواجهة أي خلل يرافق عملية التنفيذ، أهمها:
– احتفاظ الدولة بملكية الصوامع للتحكم بالمخزون الاستراتيجي لمواجهة أي طارئ دولي متعلق بالانتاج وارتفاع الاسعار المفاجئ.
– الابقاء على باب المناورة مفتوح بأحقية الدولة في استيراد المواد الاساسية كلما اقتضت الحاجة لذلك و كلما حاول تجار الاستيراد اللعب على هذا الوتر بغية استهداف الأمن الغذائي.
– إشراف الدولة المباشر على المناقصات المتعلقة بالمواد الأساسية وحقها في اختيار مصدر الانتاج لمراعاة النوعية والسعر المناسب.
لا شك في أن الفهم الخاطئ للقرار قد جعل من كلمة «حرية» لفظ شؤم لعامة الناس عندما عجزوا عن توفير احتياجاتهم الأساسية بالأسعار المعقولة. كما أن هذه «الحرية» قد عملت على تجميد العمل في هذه الوزارة وفروعها. فمكتب إب مثلاً أصيب بالشلل التام؛ مما حدا بالكثير من موظفي الإدارة العامة إلى النجاة بجلودهم ورواتبهم إلى مكاتب أخرى ما زالت الحياة تنبض في عروقها، بينما بقي قلة يعدون باصابع اليدين أملاً في عودة الروح إلى هذا المكتب الذي تحول إلى أطلال بحيث أن مجرد تفكير المرء بالدخول إليه يتطلب رفيقاً يؤنس وحشته ويشد من أزره ويحسسه باستمرار تواجده بجانبه خاصة عندما يقرر الولوج إلى دهاليز هذا المكتب؛ إذ ينتابه شعور بأنه في أدغال الامازون أو كهوف تورابورا. فخلال الفترة من 20٠0م وحتى الآن ست سنوات ونيف هو العمر المستقطع للموظفين الذين آثروا البقاء بعد ان انقطعت بهم السبل بحثاً عن ملجأ آخر يضمن لهم استمرار آدميتهم فيه. كان هؤلاء لمتبقون على قيد الحياة في هذا المكتب يتسلون بين الفينة والأخرى بمشاهدة القطط والفئران وهي تجوب المكتب طولاً وعرضاً دون أن تتجاوز ما هو غير مألوف. وفي صبيحة يوم من أيام الاسبوع الأخير لشهر يناير 2007م وبينما كنت واقفاً على باب مكتبي فوجئت بأحد هذه القطط وعليه تبدو النعمة والثقة بالنفس مستلقياً على الكرسي المخصص لجلوسي. استدعيت الموظفين ليروا مشهد الفصل الثاني من الأكروبات التي تقدمها القطط للترفيه عنا وتخفيف العبء النفسي ومن ثم حاولت انزاله دون الاقتراب منه كثيراً تجنباً لأي اشتباك؛ كوني أدرك من هم احفاده وبني عشيرته المجرب بأنسهم مع قطيع الفئران وبالرغم من ان محاولاتي أخذت وقتاً إلا أني أقر بأن نزوله كان طوعياً بدليل تثاؤبه وقيامه بتمارين الصباح على أرضية المكتب. عندها تنحيت جانباً لأ سح له المجال للمرور فإذا به ينسل إلى الحجرة ومن ثم إلى السلم المؤدي إلى الشارع. سألت الفراش عما إذا كان هذا القط يبيت في مكتبي ومنذ متى؟ فأجاب أنه لا يشاهده عند الدخول إلى المكتب ولا يدري كيف يظهر فجأة هكذا. حضرت اليوم الثاني ولكن عند العاشرة؛ إذ لا فرق بين أن تحضر في الثامنة أو في الثانية عشرة ظهراً، فلا عمل إطلاقاً وجدت القط على الكرسي، هذه المرة وبتلقائية قفز وخرج من المكتب بخطى أسرع من ذي قبل. الخلاصة أن هذا المشهد يتكرر كل يوم وحتى كتابة هذه الاسطر، مما جعلني أتساءل:
– هل بالفعل ترك الأماكن المأهولة تشجع كائنات أخرى (غير الإنسان) على الإقامة فيها فيطلق عليها بالأماكن المسكونة؟!
– هل تواجد هذا الحيوان هو بمثابة صرخة احتجاج على تجميد هذا المكتب، مصراً بدوره على ملء فراغ هذا الكرسي حتى ولو كان الوقت مملاً والسكون في هذا المكان يكاد يكون قاتلاً؟!
– لماذا اختار هذا الحيوان مكتبي والكرسي الخاص بي أنا بالذات دون سواي؟!
أمر غريب بالفعل. ولكن ظاهرة ترويض الحيوانات سواء كانت أليفة أم كانت متوحشة، قد يكون أحد المداخل للإجابة على أحد هذه التساؤلات، فقد يكون هذا القط ومع مرور الوقت قد انقاد لتقليد سلوك هذا الرجل الطيب (فراش المكتب) الذي يصر على فتح المكتب عند الثامنة صباحاً مع إدراكه أنه مجرد بناء وغرف غير مأهولة، إلا أن المسؤولية الملقاة على عاتقه وتشبثه بشعاره اليوم: «مرغم أخاك لا بطل» تحتم عليه الاستمرار بهذا الدور. لذا فقد تعود هذا القط على الدخول في هذا الوقت و أحسن اختيار هذه الإدارة كونها أكثر هدوءاً حيث ونسبة تجميدها 100٪ وأسهل فراراً، لمحاذاتها سلم المكتب، فكرت كثيراً وملياً في وضع هذا المكتب كصورة مصغرة للوضع العام وفي تصرفات هذا القط الغريب حاولت الربط بينهما وكلما لامست خيطاً ولو رفيعاً أجده ينقطع فجأة ويتماهى كلياً فتختلط الأوراق من جديد في قاع الذاكرة وفجأة تطفو على سطحها صورة قد تكون قريبة إلى الواقع المعاش بكل تفاصيله إذ تتجلى في هذه الصورة حقيقة لا جدال فيها أن لا فرق بين حضوري والجلوس على مكتبي وبين حضور هذا القط في ظل هذا الفراغ القاتل.
بينما من الجانب العملي قد يكون حضوره أنفع لحماية محتويات الملفات من سطوة الفئران كون تلك الوثائق ترشد أي عالم أثري على أن هذا المكان كان مؤهولاً بالكائن البشري حتى أواخر القرن العشرين. فكرت في أن أمنح هذا القط درجة انسانية متقدمة بأن أعطيه شهادتي الجامعية (اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة الأسكندرية- جمهورية مصر العربية) عله يوظفها إدارياً إذا ما دبت الروح في هذا المكتب إلى جانب مهمته الاساسية.
إلا أني ترددت كثيراً ليس حرصاً مني على هذه الشهادة التي لا معنى لها ولا جدوى منها في هذا الزمن العجيب الذي اختلطت فيه الأوراق واختلت فيه الموازين، إنما لثقتي بأنه لن يقبل هذا العرض كونه يدرك اكثر مني أن هذا الزمن لا علاقة له بالمؤهلات وأن مجيئه اليومي وسطوته على مكتبي ما هو إلا بغرض الخلود إلى النفس والتمتع بمزايا هذه المحمية الطبيعية، ناهيك عن الدفء الذي يشعر به في هذا المكان مؤقتاً حتى ترسل الشمس خيوطها ويعم دفؤها أزقة وشوارع هذه المدينة.