البيضة.. جرحُ الإقتصادِ، فُكاهةُ السياسة! – يحيى هائل سلام

البيضة.. جرحُ الإقتصادِ، فُكاهةُ السياسة! – يحيى هائل سلام

هي بنتُ الدجاجة، ويقال: امها. لغزٌ مضلِلٌ وقديمْ، تلقفتهُ فكرةٌ محتالةٌ لتضليلٍ مضاعفْ: البيضةُ والحجرْ.
قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، لعبت زعاماتٌ دينيةٌ بالبيضة والحجر،أوهكذا يحلو للبعض فهمها،في استحضارها البيضة في غير مقامٍ شاهداً على الجوع، والجوع كافر، مثله مثل القادم آنذاك من هناك. في هذا الإلتباس، كان اللاعبون مهيأين للخيانة: خيانةُ اللعب، فإذا بالبيضة طرفٌ في مقايضةٍ، لا حرج أن يكون النكوص الى ماقبل 22/05/90م، طرفها الآخرْ!!
ليس الأمر كذلك اليوم، فبيضةُ محمد قحطان، ناطق المشترك، والتي استفزت الحاكم قبل أسابيع، وإن أرادها صاحبها دعابةً، لم تكن كذلك، فهي لم تعد صالحة للتسلية، ولا للحيرة، إذْ قد تكّشفَ اللغزُ: عشرون ريالاً هوسعر البيضة الواحدة..
إذن فهي جراح الإقتصاد اليمني النازفة. ” قالوا تنافُس، وحرية تجارة!”. لم يكن بائع الفواكه في أحد أسواق مدينة تعز، عبدالله محمد علي، يعلم أنه في رده ذلك على استنكار أحد المستهلكين غلاء البطيخ، يضع علامتيْ تعجبٍ: واحدة في موازاة مداعبة قحطان الرئيس، وأخرى على هامش انذار الرئيس التجار، وما بينهما بطونٌ خاوية، وسؤالٌ في الإقتصاد ضالعٌ في السخرية من هشاشة الهوية: أأبراجُ التحكمِ والقيادة، أم الاوكازيونْ؟!
إنه الاوكازيون بطبيعة الحال. ” إن رئيس الجمهورية لا يستطيع فعلاً ولا يملك ان يغير سعر الدجاجة أوالبيضة” (عن مارب برس)، ردَ مصدرٌ في الحاكم على قحطان. وتقول فوزية الشرعبي رئيس قسم الاقتصاد بجامعة تعز: ” كل العالم اقتصاد حر، واليمن تتبنى الاقتصاد الحر، وهي على وشك الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، لكن المزايدات السياسية، ومن خلال الديمقراطية أدت إلى فهم خاطئ للاقتصاد “..
من هذا المنظور، تستقرئ فوزية، حضور السياسي في سطوع القشرة الخارجية للبيضة:” هي عملية سياسية، وليست اقتصادية “. أما لماذا البيضة على وجه الخصوص، فتقول:” لأنها سلعة مهمة، إنها مصدر أساسي للبروتين، وبذلك أرادوا القول إن طفل اليمن ليس له غذاء”. وعلى خلفية ما تراه الدكتورة توظيفاً سياسياً للاقتصاد، فإنها لا تتردد عن إلقاء اللوم في تدهور الوضع الإقتصادي على المعارضة:” كلما بدأ برنامج كلما عملوا ضجيجاً”. وباستغراب تضيفْ:” ينادون بعدم رفع الدعم، كيف ذلك في الاقتصاديات الحرة “.
هنا وقفةٌ للتأمل، لوأن المعارضة، توقفت عن الضجيج، أتراهُ يروقُ السوقُ، ويخفض للحفاة العراة الجياع جناح الأسعار من الرحمة، بالتأكيد فإن مثل ذلك لم يكن قد تبادر الى ذهن جورج شولتز وهو يطلق عبارته الشهيرة: “الأسواقُ لا ترحمْ “. يقول عبدالجليل المصنف، وهو أحد كبار منتجي البيض:” هناك ارتفاع في سعر التكلفة، مؤخراً ارتفع سعرالطن الذرة من 90$ الى 235$، والصودا من 160$ الى 270$”. ودون ان يهمل تأثيرات مرض انفلونزا الطيور على تقلب سعر البيض صعوداً، يضيف:” في عام 86م كان سعر الكيس العلف 1800 ريال، اليوم تصل قيمته إلى 67000 ريال، تأمل الفارق، وبالتالي انعكاسات ذلك على سعر البيضة “.
من منظور علم الاقتصاد فإن” إرتفاع الأسعار يعني قلة دخول أفراد المجتمع”، تقول الدكتورة / فوزية، وقد تجاوزت محطة إلقاء اللوم في توصيف الجرح الإقتصادي اليمني الى القول: “إرتفاع الأسعار على مستوى عالمي، إضافةً للكوارث والحروب التي شهدتها المنطقة، كلها عثرات واجهت وتواجه الإقتصاد اليمني “.
أيضاً هناك من تصفهم الدكتورة بالمافيا داخل الوطن، إنهم أولئك الذين يُهرِّبُون السلع الأساسية المدعومة، وبالتالي يلحقون الأذى بالاقتصاد الوطني، لذلك فإن محاربة الفساد من وجهة نظرها أحد الحلول الرئيسة لوقف نزيف الإقتصاد، تقول:” برنامج فخامة الرئيس ممتازجداً لمحاربة الفساد المالي والاداري “، وتضيف:” إذا ذهبت عائدات النفط التي تذهب لدعم السلع إلى زيادة الأجور والمرتبات، يكون أحسن “..
لكن هل يوقف ذلك نزيف الجراح؟ يقول عبدالرزاق مهيوب، وهو مدرس في المرحلة الأساسية:” أيش الفائدة تضاف إلى راتبي خمسة أو عشرة الف ريال بينما الاسعار الى إرتفاع مضاعف، الواقع أنه مع كل إضافة في الراتب وارتفاع في الأسعار راتبي يقل “!
لهذا الكلام مرادفٌ في علم الإقتصاد، تقول الدكتورة رئيس قسم الإقتصاد:” كلما ارتفعت الأسعار، كلما انخفضت قيمة العملة الوطنية “، من هنا تتضح معالم الطريق الى الخلاص:” رفع قيمة العملة الوطنية ” تقول الدكتورة. لكن كيف؟، ليس السؤال دائرة مفرغة، فهي تمتلك الجواب:” تدعيم العملة الوطنية بالعملة الأجنبية عن طريق التصدير للمنتج الوطني، والتصدير أحد موضوعات انضمام اليمن الى منظمة التجارة”.
ومرة أخرى، لكن، الدكتورة لا تراهن في بارقة التصدير على أكثر من شيئين: “الأسماك وبعض المحاصيل الزراعية، كالفواكه والخضروات، والمحاصيل النقدية كالبن والقطن”.
وفيما يشبه إطلاق النيران من بندقية مصوبة تجاه محكومٍ عليهْ، تقول:” طبعاً ما عنديش صناعة في اليمن، لا أستطيع القول أن معي صناعة أغزي بها دول الجوار والعالم، ما يوجد هو صناعات تحويلية، لا تخدم الاقتصاد الوطني، أنا أعتبرها فاشلة، إنها تجلب المواد الخام من الخارج، وكل ما تفعله هنا، إهدار الماء والطاقة، لاحظ ما تحتاجهما البلد، ثم تشبيع الأرض بالمواد الكيماوية وما تتسبب به من أمراض مستوطنة، أما عن تشغيلها للأيدي العاملة، فإن هذه الصناعات لا تستوعب أكثر من 1% من البطالة، وفي الغالب ما يخضع ذلك للمحاباة، وليس على أساس الكفاءة”!!
وتضيف: “إذا استمرت تلك الصناعات بالمنظومة التي هي عليها، ولم تتطور في عملها، وتبدأ تنتج المواد الأولية داخل الوطن فإنه سيقضى عليها في الاقتصاد الحر “.
الحقيقة اننا أمام إخفاقين: إخفاق الدولة وإخفاق السوق. لكن الضحية واحد. أحمد عقلان كان حذراً وهو يقترب من بائع الخضروات:” بكم الكيلو الطماطيس؟”. جاءه الرد قاطعا كالسيف:” 150 ريال “. في مراوغة للإنتباه، راح ينسحب بهدوء، حتى استوقفه سؤالي الذي لاأدري مادفعني اليه: ماذا ستفعل الآن؟ يجيب:” شاترك له حقه واسرح عند غيره”، في هذه الأثناء كان مجلس النواب، يستعد لتحرير أكثر للتجارة، فيما يسمى بقانون التجارة الداخلية، لكن ليس علينا أن نكون أكثر تفاؤلاً من أستاذ الإقتصاد آرثر اوكون: “لا أستطيع أن أرحب بالسوق باكثر من هتافين!!”.
[email protected]