حاشا تهجر الوادي عصافيره – هشام علي السقاف

حاشا تهجر الوادي عصافيره – هشام علي السقاف

(1)
يشذ البعض عن الأغلبية عند اعتبار الوطن اليمني كالجسد الواحد إذا تعافت منه منطقة/ مدينة/ محافظة وانتعشت وصلحت أحوالها تداعت لها بقية المناطق/ الأعضاء بالمباركة والفرح والنشوى.. و لا يعني هذا -قطعا- تعسّف حق كل منطقة ومحافظة ومدينة وجزيرة في امتلاك (العافية) وحصولها عليها من قبل الدولة وعن طريق قدرات واجتهادات أهلها ومسؤوليها.
وفي بلدنا التي ما زالت تحبو فيها المؤسساتية والتخطيط الشامل بفعل عوامل كثيرة، فإن منطق اهتبال الفرص واغتنام (سماحة) القيادة السياسية أو الحكومية والقدرة على إقناعها، صار هو السائد عند تبرير التفاوت بين مناطق  البلد تنمويا لدى العامة، وهؤلاء يرون ذلك واجب المسؤول المحلي حتى و إن اكتفوا أحيانا بالفرجة أو استكانوا لتهميشه وتهويشه.
وهكذا، فإن المسؤول المحلي بهذا المنطق – إن كان منطقا – هو قطب الرحى في عجلة التنمية المحلية ورفع قدرات منطقته البنيوية والترويج لها داخل اليمن وخارجه لجذب المشاريع والاستثمارات وتشغيل أبنائها وإنعاش حراكها اليومي وفرض الوئام والوفاق والسلم الاجتماعي. وعليه وعلى من يختارهم حواليه يوجّه الناس سهام نقدهم و اللوم أو يمطرونه بالإعجاب والثناء ويتذكرونه بالعرفان حتى بعد أن يغادر أو يغادره كرسي السلطة، فلا معنى للتستّر على الإخفاق أو على النكوص بالواجب وراء المجالس المحلية لأسباب عديدة أو مركزية صنعاء، فالمسؤول الناجح أمام مواطنيه هو الذي يدبّر في ظروف اليمن الراهنة طموحاتهم وآمالهم المشروعة.

(2)
من أجمل ما قرأت عن مفهوم (السلطة) ما هو منسوب للملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في مقابلة صحفية مع وكالة (ايتارتاس) الروسية منتصف فبرايرالجاري عندما أجاب: ” السلطة ليست قوة ونفوذا وقرارا مؤثرا فحسب، بل هي
مسؤولية أن تفهم، أن تنشئ علاقة، أن توجد رابطاً بأهلك وشعبك… السلطة هي أن تجسد آمال الرجل العادي في الشارع وتتفهّم رؤى أهل النخبة وتدرك تفاصيل النسيج الاجتماعي لمجتمعكـ”. ويضيف: ” السلطة هي أن تكون كل ما يريده الآخرون منك “.

(3)
خلت قائمة المشاريع المعروضة للاستثمار الخليجي أمام مؤتمر استكشاف فرص الاستثمار في اليمن (في ابريل القادم) التي نشرتها في “السياسية” وكالة أنباء “سبأ” من أي مشروع في وادي حضرموت!!! والقائمة طبعا لم تشمل كل مناطق اليمن، لكن مدعاة التساؤل هنا تأتي من اعتبار الوادي من أهم وأبرز مناطق اليمن السياحية والزراعية بتقويم الخبراء، حيث شبام وتريم والهجرين و دوعن وسيئون التي رفعت فيها كل الفنادق مطلع شهر يناير المنصرم لافتة/ العدد كامل/ أمام المرتادين. وهو الوادي الذي أخصبه الله أرضا وماء وخلق فيه الفلاح/ بافطيم/ الذي استنبت أفضل بذور بصل في العالم العربي تسوّق اليوم باسمه عالميا و أمثاله مولودون مثلما هي الأرض ولاّدة. وتمر بالوادي الطرق البريّة الحديثة التي تربط اليمن بدول الخليج العربية كما تحسّنت فيه بدرجة مقبولة خدمات البنى التحتية!!
هل يصير التساؤل عن خلو (القائمة) معقولا ومشروعا؟ قد يساعد على بلع الإجابة السالبة أن هذا الوادي لم تتحدد له هويّة و لا وظيفة اقتصادية واضحة على خارطة محافظة حضرموت الاستراتيجية!!
فإذا كانت سياحية، فكيف نفسّر الاكتساح العشوائي الرهيب القبيح لمباني وعمارات الاسمنت داخل الأحياء والمدن الطينية القديمة؟ رغم الاعتراضات والمناشدات المحلية والخارجية؟؟
أو متى سنفهم المردود الاقتصادي من استثمار أكثر من مليار ريال في تحديث مطار سيئون (الدولي!!) و توسعته الآن بمليار آخر وهو لا يستقبل سوى خمس رحلات داخلية أسبوعيا ؟
 و إذا ما كانت الوظيفة زراعية فكيف أنها لم تعالج حتى اليوم ملفات التعويضات للمزارعين، بل واستكانت السلطات أمام اعتراض بعض (ملاّك)الأراضي البور سير تنفيذ مشاريع استصلاح أراض جرداء كان من اللازم الاستفادة من قروضها الخارجية لتخضير واستزراع الأرض الشاسعة الخصبة؟ وكيف لم تنجح الدعوات لإعلان حملة وطنية شاملة لمكافحة حشرة دوباس النخيل التي قضت على أهم غطاء نباتي وغذائي لوادي حضرموت؟؟؟
 في مكتب العمل والخدمة بسيئون يفترش أكثر من خمسة آلاف طلب عمل لخريجي الجامعات من أبناء المنطقة ملفات الأرشيف!! و أضعاف هذا الرقم من المؤهلات الدنيا لا يستطيعون الانطلاق نحو المستقبل وبناء الحياة إلاّ بحراك استثماري و اقتصادي جاد يهيّأ لهم من قبل الدولة وسلطتها المحلية تخطيطا و إشرافا بعد أن تحدّد معالم الطريق بوضوح، وتروّج للمنطقة و تسوّق بوظائفها المخلوقة بها ولها.
كما انه من غير المقبول وطنيا أن يهمل المخططون والمدبّرون وحكماء اليمن في مركز الدولة صنعاء منبع ثروة وطنية استراتيجي كوادي حضرموت، إلا إذا شاء المولى أن تصيبه لعنة الصحراء بعد أن ألصقت بتسميته الجديدة منذ عام 1998م والله أعلم وهو من وراء القصد.
[email protected]