هذا بيان للناس حول ما يحدث في صعدة

هذا بيان للناس حول ما يحدث في صعدة

تابعنا بقدر كبير من الاهتمام والمسؤولية مستجدات الأحداث المؤسفة في محافظة صعدة ووقفنا أمام ردود الأفعال المتباينة إزاءها. وقد هالنا أن لا توجد رؤية وطنية واحدة موحدة للتعامل مع ظاهرة الشباب المؤمن أو “ الظاهرة الحوثية” كما يحلو للبعض أن يسميها. فهناك من يرى فيها ورماً سرطانياً و يقترح حلولاً أمنية وعسكرية لاستئصالها قبل أن تستشري و تستطيل. و هناك من يضفي على “ أنصار الحوثي” بعض معاني البطولة معتقداً أن ما يجري هو مجرد مواجهات مسلحة بين قادة عسكريين منفلتين من عقال القانون و مواطنين مظلومين يدافعون عن أنفسهم وعن معتقداتهم و يقترح بالتالي على هؤلاء المواطنين أن يلقوا السلاح و يتحولوا إلى النضال المدني حتى لا يعطوا الدولة حجة للتعامل معهم كمتمردين على الشرعية. و هناك من ذهب إلى حد التشريع المذهبي لهذه الظاهرة تحت مسمى “مقترحات للرئيس لوقف حرب صعدة” ويلاحظ على هذه المقترحات – المنشورة في العدد 715 من صحيفة البلاغ – أنها في شقها العسكري تتعامل مع الدولة المركزية و مع “ أنصار الحوثي” كأنداد و ترفض بالتالي أن تحتكر الدولة استخدام العنف كحق لها وحدها. فهي – على سبيل المثال – تتحدث عن:” وقف جميع أشكال التصعيد بين الطرفين و منع استحداث أية مواقع عسكرية لقوات الجيش, و وقف أية عمليات إطلاق نار، و أن يكون المحافظ مسؤولا عن ذلك المسؤولية الكاملة “. وفي المقابل:”وقف أية عمليات استهداف للجنود من قبل أنصار الحوثي و يكون عبد الملك الحوثي مسؤولا عن ذلك المسؤولية الكاملة”. فالجيش في مقابل أنصار الحوثي، و الحوثي في مقابل المحافظ!!!!
أما في الشق غير العسكري فقد ذهبت تلك المقترحات إلى اعتبار محافظة صعدة منطقة زيدية يجب أن تبقى مغلقة لصالح المذهب الزيدي دون سواه، ربما كحق تاريخي مكتسب. ثم وسعت المقترحات نطاق مطالبها جغرافيا لتشمل جميع المناطق التي آلت إلى الإمام يحيى حميد الدين بموجب “ صلح دعان” و ذلك من خلال حرصها على “ ضرورة منع أي نشاط سلفي في المناطق الزيدية” حتى و لو جاء على شاكلة كتب و مطبوعات. ولرفع” الظلم “ عن المذهب الزيدي لم تنس هذه المقترحات أن تشدد على أهمية إصدار ترخيص بإنشاء “ جامعة لتدريس العلوم الزيدية على غرار جامعة الإيمان السلفية و جامعة الأحقاف الصوفية الشافعية”.
و في السياق نفسه ذهب أحد أقطاب هذه المقترحات إلى حد القول المعلن بوجود “ مؤامرة واضحة على الزيدية و رغبة شديدة عند البعض في القضاء عليهم و على مذهبهم، محذرا من أبعاد داخلية و خارجية لهذه المؤامرة التي وصلت – حسب قوله – إلى محاولة جر “ الأخ الرئيس على هذا المخطط السيئ الرهيب و  لو بقتل أبناء جلدته و أبناء مذهبه و مناصريه، و حتى لا يبقى له أحد يناصره، و يناصر من يأتي بعده، اليوم ولا بعد اليوم”!!!!!
مما تقدم يتضح أننا أمام مخطط مدروس ومتكامل الحلقات يتوزع أصحاب المصلحة فيه الأدوار لفرضه علينا كأمر واقع تتحول معه اليمن إلى ساحة لصراع سياسي في جوهره  مذهبي في شكله. و في مثل هذا الصراع يتحول المذهب إلى وطن يستقطب ولاء الأتباع و الأنصار و المريدين الذين يتسابقون على “ الجهاد” كل لنصرة حقيقة مطلقة لا يراها إلا داخل مذهبه و بواسطته. إنه صراع يجري فيه تطويع الدين لأغراض سياسية واستخدامه كوقود لإحراق الوطن.
إن الوطن نقيض المذهبية، فعندما تحضر المذهبية يغيب الوطن، و عندما يحضر الوطن تتوارى المذهبية. لذلك علينا أن لا ننجر وراء الحلول السهلة التي تستحسن مواجهة المذهبية التي أعلنت “ الخروج “ للقتال بمذهبية مضادة، لها منهج مغاير في “الخروج“. إن الوطن لا يحتمل السير على هذا الطريق و ليس من مصلحة مواطنيه أن يستحضروا حروب الأسر القرشية فيما بينها على السلطة في العصرين الأموي والعباسي، فتلك دول دينية عن حق أو عن باطل، والمعارضة التي وقفت ضدها كانت بالضرورة معارضة دينية- عن حق أو عن باطل، فالكل كان يؤسس شرعيته على الدين و يفسره بالطريقة التي تخدم أغراضه السياسية. و بسبب الصراع على السلطة انقسم المسلمون إلى فرق كثيرة أهمها السنة و الشيعة. و عندما نقرأ التاريخ نرى أن الإسلام وحد العرب و المسلمين و جعل منهم أمة عظيمة، لكنهم عادوا إلى الفرقة و التشرذم والضعف بسبب السياسة المتدثرة بالدين، فهم لم يستطيعوا أن يميزوا بين ما هو من الدين و بين ما هو من السياسة، بين ما هو من عند الله و بين ما هو من عند حكامهم وزعمائهم و فقهائهم، و السبب أن الحكام والزعماء المعارضين لهم كانوا يبحثون في الدين عن سند للسياسة التي تخدم أهدافهم، و أي خروج على سياستهم يعتبرونه خروجا عن الدين. و كان بعض الفقهاء يناصر الحكام و يدعوا إلى طاعتهم ويعتبر الخروج عليهم فتنة، و البعض الآخر ناصر زعماء المعارضة و أفتى لصالحهم وهناك من وقف موقفا وسطا بين هؤلاء و أولئك.
و إذا كان ذلك واقع الحال في الماضي البعيد أيام معاوية و يزيد و الحسن و الحسين، فإننا اليوم – شئنا أم أبينا – نعيش في زمن مختلف انتهى فيه عصر الدولة الدينية بقيام ثورة السادس و العشرين من سبتمبر1962م. و كانت المملكة المتوكلة اليمنية آخر دولة حكمت اليمن على أساس ديني متكئة على المذهب الزيدي الهادوي الذي حصر الإمامة في أبناء علي من فاطمة الزهراء. وكان الأئمة يضفون على أنفسهم ألقاباً توحي بأنهم مختارون من قبل العناية الإلهية ليحكموا في الأرض باسم السماء. و منذ قيام الثورة أصبحت الدولة في اليمن دولة مدنية فلا هي زيدية و لا هي شافعية، و الدستور لا يشير من قريب أو بعيد إلى زيود و شوافع وإنما يتحدث عن مواطنين جميعهم متساوون أمام القانون. و رئيس الدولة مواطن لا تعينه السماء و إنما يختاره الشعب من بين عدة مرشحين، وهو يرمز إلى وحدة الشعب و الأرض و من أولى واجباته أن يصون هذه الوحدة و أن يحافظ عليها مثلما يحافظ على حدقات عيونه. و إذا كان علي عبد الله صالح ينتمي إلى المنطقة الزيدية فهذا أمر لم يختره هو، ثم أنه لا يحكم اليمن بهذه الصفة وليس من حقه حتى مجرد التفكير في هذا الأمر وإلا اعتبر خائناً لمبادئ الثورة و الجمهورية وخارجا على الدستور و يجب محاكمته. أما أنصار علي عبد الله صالح و مناصريه فهم كل اليمنيين الذين صوتوا له في الانتخابات، و معارضوه هم اللذين صوتوا لغيره، و هؤلاء و أولئك موجودون في كل محافظات الجمهورية، وهم جميعا – الأنصار والمعارضون – يعلمون علم اليقين أنه يمني الأصل و المولد و الهوى و بالتالي فهم جميعا – بما في ذلك فيصل بن شملان – أبناء جلدته.
تأسيسا على ما سبق نؤكد أنا ظاهرة أنصار الحوثي “ أو “ الشباب المؤمن “ هي عملية خروج فاضح على الشرعية الدستورية و محاولة سافرة لشق الوحدة الوطنية للبلاد و لكننا في الوقت ذاته نرفض رفضا قاطعاً أي استثمار مذهبي لهذه الفتنة وتحويل المساجد و دور العبادة إلى منابر سياسية يجري فيها استحضار عداوات الماضي للسيطرة على الحاضر و ندعو كل من يريد أن يمارس السياسة و يحشد الأنصار و الأتباع أن يفعل ذلك خارج المسجد و أن لا يخلط بين الدعوة إلى الله والدعوة إلى مشروعه السياسي الخاص. فمعركتنا ليست مع الروافض و لكنها معركة وطن مع أجندة غير وطنية، و الفيصل في ساحة القضايا الوطنية العامة هو الدستور و القانون و ليس المذهب أيا كان مؤسسة وفقيهة.
و في الوقت ذاته ندعو الأحزاب و القوى السياسية خارج السلطة و منظمات المجتمع المدني و قادة الرأي أن يتذكروا أننا نعيش في القرن الواحد و العشرين و نرتبط –شئنا أم أبينا- بحضارة العصر، وإن الدولة المدنية الحديثة وسيلتنا للتعاطي الإيجابي مع الحضارة الإنسانية المعاصرة، وأن الوحدة الوطنية والانتماء على أساس المواطنة من أهم ركائز هذا الدولة المهددة بظاهرة “ أنصار الحوثي”، وإن هذا التهديد سيستمر في حال استسلام السلطة لمطالبهم وتمكينهم من تأسيس حزب سياسي بواجهة دينية. إن المواجهة اليوم هي أيسر بكثير من المواجهة غدا و إلا فعلينا أن نتوقع التردي في قضية الوحدة الوطنية و مؤشرات ذلك بادية للعيان من خلال تحفز السلفيين ضد الإماميين و إصرار هؤلاء على مساواتهم بأولئك، و إذا تم مثل هذا فسيكون على حساب وحدتنا الوطنية، وسوف يدفع أبناؤنا ثمن تهاوننا و نفاقنا و مناكفاتنا و مساوماتنا على القضايا المصيرية.
إن السلطة السياسية معنية بالتعاطي مع الفتنة في صعدة بالطرق التي تراها مناسبة و هذا يندرج في صلب واجباتها الدستورية و القانونية، و ليس من الجائز وطنيا و أخلاقيا التشكيك في الولاء الوطني لقادة الوحدات العسكرية و تصويرهم كتجار حرب يقاتلون تحت رايات سلفية و مذهبية ضيقة. كما ليس من الجائز أن نرفع راية حقوق الإنسان خارج سياقها الحقيقي لمجرد أننا نكره السلطة و نريد أن نشوه صورتها. و ليس هناك حق لنا كشعب و مواطنين يعلو على حقنا في وطن موحد آمن و مستقر.
و لكن بالمقابل على السلطة السياسية أن لا تكتفي في تعاملها مع ما يجري في صعدة بالإجراءات الأمنية و العسكرية بحجة أنها تواجه مخططا أجنبيا. إن تعليق كل شيء على مشجب القوى الأجنبية التي تخترق صفوفنا منهج مريح في التفكير يجنبنا ما لا نطيقه و لا نتحمله و هو أن نعترف بعيوبنا و أخطائنا، و أن الخارج لا ينفذ إلينا إلا من خلال هذه العيوب و هذه الأخطاء. ومن أبرز عيوب السلطة منذ قيام الثورة و حتى الآن أنها لا تملك مشروعا ثقافيا تنويريا حداثيا، و إنها همشت المثقف و لم تقدر أهميته و دورها التنويري،  وتركت الساحة للسياسيين الذين استسهلوا استخدام الدين في السياسة باعتباره أقرب الطرق لكسب الأنصار و الأتباع حتى أصبح الوعاظ والخطباء هم القادة و أصحاب السيادة على الشارع في الشأن السياسي بينما توارى المثقفون و أصحاب الاختصاص في السياسة والاقتصاد و الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع حيث يجري التعامل معهم كما لو كانوا عبئا أو فائضا عن الحاجة و أصبح بمقدور من هب ودب أن يتطاول على حقولهم المعرفية و يفتي في كل شاردة وواردة لمجرد أن له صوتا مسموعا وجمهورا مغلقا يسلم له بكل ما يقول.
و في مناخ كهذا غابت ثقافة الحوار و القبول بالآخر، و هي ثقافة مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، و يجب أن تكون حاضرة في تعاطي السلطة مع الفتنة في صعدة من منطلق التفريق الضروري بين الزعماء و الأنصار. فالأنصار – حتى و إن حملوا السلاح – هم ضحايا مغرر بهم و يجب أن يعاملوا كأبرياء اعتادوا الإيمان المطلق و التصديق و التسليم حتى أصبح لقادتهم عليهم سلطة لا تناقش. و هم (الأنصار) لا يحملون أفكارا مختلفة فحسب و إنما لديهم اسلوب مختلف في التفكير لا يزن الأمور بميزان العقل و المنطق، و أقوال قادتهم تعاليم ثابتة تحفظ عن ظهر قلب و كأنها الكلمة الحاسمة و الأخيرة في كل موضوع.
إن “أنصار الحوثي” أناس يتملكهم إيمان قوي بأنهم يريدون الإصلاح و أنهم وحدهم يملكون طريق الخلاص، وهم في معظمهم تحركهم نوازع خيرة و نوايا طيبة و يحتاجون إلى أسلوباً خاصاً في التعامل من جانب كل من لا يشاطرهم أفكارهم. إنهم في الغالب شباب لم يطلع إلا على وجهة نظر واحدة في الموضوع، و هم بحاجة إلى وجهات نظر مخالفة تسلم بنقاء ضمائرهم و تعرض عليهم بهدوء و تفتح أمامهم آفاقا جديدة للتفكير المستقل لم يكن مسموحا به داخل جماعتهم المغلقة، وأي أسلوب آخر في التعامل معهم لن يزيدهم إلا اقتناعا بمواقفهم و انطواء على أنفسهم. و نحسب أن المثقفين المستنيرين الذين لديهم حظ وافر من الثقافة المنهجية العصرية هم وحدهم القادرون على النهوض بهذه المهمة و على السلطة أن تفسح المجال لهؤلاء للقيام بهذه المهمة النبيلة لأنه إذا لم تحسم هذه المعركة داخل العقول فسوف تعود إلى الاشتعال من جديد و حينها سيكون خطرها على الوطن أعظم.
إننا إذ نقدر أهمية المدخل الأمني العسكري في التعاطي مع المشكلة المثارة فإننا نشدد على أهمية المدخل الثقافي التربوي في المعالجة و نناشد كل القوى الخيرة في اليمن أن تمد يد العون للسلطة لأن المعركة معركة الوطن و ليست معركة السلطة وحدها، و أي معالجة لا تأخذ البعد الوطني العام ستبقى معالجة قاصرة و أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن ترحل المشكلة لتعود من جديد.
و الله من وراء القصد،،،

صادر عن تيار المستقبل
صنعاء 13من فبراير 2007م