عبدالباري طاهر يكتب عن حرية الرأي والتعبير والمعتقد

عبدالباري طاهر يكتب عن حرية الرأي والتعبير والمعتقد

يربط الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بين الثالوث المقدس: الرأي، التعبير، المعتقد. و الأضلاع الثلاثة جوهر الحرية. وقد نص الدستور اليمني على حرية الرأي والتعبير، ونكص عن المعتقد، مما يمثل تراجعا عن جوهر الحرية المنصوص عليها في الإعلان العالمي الذي يلتزم به الدستور اليمني حسب المادة السادسة.
وقد عرفت اليمن في التاريخ الوسيط ما يسمى بحروب الردة، وان كان التاريخ يشير إلى أنها حروب سياسية بسبب الامتناع عن مركزية مورد الزكاة أو اخذ الجباة (جباة الدولة الإسلامية) كرائم أموال الناس، وهو ما نهى عنه الرسول الكريم. قصة الارتداد في حضرموت بعد اخذ المهاجر بن أمية ناقة للأشعث بن قيس، احد قادة التمرد في اليمن. كما شهدت اليمن أيضا حروبا دائمة إما باسم “ الفتوح الإسلامية، وإما باعتبار المناطق الزراعية والخصبة من أهل المذهب الشافعي كفار تأويل كما  فعل المتوكل على الله إسماعيل، احد أهم موحدي اليمن في القرن 17م.
وشن عبد الله بن حمزة ما يشبه حرب الإبادة  ضد المطرفية، وهم فرقة منشقة عن المذهب الزيدي، و معتزلية الاعتقاد. و يشير صاحب “حاشية شرح الإزهار” إلى “ فائدة كان الإمام ص بالله عبد الله بن حمزة والإمام المهدي احمد بن الحسين و المتوكل على الله المطهر بن يحيى وولده و الإمام علي بن محمد عليهم السلام يحكمون فيمن مال إلى سلاطين الجور المخالفين للائمة الحق، انه مرتد، فيقسمون ماله، ويزوجون زوجاته في قصص طوال هذه خلاصتها، انتهى عن خط صارم الدين، و نقل عن الإمام ص بالله القاسم بن محمد وولده م بالله عليهما السلام إنهما فعلا فيمن مال إلى سلاطين الأتراك منهم الفقيه علي الشهاري، والفقيه محمد الرداعي عند ان مالا إلى جعفر باشا انتهى عن خط” (في شرح الإزهار الجزء الرابع الحاشية ص 576 ط وزارة العدل)، في منتصف القرن الماضي اتهم الأحرار اليمنيون و العلماء والادباء و المثقفون المناوئون لحكم حميد الدين اتهموا باختصار القران. وسموا بالعصريين.
واضحت العصرية تحمل معنى “الردة “. و كانت حرب 62  – 68 بين الجمهوريين والملكيين كما لو أنها حرب بين الإيمان – الإمامة، والكفر الممثل في الجمهورية. و هي نفس الدعاوى و الفتاوى في حرب 94 بين الشمال والجنوب. و قبلها بين الجبهتين: الإسلامية والديقراطية في المناطق الوسطى. ومع صعود الإسلام السياسي في السبعينات و الثمانينات قام دعاة إسلاميون بتكفير العديد من الأدباء و المثقفين. ومن المكفرين: هيئة تحرير “اليمن الجديد” التي حكم بكفرها الإسلامي السلفي مقبل هادي الوادعي، الذي توسع في التكفير ليشمل  به كل الطوائف الإسلامية بما في ذلك الاتجاهات السياسية المختلفة، منها:”التجمع اليمني للإصلاح”، وهو إسلامي سياسي قام بعض قادته بتكفير الخصوم السياسيين: وبالأخص الحزب الاشتراكي، و العديد من الأدباء و الكتاب و الناشطات النسائيات (رؤوفه حسن، وامة العليم السوسوة، وغيرهما).
وكانت ذروة المأساة صدور حكم بالردة على الأستاذ الأكاديمي حمود العودي.
والواقع ان مساجد الشمال اليمني في السبعينات و الثمانينات كانت أشبه ما تكون بمحاكم التفتيش ضد التيارات العلمانية و الحداثية. و قام الإسلام السياسي في السعودية برفد الاتجاهات التكفيرية في المنطقة العربية، و البلاد الإسلامية. ولعل كتاب “الحداثة في ميزان الإسلام” لعايض القرني و فتاوى المفتي عبد العزيز بن باز، وخطب عبد المجيد الزنداني وتلاميذه، شواهد فاجعة على هذا التوجه الخطر، شان فتاوى وكتابات: أبو الأعلى المودودي و القاضي حسين احمد. و ما تكفير الزيدية والاثنى عشرية إلا إرث وبيل لهذا الاتجاه القاتل.
و كان مقتل محمود محمد طه و فرج فودة و حسين مروة و مهدي عامل وجار الله عمر وعشرات الأدباء و الصحفيين الجزائريين، من الثمار الكريهة لهذا التوجه. ولا تخرج فتوى الإمام الخميني ضد الروائي الباكستاني الأصل سلمان رشدي عن هذا السياق. وإدانة التكفير تستوجب بالضرورة تجريم التخوين السياسي باعتبارهما وجهان لعملة واحدة. ويؤديان إلى سفك الدم.
ورغم الآيات الواضحة والصريحة الواصلة حد الكثرة فقد وظف التكفير و أحكام الردة وسيِّس للإطاحة بالرقاب. وكانت كل التطبيقات البشعة والشنيعة، ذات أبعاد سياسية و انتقامية، ابتداء من سعيد بن جبير، ثم عبد الله بن المقفع و الحلاج و السهروري و بشار بن برد وعمارة اليمني، وابن حريوة و محمود محمد طه في السودان و نصر حامد أبو زيد في مصر. والفاجع ان “المكفراتيين” أنفسهم قد كفر بعضهم البعض الآخر “ كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله “.
لقد خفت صوت التكفير قليلا بعد أحداث ال 11 من سبتمبر في بعض المدن العربية. ولكنه خفوت ما قبل العاصفة. فدعوات بوش و فريق المحافظين الجدد و التيار المسيحي المتصهين يبعث التعصب الديني في أكثر من قارة و منطقة وأمة. فالتطرف الأكبر من الدولة الأعظم يحيي ويرفد التطرف المضاد.  وما يجري في البلدان الإسلامية و العربية وبالأخص في العراق و فلسطين و أفغانستان و أندونيسيا و إيران ليس إلا حصادا مراً لهذا التوجه الكوني الراعب.
التطرف الأكبر غذى روافد التطرف في مختلف أصقاع الأرض. وإذا كنا قد قرأنا في سطح الإسلام السياسي “ الأخوان المسلمون “ و في إيران تيار الإصلاحيين وفي تركيا حزب الرفاه تبدلات مهمة فان الحرب الاستعمارية في العراق و أفغانستان و التنكيل بالفلسطينيين، والتضييق على المعارضة السياسية في أكثر من منطقة، وحرمان الإسلام السياسي المدني من التعبير عن نفسه، كلها دفعت و تدفع لتقوية عضلات العنف. وتيارات التكفير والتخوين وجز الرقاب بالجملة.
رؤيتنا لنتائج حملة بوش (الإيمانية) لا تحجب عنا رؤية الاستبداد و التطرف الكالح في بيئتنا وواقعنا. فالتطرف الداخلي أو الاستبداد المحلي يمتد عميقا في واقعنا و تربتنا. ولكن العولمة الحربية قد قوته ودفعت به إلى مستويات أكثر عنفا و دموية. ما يجري في العراق من قتل بالجملة يوميا، وتحويل الصراع بين شعب آمن مستقر و متآخ لآلاف السنين إلى صراع طائفي، راجع في جوهره إلى الاحتلال الأمريكي الذي ارتد بالعراق إلى عصور التوحش والهمجية و قوات الاحتلال الأمريكي بالدرجة الأولى و الفرق الطوائفية المسلحة وفرق الموت والقاعدة. و التحاصص الطائفي و الأحزاب الطائفية الموالية للاحتلال مسؤولة عن استمرار إراقة الدم العراقي، وتدمير معلم من معالم الحضارة البشرية، وهي جرائم حرب بكل المعاني.