(210) مادة سامة تملأ سماء الحديدة – م. علي الذبحاني*

(210) مادة سامة تملأ سماء الحديدة – م. علي الذبحاني*

 

قبالة الميناء وعلى بعد غير مناسب من البحر والناس، يتلقى سكان الحديدة جرعات من السموم المتدفقة من مقلب الحديدة نتيجة الحرق المكشوف للمخلفات الصلبة الخطرة وغير الخطرة، دون فرز مسبق لها أو مراعاة للمخاطر الناتجة عن الحرق المكشوف على السكان والبيئة.
حظرت المادة (24) من القانون رقم (26) لسنة 1995 بشأن حماية البيئة، إلغاء أو معالجة أو حرق القمامة أو المخلفات الصلبة إلا في الأماكن المخصصة لذلك بعيداً عن المناطق السكنية والصناعية والزراعية والمجاري المائية. وتحدد اللائحة التنفيذية المواصفات والضوابط والحد الأدنى لبعد الأماكن المخصصة لهذه الأغراض عن تلك المناطق. وأوجبت على الجهات المختصة وخاصة السلطات المحلية الاتفاق مع الهيئة العامة لحماية البيئة بتخصيص أماكن إلقاء أو معالجة أو حرق القمامة والمخلفات الصلبة طبقاً لأحكام هذه المادة. إلا أن ما هو حاصل في أغلب المقالب بالمحافظات مناف تماماً لما نصت عليه المادة، وخصوصاً مقلب الحديدة الذي ونتيجة لبعده غير المناسب عن السكان والبحر والمصانع إضافة إلى حرق المخلفات حرقاً مكشوفاً، فإن ذلك يؤدي إلى إنعدام الرؤية للسفن وخاصة في فترة الليل بسبب الأدخنة الكثيفة ناهيكم عن تلوث الأسماك والمنتجات البحرية بشكل عام وكذلك تلوث الغذاء المنتج من المصانع القريبة من المقلب، والذي بدوره يؤثر على صحة السكان نتيجة لتناولهم تلك المنتجات الملوثة بنواتج الحرق وخاصة مادة الدايكوسين وهي من أخطر نواتج عمليات الحرق وخاصة حرق النفايات الطبية، كما أنه الاسم الشائع لمجموعة من (210) مواد كيميائية ليس لها استعمال تجاري حيث أنها تعد نفايات سامة بحتة تتكون عند حرق النفايات التي تحتوي على البلاستيك (Polyvinul chloride) والتي تشكل نسبة كبيرة من نفايات المستشفيات. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية قبل أحد عشر عاماً أن الدايوكسين مادة سرطانية قاتلة. وأوصت بالحد من معدلات إنبعاثه. كما حظرت تعرض الإنسان لهذه المادة على إعتبار أنه لا توجد نسب مأمونة لانبعاثاتها لخطورتها الشديدة.
كما اعتبرت دراسة قامت بها وكالة حماية البيئة الامريكية محارق النفايات الطبية مصدراً أساسياً للتلوث بالدايوكسين والزئبق ومن أشد ملوثات المخزون الغذائي. لقد ثبت علمياً ونتيجة لمجموعة من الأبحاث التي أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) أن الدايوكسين مادة مسببة للأمراض السرطانية، وتم ربط تأثير الدايوكسين بسرطان الكبد والرئة والمعدة والأنسجة الدقيقة والضامة، بالإضافة إلى الأورام الليمفاوية. كما أن التعرض لنسب صغيرة من هذه المادة يؤدي إلى التأثير على جهاز المناعة وإضعاف قدرته على مقاومة الأمراض، ولها أيضاً تأثير لا يستهان به على التناسل البشري حيث يؤدي الدايكوسين إلى ولادة اطفال يعانون من تشوهات وعاهات خلقية ومشاكل في التعليم؛ فالدايوكسين وبمجرد تحريره في البيئة يظل ثابتاً دون إنهيار، لفترة طويلة جداً من الزمن، ويتوغل في سلاسل الغذاء ويتراكم وعندما يأكل الناس الطعام الملوث بالدايوكسين مثل اللبن والسمك يتراكم في أجسامهم خاصة في الدم وفي الأنسجة الدهنية.

في الخفاء!
مقلب الحديدة والحرق المتعمد الذي يحدث فيه ليس هو الوحيد في اليمن. مقلب مفرق شرعب -تعز، والذي لا يبعد كثيراً عن المصانع وخاصة مصنع السمن والصابون يتم فيه حرق مكشوف ايضاً وبشكل كبير، مؤثراً بذلك على منتجات المصانع وعلى السكان أنفسهم.
مدينة إب الخضراء تعاني هي الأخرى من الحرق المكشوف بدون ضوابط إضافة إلى أن موقع المقلب أصلاً على مدرجات زراعية وتوجد تحته مياه جوفية وهو ما يزيد الأمر سوءاً. هروباً من المسؤولية والمساءلة وتحايلاً علىالناس والبيئة يتم الحرق في تلك المقالب أثناء الليل في فترة غفلة الناس وهو يبدأ عادة الساعة الثانية عشرة ليلاً. ورغم التنبيهات العديدة التي وجهت للمسؤولين عن تلك المقالب إلا أن الحرق ما زال مستمراً وبأسلوب مقصود ضاربين بصحة الإنسان وبالبيئة عرض الحائط.

الطمر الصحي
إن حرق المخلفات الخطرة وغير الخطرة حرقاً مكشوفاً في المقالب لا يعني إختفاء أثر تلك المواد المستغنى عنها وانتهاء دورتها الطبيعية. فمع ما للمخلفات من دور مؤثر سلباً على جمالية البيئة ورونقها فإنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها وعبر مكوناتها العديد من الأمراض والملوثات العاملة على تنشيط أنواع خاصة من البكتيريا وإيجاد الأمراض الإعتيادية والمستعصية. لذا فإنه لا بد من إيقاف عمليات الحرق في تلك المقالب وضرورة فرز المخلفات وخاصة مخلفات المستشفيات لأن حرق النفايات الطبية مصدر أساسي للتلوث بالزئبق الذي يؤدي إلى التسمم العصبي فيضرب الجهاز العصبي المركزي في الصميم، كما يضر بالدماغ والكليتين والرئتين وغيرها. ويجب كذلك استخدام اسلوب الطمر الصحي للمخلفات مع مراعاة توافر شروط معينة لإنجاز عملية الطمر بشكل سليم وآمن ذلك لأن مواقع الطمر، بحسب المختصين، يجب أن تكون خارج التصاميم الأساسية للمدن ويفضل ان تكون في المناطق الصحراوية البعيدة عن المصادر المائية بمسافة (5) كم، على الأقل، وأن لا يقل عمق وجود المياه الجوفية تحتها عن (10) كم وأن تتصف طبيعة التربة بكونها غير مسامية وأن يكون عمق الموقع بين (4-5) أمتار لا سيما إذا كانت النفايات سامة.
أما مواقع الطمر الصحي الخاص بالنفايات المنزلية (البلدية) فيجب أن تقام على بُعد (5) كم عن التصاميم الأساسية للمدن لا سيما إذا كانت الريح تهب على الموقع عادة باتجاه المدينة. ولابد من تجنب المرافق ذات المناسيب الجوفية العالية وفي حالة عدم وجود منخفض طبيعي بهذه المواصفات يمكن استخدام الأراضي غير الصالحة للزراعة بحفر الخنادق ويفضل اختيار المنخفضات ومقالع الرمل والحصى وتجنب الحرق خشية انتشار أوبئة معينة عن طريق الأدخنة.
تشير الإحصائيات النهائية لكميات المخلفات المنزلية الناتجة من محافظات الجمهورية اليمنية إلى أن نسبة وكمية الحرق إضافة إلى الاطلاقات السنوية من الدايوكسينات والفيورانات هي كالتالي: كمية المخلفات سنوياً (950.887.1) طن/سنة. كمية المخلفات الخطرة وغير الخطرة التي يتم حرقها (6162087014) طن/ سنة. الإطلاقات السنوية إلى الهواء من الدايكوسينات والفيورانات (184.8626104) gteq/a.
الاطلاقات السنوية من بقايا الدايوكسينات والفيورانات (270.32855) gteq/a.
رغم أن الإطلاق المسموح من الدايوكسينات والفيورانات والذي حدده برنامج الأمم للبيئة ب(0.001) وهو ما يستدعي القلق الشديد على صحة سكان المحافظات جراء التعامل السيئ مع المخلفات الصلبة في المقالب، وضرورة ايقاف العبث، ومساءلة المسؤولين عن تلك الكارثة البيئية لنضمن صحتنا وصحة أبنائنا.

* مدير وحدة السموم والنفايات الخطرة بالهيئة العامة لحماية البيئة