تحقق مزايا الضريبة العامة على المبيعات مرهونة بشروط – عبدالكريم سلام*

تحقق مزايا الضريبة العامة على المبيعات مرهونة بشروط – عبدالكريم سلام*

ثمة تلازم بين إصلاح النظام الضريبي وبين برنامج الاصلاحات الاقتصادية والمالية التي طبقتها كثير من البلدان بناء على توصيات المؤسسات المالية الدولية. وتعد الضريبة على القيمة المضافة أو ما يطلق عليها الضريبة على المبيعات أهم محاور إصلاحات النظم الضريبية في البلدان التي خضعت لسياسة الاصلاحات وذلك بحجم مساهمة عائداتها في تمويل الخزينة العامة، التي تتراوح ما بين 45٪ في فرنسا و30٪ و35٪ في كل من المغرب وتونس.
على أن اللافت للانتباه أن هذه الضريبة أتت في سياق اقتصادي واجتماعي مختلف عن السياقات التي تميزت بها البلدان الخاضعة لسياسة التقويم الهيكلي. ففي حين جاءت في البلدان المتقدمة نتيجة لتطور النظام الضريبي وتطور المعاملات التجارية، نجد أنها في البلدان التي أذعنت لبرامج الاصلاحات الاقتصادية والمالية المنفذة تحت رعاية البنك الدولي وصندوق النقد لم تكن إلا وسيلة من وسائل تعبئة الموارد لمواجهة تخفيض التعرفة الجمركية التي تشترطها تلك المؤسسات ضمن رؤيتها لسياسة تحرير المبادلات التجارية من جهة ثم تأمين موارد قارة ومنتظمة لمواجهة الالتزامات تجاه الدائنين خاصة بعد انتهاء عمليات إعادة الجدولة والتي تكشف كل المعطيات أن تلك الالتزامات مرشحة إلى الارتفاع خاصة مع تراجع عائدات الصادرات النفطية وبالتالي فإن النتيجة في حالة البلدان التي خضعت لسياسة الاصلاحات الاقتصادية والمالية هي تحقيق عوائد مالية بغض النظر عن حالة الكساد و الركود الاقتصادي التي جاءت كنتيجة من نتائج السياسة الانكماشية التي تسببت بها الاصلاحات الاقتصادية نفسها مما سيجعل من نتائج ذلك ان تكون آثار تطبيق الضريبة العامة على المبيعات آثاراً شديدة الوطأة على النشاط الاقتصادي وعلى المداخيل الحقيقية للأفراد، على عكس المتوخى منها.
فمن الناحية النظرية تهدف الضريبة على المبيعات إلى الحد من التأثير على مداخيل الأفراد خاصة محدودي الدخل باعتبارها ضريبة غير تراكمية اي لا تفرض إلا على القيمة المضافة في كل مراحلة من مراحل البيع وذلك على عكس الضرائب التراكمية على الانتاج والاستهلاك التي كانت تفرض تراكمياً مما يؤثر على المستوى العام لأسعار المستهلك. ولهذا تهدف الضريبة على المبيعات إلى تخفيف الضغط على أسعار المستهلك. هذا من الناحية النظرية، لكن في الحالة اليمنية، فإن تعدد الضرائب وتنوع الجبايات إلى جانب اقرار هذه الضريبة سيأتي بنتائج عكسية لا سيما أن الأداء في مسك الدفاتر المحاسبية لدى الملزمين يحتاج إلى مدة زمنية حتى يتقرر وقف تقاليد متعارف عليه وبالتالي فإن ذلك لن يمنع من تحويل التجار انخفاض مستوى الأسعار الناتج عن عدم تراكم الضريبة إلى فوائد وأرباح لهم.
الأمر الآخر أن هناك ضرائب متعددة وجبايات تقع على عاتق الملزم الضريبي الحقيقي في اليمن مثل رسوم الخدمات والتحسين المضافة إلى فواتير الكهرباء والماء ناهيك عن الاتاوات غير القانونية التي تؤدى لجهات متعددة مما يزيد من معدل الضغط الجبائي مقارنة بتدني قيمة المداخيل الحقيقية وتدني الحد الأدنى المعفي من الدخل. والمفارقة الصارخة التي تكشف ان تقرير لجنة صندوق النقد الدولي في الوقت الذي يقر أن معدل العائدات الضريبية في اليمن من المعدلات المنخفضة في العالم تعرف بصعوبة تحمل أعباء ضريبية لكن التقرير يحذر من مخاطر تراجع النفط وارتفاع خدمات الدين الخارجي بدءاً من العام 2009 وهذا يطرح إشكالاً كبيراً ومفارقة عجيبة في حالة البلدان التي تطبق نظاماً ضريبياً وفق شروط تطورها الخاص عن تلك التي يفرض عليها لمواجهة التزامات نفقات الدين وشحة الموارد النفطية.
الضريبة العامة على المبيعات ترمي إلى الحد من التهرب الضريبي كونها تركن إلى إقرارات موثقة ومستندات وفوترة وفق نظام محاسبي شفاف وبالتالي تقل فرص التهرب والتملص الضريبي ويتراجع دور المأمور الضريبي أمام تلك الوثائق والمستندات لكن بالنظر إلى الصلاحيات التي خولها القانون للمأمور الضريبي والإدارة الضريبية في التحقق من المستندات والفحص المكاني للوثائق لن يحول دون ابتداع أساليب متطورة خاصة منها ما يتعلق بالحياد عند عملية الخصم حيث لا تتم عملية الخصم إلا بعد بيع المشتريات، وكيفية التحقق منها لا يمكن ان تتم إلا بعد فحص مستنداتها مما يضاعف من تحملات التنسيق الضريبي على المبيعات وهذه المشكلة تعاني منها كل النظم الضريبية التي طبقت هذه الضريبية.
ومن المزايا الضريبية لهذه الضريبة انها تساعد على تنشيط الاستمارات نتيجة لتراكم العوائد الضريبية لدى المكلف القانوني بها وهذا يتيح له وجود سيولة من المستحقات الواجب أداؤها إلى الخزينة، والتي يستقطعها عن عمليات البيع التي يقوم بها، ما يمكنه من اداء التزاماته تجاه الغير دون ان يترتب على تلك السيولة التي لديه أي فوائد للخزينة العامة وهذا ما يوجب على الشركات والمؤسسات الكبرى ان تكون أكثر حماساً لهذه الضريبة مقارنة بالأقل نشاطاً منها ليس فقط لذلك السبب وإنما لما تنطوي عليه من عملية خصم بموجبها تُسترد التكاليف المدخلة على شراء معدات وآلات الانتاج وهذه الميزة أيضاً تنعش الاستثمار طالما وهناك استرداد لجزء من تكاليف الانتاج.
على هذا الأساس يبدو أن ثمة مزايا وحوافز للضريبة العامة علىالمبيعات لما تتسم به من مرونة ويسر ولما يمكن أن تحققه من عوائد للخزينة العامة. وربما أن مواقف الملزم الضريبي الذي سيلقى عليه عبء هذه الضريبية قد تحلحلت عما كانت عليه. فيما تظل المخاوف قائمة عند استحضار الملزم لمساوئ الادارة وضعف الحماية القضائية في مواجهة شطط الادارة علاوة على تنوع وتعدد الرسوم والضرائب المشار إليها آنفاً مما يجعل المطالبة بتنقية واصلاح التشريعات والنظام الضريبي أمراً مفهوماً ومقبولاً لا ينبغي مواجهته باللامبالاة وعدم الاكتراث وبالتالي لا يمكن التضحية بالعدالة الضريبية من اجل مواجهة الالتزامات المالية تجاه الدائنين.

* باحث في المالية العامة والمنازعات الضريبية