عمرو حمزاوي لـ«النداء»:(2-2) الحركات الإسلامية تختبئ وراء مساحات رمادية كيلا تخسر قدرتها على التعبئة

عمرو حمزاوي لـ«النداء»:(2-2) الحركات الإسلامية تختبئ وراء مساحات رمادية كيلا تخسر قدرتها على التعبئة

* النظم السلطوية تنفق بسخاء على المؤسسة العسكرية الأمنية لفصلها عن زخم الحياة السياسية
 
 

في الجزء الأول من هذا الحوار تحدث عمرو حمزاوي كبير الباحثين في معهد كاريني للسلام، عن مقاربات النظم العربية للالتفاف على المطلب الديمقراطي. مميزاً النمط المصري (المؤسسي) والسوري (المغلق) عن النمط السلطوي اليمني الذي يتيح بسبب ضعف الدولة والتعدد القبلي مساحات أوسع للنخب المعارضة. كما تطرق إلى تحالف اللقاء المشترك الذي قدَّم السياسي على الايديولوجي وسمح بتوسيع مساحة السياسة في مسار التحول الديمقراطي في اليمن الذي قال إنه واصل اتجاهه الصاعد.
وفي هذا الجزء، الثاني والأخير، يناقش حمزاوي دور الحركات الإسلامية في العالم العربي، والتحولات التي عاشتها، والتحديات التي تجابهها في بيئات سياسية غير مواتية، خلاف الحالة التركية. وإذ يلفت إلى كثرة المساحات الرمادية في خطاب الإسلاميين حيال مسائل متعلقة بالحريات والمرأة والأقليات، يعزو ذلك إلى الظروف غير الطبيعية التي يعيشها المجتمع العربي، وإلى عدم مبادرة النخب الحاكمة والمعارضة إلى الضغط على الإسلاميين من أجل مساعدتهم على التقدم في هذا المجال.
ويتطرق عمرو حمزاوي في هذا الحوار الثري والمعمق إلى الانتخابات العامة التي أجريت في دول عربية خلال العامين الأخيرين، والخطر المترتب عن قوطبة الحياة السياسية بين سلط قمعية وحركات إٍسلامية.
 
 
– حوار: نبيل الصوفي

[email protected]

 
 
* هناك من يرى أن الأحزاب الإسلامية ككل الأحزاب العربية الأيديولوجية التي جاءت على حساب نواة ليبرالية قديمة، الفكرة عندها أهم من الناخب، الناخب ليس عليه إلا أن يحمي هذه الفكرة أو يذهب أدراج الرياح. هل مثل هذه الأحزاب مؤهلة فعلاً لحماية الديمقراطية أم أنها مجرد مشروع قمعي آخر وإنْ جاء عبر الناخبين هذه المرة وليس عبر الدبابة؟
– أعتقد أنه من الظلم ومن باب عدم الاعتراف بالشواهد الفعلية لممارسات الإسلاميين أن نصوغ السؤال بهذه الصورة.
* لماذا؟
– لأن الحركات الإسلامية على امتداد العالم العربي، وبصياغات مختلفة من الحزب الممنوع إلى الجماعة المحظورة إلى الجمعية السياسية، حينما شاركت في الساحة السياسية، سواء على مستوى قومي أم على مستوى محلي أم على مستوى القطاعات النقابية، لم تنقلب في أية مرة من المرات على الآلية الديمقراطية، بل على العكس وبحكم التجارب فإن هذه الأحزاب -وهذا حكم على الممارسات- منذ الثمانينات وحتى الآن وهي تدخل وتخرج من البرلمان وحتى النقابات عبر الصوت الانتخابي. شاركت في الحكومة وخرجت في الأردن والجزائر واليمن، ولم تنقلب في أي لحظة من اللحظات على آليات الديمقراطية، ولم يصدر منها أو عنها أي محاولة لتضييق الفعل الديمقراطي. على العكس فإن تضييق المساحات حدث من النخب الحاكمة ولم يحدث من الحركات الإسلامية.
* السؤال ليس عن الانقلاب على الديمقراطية الانتخابية، وإنما استخدام الديمقراطية لتقييد خيارات المجتمع، ومكافحة التعددية المذهبية والفكرية والدينية، بحكم أن هذا هو خيار الأغلبية، بمعنى مكافحة الأقلية مما يعيدنا إلى القطب الواحد والفاعل الواحد؟
– لا شك أن الحركات الإسلامية تضع تحديات على مشروع التحول الديمقراطي في العالم العربي: أولها أننا أمام بيئات سياسية لم تنضج بعد، لأنك في البيئة السياسية ذات الطابع القطبي الثنائي -نخب حاكمة وأحزاب إسلامية قوية وما بينهما ضعيف ولا يعبئ ولا يحشد- تكون في وضع غاية الخطورة، لماذا؟ لأنه هنا نظرياً لأي طرف من الطرفين أن يستأثر ويهيمن عن طريق صندوق الانتخابات أو عن طريق القمع.
المسألة الثانية متعلقة بغياب الوسطاء أو المابين القطبين، الذين يضطلعون بدور دفع النخب الحاكمة ودفع الحركات الإسلامية لمزيد من الالتزام بالآليات الديمقراطية وتعميق مساحات فعلها.
الحركات الإسلامية تطورت كثيراً على امتداد العالم العربي بحكم تجاربها، وإن كان لنا أن نضع مقولة عنها فهي أنه من الأفضل أن يجلس الإسلاميون، أحزاباً وحركات وبأي صيغة من الصيغ، في المساحة السياسية العلنية من أن يقفوا خارجها، لماذا؟ لأن هذه المشاركة تجعلهم دائما في مواجهة أسئلة من مصلحتنا أن يفكروا بها. فهي أسئلة تعمل في حقيقة الأمر على التواصل ما بين الأيديولوجي والبراجماتي. وأنت كحركة سياسية لك إطار أيديولوجي تستطيع أن تنظر لإمكانية وجدوى الالتزام به طالما تتحدث من الخارج. ولكن حين تخوض الميدان السياسي سيكون عليك أن تخوض اختبارات عن مدى قدرة مقولاتك على الصمود وتقديم حلول للمجتمع. أقلها أنك ستواجه تعدداً يتحدث عن ذات الأيديولوجية الإسلامية، فكيف ستتصرف معه؟
خلاصة القول إن الحركات الإسلامية عبر المشاركة السياسية ستتمكن من مواجهة أسئلة شديدة الأهمية فيما يتعلق بالبراجماتية والأيديولوجيا، وفيما يتعلق بالمستقبل: هل هي حركة اجتماعية دينية أم حزب سياسي في الأساس؟ وأسئلة متعلقة بتعدد الأحزاب الإسلامية، وأسئلة متعلقة بكيفية إدارة العملية السياسية، وأن تكون يوميا في مواجهة قواعدها الشعبية وبصورة واضحة، والحاجة للحديث عن الأداء الفني لأن الأيدلوجيات تحتمي كثيراً بالخطاب غير السياسي، وبعدم المشاركة السياسية. أما بالمشاركة فحتى أتباع الأيديولوجيات يصبحون بحاجة لحلول عملية وليس لمجرد مقولات عامة.
* هل على المجتمع العربي والإسلامي أن يكون ميدانا لتدرب القوى السياسية عليه، وعقلنتها واعتدالها؟ ثم إننا خضنا تجارب حاكمة لم تقد للاعتدال، بل أضاعت بها الأحزاب دولا وشعوبا حكمتها؟!
– حين نقول إن المشاركة السياسية أفضل، فهذا لا يعني أن المشاركة ستؤدي حتماً إلى الاعتدال، بل هي تضع عدداً من الأسئلة، وهذا ضمانة لتعدد الإيجابيات. من الإيجابيات ما سيذهب بالحركات إلى مزيد من البراجماتية، ومنها ما سيذهب بها في الاتجاهات العكسية. لكن نحن لسنا في سعة من أمرنا لننتقي الحلول، نحن نتلمس طرقا للخروج من الراهن المأزوم، والأهم أننا نتحدث عن كل هذا في سياق ملتزم بالانفتاح السياسي وليس بالعودة إلى ما قبل هذا الانفتاح، علما بأن اختلاف توقعات المواطن العربي لم تعد في صالح أي محاولة لتغليب الأيديولوجيا على حساب مصالح الناس الذين هم بحاجة لحل مشكلاتهم اليومية. كما أن قضية الحرية أصبحت جزءاً من أمنيات المواطن البسيط ولغته، وقد اعتادت مساحات النقاش العام على تعددية الآراء، وهذه هي عبقرية ما حدث في السنوات الماضية، فتوقعاته لا تذهب باتجاه إخفاء هذه التعددية أو إقصائها، بل تعميقها أو الحفاظ عليها كما هي.
ومع أننا نتحدث عن عمليات سياسية وانتخابات، فإننا أمام معضلة كبرى تتعلق بغياب أغلبيات المجتمعات العربية عن الساحة السياسية. نحن لا نرى في المعترك السياسي والانتخابي سوى اقل من 20%، ومن هنا فإن علينا التفكير في ضمانات. ولكن للأمانة هذه الضمانات مطلوبة من مجموعة الفاعلين الآخرين، وربما علينا أن نخشى النخب أكثر مما نخشى الإسلاميين، ربما علينا أن نخشى الليبراليين واليساريين أكثر مما نخشى الإسلاميين، لأن الليبراليين واليساريين تكلسوا وتجمدوا عند مستوى السبعينيات وخطاباتها الإقصائية.
* دعني أعيد صياغة المخاوف من الإسلاميين. أسألك كباحث متتبع للعمل الإسلامي: باستثناء تجربة تركيا ما هي الأجندة التي يمكن القول إنها للإسلاميين لحماية الديمقراطية من التحديات الاجتماعية؟
– أولا أتفق معك بشأن تميز تجربة العدالة التركي. إسلامية التجربة التركية ليست هي العامل الوحيد للتغيير. حزب العدالة والتنمية التركي جاء إلى الحكم كنتاج لعملية تحول ديمقراطي طويلة وشديدة التعقيد وشديدة التقلب أسهم في دفعها إلى الأمام قوى إسلامية وقوى غير إسلامية، كما أنه جاء إلى بيئة سياسية كانت قد تشربت الديمقراطية واستقرت فيها معالمها. وهذا عكس الحالات العربية فإن الحالات التي تمارس فيها الحركات الإسلامية أدواراً سياسية فإنها لم تتخط ساحة أو مستوى الفعل المعارض أو المشاركة في الحكم كشريك صغير، هي لم تأخذ زمام المبادرة.
وهنا علينا أن لا ننسى ضعف المؤسسات التي يشارك في سياقاتها الإسلاميون، فهم يشاركون بالأساس في البرلمانات، والبرلمانات العربية ضعيفة. في العالم العربي (العرب) أمام ظاهرة طغيان السلطة التنفيذية، وهي الفاعل داخل مؤسسات الدولة، حتى يمكنك القول بأن كيان الدولة هو السلطة التنفيذية وليس غيرها.
الإسلاميون بوابتهم هي المشاركة التشريعية، والبرلمانات ضعيفة. عليك أن تقيم بموضوعية ما هو المتاح لهم. هناك تحديات كبيرة حقيقية أمام الإسلاميين، علينا أن نتفهمها بانتظار اكتمال دورة التحول. أمامهم مساحة كبيرة من التوافق بين مصالح حركتهم وانتظامها وتماسكها التنظيمي وبين المصلحة العامة. وفي كثير من الأحيان لا يستطيعون أن يغامروا بمواجهة مع الدولة لاحتمالية قمعها حتى وإن كانوا يظنون أن القواعد الشعبية معهم، لأنهم يخشون على تماسك تنظيمهم، فهم (يتحركون) في ظروف تُقرر أن من يدخل في مواجهة مع الدولة يخسر، فالبيئة السياسية تضع تحديات كثيرة تقلل من فاعلية الحركات الإسلامية، لكني أعتقد في المجمل أن وجودها في الساحة السياسية العربية إيجابي.
* ماذا بشأن القضية الأولى للحرية والتي تغيب في خضم السعي الحريص على توزيع القوة داخل المجتمع السياسي العربي، وهي حرية الفرد، وبخاصة المرأة، كيف تتوقع علاقتها بأجندة الحركات الإسلامية؟
– من أرضية ملاحظة أن دور الحركات الإسلامية إيجابي، فإننا حين نخرج عن ساحة الفعل السياسي المباشر وننظر إلى المجتمع ككل وانعكاسات السياسة عليه فإن هناك مساحات رمادية كثيرة تتعلق بمسألة الحريات الفردية ومسألة المرأة ومسألة الأقليات أو المجموعات الدينية والعرقية المختلفة. هناك مساحات كبيرة من الغموض، ولكن أنا أعتقد أن الإسلاميين لا يمكن أن يهمشوا أو يتجاوبوا مع مساحات الغموض هذه إن لم تتح لهم فرص أكبر للمشاركة.
كما أن من المقبول، في ظل الظروف غير الطبيعية التي يعيشها المجتمع السياسي العربي، أن تكون القوى السياسية على درجة من الغموض، فأحيانا تقتضي مصالحك، في التعبئة والتحفيز، أن تختبئ وراء مساحات رمادية. وفي المقابل إنْ لم أواجهك كنخبة حاكمة أو كرأي عام أو كأحزاب بأسئلة وأضغط عليك لتوضيحها لن تتحرك. الأمر الآخر أنه كلما زاد حضورك في الساحة السياسية تعاملت بجدية وبإيجابية مع القضايا.
العدالة والتنمية المغربي لا يتحدث عن تطبيق الشريعة، بل عن حكم القانون، يلتزم بمفردات العملية الديمقراطية المحدودة في المغرب حتى وإنْ كانت هذه الديمقراطية تتناقض مع رؤاه وتصوراته. يلتزم بمدونة الأسرة وهي ليست دائرة حول الإطار الإسلامي بالأساس. الحركة الدستورية الإسلامية الكويتة وغيرها من الإسلاميين، عارضوا منح المرأة حق التصويت وعندما أصدر البرلمان قراره لم ينقلبوا عليه.
* لنخرج من دائرة الإسلاميين، ولنبحث عن دور المؤسسات غير السياسية، فالديمقراطية العربية مضروبة لأنها مجرد سلاح سياسي، وليست خياراً اجتماعياً ثقافياً. المؤسسات الأخرى لا تعمل لها. لذلك الأحزاب تقوم بمهمات الجامعات والأبحاث والروضة والمدرسة.. كيف يمكن تنشيط هذه المؤسسات غير السياسية لتقوم بما يجب؟
– هذه قضية في غاية الصعوبة لأن المحددات والقضايا الاجتماعية تلعب أدواراً رئيسية. أنت أمام مجتمعات فقيرة، مؤشرات أدائها الاقتصادي والاجتماعي ضعيفة للغاية، نسب الأمية عالية، وكذلك البطالة. أنظر الحالات الأكثر تقدماً في مجال التعددية السياسية وتحرك من المغرب إلى مصر إلى الأردن إلى اليمن، البلدان الأربعة فقيرة والمشاكل كثيرة، فالمحددات الاقتصادية والاجتماعية تضع هنا حدوداً على هذه الإمكانيات. ولكن ما الذي يمكن أن نقوم به؟ أعتقد أن هناك مسؤولية على مجموعتين من الفاعلين: المجموعة الأولى من نسميهم فاعلي المجتمع المدني من ليبراليين وإسلاميين ويساريين، هؤلاء الموجودون في المساحة الوسطية، هذه حركات ليست جماهيرية بحكم التعريف، هي حركات إنتاج نقاش عام حول الديمقراطية، هي في هذا الدور لم تنتج نقاشاً عاماً حول الديمقراطية، وإنتاج النقاش العام هذا يستغرق وقتاً. مجتمع مثل المجتمع الألماني استغرق أكثر من عشر سنوات في مناقشة كيف يمكن إصلاح دولة الرفاه حتى بدأت في إصلاحها، وهذا في مجتمع استقرت فيه الديمقراطيات فما بالك بمجتمعاتنا. عليك أن تنتج نقاشاً عاماً جريئاً حول أهمية الديمقراطية وقيمها الرئيسية وأنها الخيار الوحيد لصناعة التوافق، وأن تنتج خطاباً بمفردات مختلفة ليبرالية ويسارية وإسلامية. نحن أخفقنا في ذلك. كما أن هناك إخفاقاً إضافياً يتمثل في أنه ليس لدينا أي نموذج يصلح كمثال يتحدث عن الديمقراطية ويلتزم بها. هذه المنظمات شديدة السلطوية شديدة الشخصنة، هي تتحدث عن الديمقراطية ولا تمارسها في داخلها.
والأمر الآخر نحن بحاجة لتعميق خيارنا الإستراتيجي باتجاه الديمقراطية عبر الحديث عن أنسنة السياسة العربية، لماذا الديمقراطية هامة؟ ليست هامة فقط في مسألة تداول السلطة وحكم القانون، وتوازن السلطات وغيرها، ولكن لأنها النظام الأكثر إنسانية، الديمقراطية ضد القمع والعنف، وهي أيضا لا تسمح بالفروقات الشاسعة بين الغني والفقير. أنسنة السياسة تعني المزيد من الحريات، ومن التسامح، ومن التعددية، وغياب احتكار الحقيقة، وتعني أيضاً مشروعاً اجتماعياً.
* راقبت الانتخابات اليمنية الأخيرة، هل الانتخابات في العالم العربي تحقق الهدف الطبيعي لها كعملية إجرائية أم أنها تحولت وسيلة لإقلاق المجتمع ولإرباك أجندته؟
– الانتخابات، رغم أوجه القصور المختلفة، تقدم أمرين على درجة عالية من الأهمية: الأمر الأول هو أنها السبيل الوحيد لإقناع المواطن أن هذا الحراك في السياسة يسمح له بالمشاركة، هي الآلية الوحيدة للخروج إلى الشارع. الأمر الثاني، أنها تنتج خلخلة خارج التوقعات فتعلي من شأن الصوت الانتخابي وتتطلب جهدا كبيرا للحصول عليه، أنت تتوقع شيئاً ويأتي لك شيء آخر. هذا قانون حاكم للانتخابات مهما كانت الخروقات والمخالفات، إلا عندما تفرغ الانتخابات تماماً من مضامينها، كما حدث في تجربة الإمارات حيث يختار الحاكم المحكوم، بدلاً من أن يختار المحكوم الحاكم، هذه ليست انتخابات، الحاكم يختار قوائم من المواطنين لهم حق الانتخاب. يقول الحاكم للمحكوم إني سمحت لك اليوم أن تذهب إلى صندوق الاقتراع لتفكر فيما أقدمه لك، هذا تفريغ للانتخابات من مضمونها. لكن عندما نتحدث عن اليمن، صحيح أن هناك تجاوزات كما في المغرب والأردن والكويت، ولكن الانتخابات تعيد السياسة إلى الميدان الشعبي.
* لدي نقطتان: الأولى عن الناخب الذي يأتي مخفوراً، وليس باختياره، مرة من أجل الدين وأخرى من أجل العصبية القبلية وليس لخيار سياسي. الأخرى في موضوع الإمارات هو العلاقة الملتبسة بين التنمية والديمقراطية في العالم العربي؟
– مسألة أن الناخب يأتي ملصقا بخيارات ما دون المواطنة المدنية، كالخيارات العرقية أو دينية، فهذه تركيبة مجتمعاتنا، وهذه الحالة التي أوصلتنا إليها النظم السلطوية. نحن مواطنون ضعفاء، لأن هذه الدولة دولة قمعية ولم تحمنا، فعدنا إلى الولاءات الأولية، أنا أحتمي بالقبيلة، أحتمي بالعشيرة، أحتمي بعرقي، أحتمي بطائفتي.
فعندما يذهب الناخب ويختار، لا يختار لمواطنة مدنية، ولكن يختار لولاء شيعي أو ولاء سني أو ولاء كردي، يعني ولاءً عرقياً، طائفياً، دينياً، فهذا أمر مشروع وعلينا أن نفهم أنه السبيل الوحيد لمحاولة صناعة توافق مدني من خلال التفاوض والحوار.
وبالنسبة للقوى السياسية، فحتى لو أن هناك من يستخدم هذه الخيارات أن يكون هدفه تطويرها، فالذي يبحث عن ديمقراطية لا يتجاوز أهواء الشارع، وانحيازاته، ولكن لا يستغلها فقط، بل يرشدها أيضاً، ويعالج خللها.
القضية الثانية: ليس علينا أن نتحدث عن إما تنمية أو ديمقراطية، فالديمقراطية هي مدخل، بل ومورد، للتحسن الاقتصادي. السلطوية هي التي تقضي على النجاح الاقتصادي.
* يمكن إذ قارنا بين الكويت والإمارات يخسر الانفتاح السياسي كأحد موارد التنمية، حيث أن فاعلية البرلمان الكويتي لم تستطع أن تشارك في القضايا الكبرى، التي لا تريد السلطة التنفيذية أن يشارك فيها لكنه عرقل كثيرا من قضايا التنمية؟
– لا، هذا غير صحيح. الانفتاح السياسي في الكويت لم يؤثر بالسلب على التجربة الاقتصادية، بل إن مسائل المحاسبة والشفافية ومسؤولية الحاكم ومكافحة الفساد تتقدم بصورة رائعة. نحن لا نخسر اقتصادياً أو اجتماعياً بتبنينا خياراً ديمقراطياً، شريطة أن يكون لهذه الديمقراطية معنى ومضمون.
* نقطتي الأخيرة عن المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي بحثت أنت حولها. هذه المؤسسة هي وريثة الثورة العربية، وريثة حماية السيادة والمواطنة والوطنية وغيرها، كيف يمكن إقامة شراكة مع هذه المؤسسات لتقوية الديمقراطية، خاصة وأن الخطاب المعارض يتعاطى معها في المقابل بخطاب غير واقعي؟
– طبعاً هذا أمر في غاية الصعوبة. النخب العربية، نخب الاستقلال، نخب الدولة الحديثة، الدولة العربية الحديثة بدأت مشروعات تحرر وطني، مشروعات اجتماعية مختلفة من مصر والسعودية إلى تونس إلى المغرب وما إلى ذلك، جمهوريات وملكيات، ولكنها في النهاية أختُزلت إلى مؤسسة أمنية أو في نخب لها امتدادات مؤسسية ولكن يغيب عنها المشروع الاجتماعي، وهنا أو هناك المؤسسة الأمنية لها دور أساسي في إدارة الحالة السياسية وضمان بقاء الحاكم في السلطة. ولذا حتى رغم ما قلته سابقا عن طغيان السلطة التنفيذية على مؤسسات الدولة التي ألغت تقريبا دورها السياسي، فإننا سنكون هنا أمام طغيان الدور الأمني داخل المؤسسة التنفيذية.
* كيف لنا أن نتعامل مع ذلك؟ وأنا أتحدث عن إدانة هذه المؤسسات فقط؟
– علينا، كقوى سياسية معارضة وكمجتمع مدني أن نعمل على إنتاج خطاب يركز على أهمية ولاء المؤسسة الأمنية والعسكرية للصالح العام، للنظام العام، هم لديهم هذه الأوراق، هم يعرفون المؤسسات العربية عندما تدرب أبناءها تتحدث عن النظام العام، وفي النهاية فهذا النظام هو علي عبد الله صالح وحسني مبارك.
الأمر الثاني: يجب منع إبعاد المؤسسة العسكرية والأمنية عن زخم الحياة السياسية. هذه لعبة النظم السلطوية: تفصل باستمرار ما بين المجتمع وبين المؤسسة العسكرية والأمنية. هي حتى تنفق عليها بصورة شديدة السخاء حتى تفصل بين دينامية المجتمع بهمومه وبين المؤسسة العسكرية والأمنية.
الأمر الآخر لا بد من خوض حوار مع النخب الحاكمة لتنفيذ برامج توعية فيما يتعلق بما يسمى إصلاح القطاعات العسكرية والأمنية لحماية الإنجازات الوطنية الكبرى. وفي المقابل لا بد من التعامل مع رؤى هذه المؤسسات بواقعية، فمثلا حين تتحدث هذه المؤسسة عن رفضها اللجوء للشارع والتظاهر، وغيرها من الأجندات غير الديمقراطية لا بد من خوض حوار يقدر لها دورها ويصل إلى تحالفات مشتركة يخفف من التوترات الحقيقية. كما لا بد من التعاطي المسؤول مع مخاوف هذه المؤسسة، فنحن نعرف أنه كلما زادت فاعلية السياسي قلت سطوة الأمني، لكن لا بد من لفت انتباه هذه المؤسسة إلى أن السياسي هو مفتاح حل المشكلات وأن تحسين الظروف العامة يقتضي التقليل من الحلول الأمنية، وهذا يعني أيضا التخفيف من الضغوط عليها.
* ترى لمن الأولوية؟
– تختلف من مجتمع إلى آخر، أنت تبحث عن مفاصل البدء، وهذه تختلف من مجتمع إلى آخر وفقاً لديناميتها، ربما أن الحالة اليمنية تقول لنا إن عليك الاعتماد على السياسي، وتقاطعات السياسي والقبلي. الحالة المصرية مختلفة ربما كان عليك أن تركز في مسألة دور المركب الأمني. رغم ذلك هناك مسؤولية عامة متعلقة بالمجتمع المدني بطوائفه، متعلقة بالمثقفين والمفكرين وبالإعلام، في إنتاج نقاش عام حقيقي، حول مفردات الديمقراطية.