هل أفسد الاعتياد على «دم» العراقي، تعاطفنا مع حزنه؟! – ماجد المذحجي

هل أفسد الاعتياد على «دم» العراقي، تعاطفنا مع حزنه؟! – ماجد المذحجي

* إلى صديقي الدكتور حاتم الصكر
لا شيء يُنجي العراقي من هذا الألم سوى صبره عليه!….

يُفسد تكرار عرض الدم الانفعال به، فهو يتحول إلى اعتياد غير مؤذ، والاستجابة له في أكثر الأحوال، تنحو نحو الإحالة السياسية التفسيرية لجذر الفعل الدموي في معرض نقاش عابر، أو التفصيل الإحصائي لعدد الذين بذلوا دمهم في انفجار انتحاري، أو عملية ” مقاومة ” مفترضة، لتعزيز رأي، أو لتفجع سريع نُبرئ فيه ” ضميرنا ” من تأنيب الصمت، والحياد في الانفعال!. وهي استجابة متخففة في الغالب من حضور الانفعال الإنساني، ويعزز هذا ” البرود ” فيها، ” القصقصة ” النشطة للرعب الحقيقي في الصورة العراقية المعروضة، والتي تقدمها القنوات الإخبارية، بعد أن ” تُفلتر ” فيها مشهد الجثث المشوهة، كي لا نتأذى من النظر لها، ونكتفي فقط بسرد أرقامها، ضمن استعراض سريع، ومحايد، بشكل مؤلم!.
هذا المسرح العريض للدم في العراق لم يرتب تأنيباً ذا اثراً، أو ينتج تعاطفاً له تعبير واضح، أو يحرض تفكيراً في منحى نقدي متحرر من العصبية، بل وفر فقط مُعطى إضافياً للنزاع، وفرصة للفرز السياسي، والتصنيف الوطني والمذهبي، نتبادل التوظيف له، واستخدامه، من مواقع مختلفة ( ضد صدام الديكتاتور والدموي، وضد طريقة إعدامه الطائفية المتشفية، أو مع سلوكه كحاكم، ومنافحين عن قيمته كشهيد وبطل!. ضد التحريض على الشيعة، وخارج الاصطفاف الطائفي، أو في صف ” تكفيرهم ” و ” شيطنتهم ” وكشف ” صفويتهم “!. مع الحل الأمريكي في العراق بعد أن أغلقت الديكتاتورية خيارات التغيير من الداخل، أو ضدها لاعتبارات وطنية، أو قومية، أو للكلفة العالية التي ترتبها هذه الشاكلة من الحلول.. الخ ). وهو فعل نمارسه باسترخاء، وتبسط، غير ملتفتين أبداً للكلفة الإنسانية التي تُدفع بفداحة هناك، منخرطين على الأغلب في تشجيع ” أعمى ” لأطراف النزاع. وهو تشجيع يتغذى لدينا على بلاغه متورمة، وتحريضية، نافية للاخر بشكل مطلق، نؤكد فيها على ضرورة انتصار الطرف الذي نقف خلفه، لكي نحمي اطمئناننا لـ”صوابية” هويتنا الوطنية والمذهبية، و” خيريتها ” المطلقة!. وهو الانتصار الذي ستكفله بالضرورة – حتى إن طال الزمن، وتضاعف الثمن-  الوعود التي تستبطنها أساطيرنا القومية والوطنية، والصواب المطلق لحقيقتنا المذهبية الدينية – المؤيدة بالضرورة من السماء – في مواجهة الأخر ” المشيطن “، والفاسد مذهبياً، وأخلاقياً، ووطنياً!.
اسرد هذا ” الامتعاض ” الذاتي، والذي يأخذ شكل ” تفجع ” غبي في الكثير منه، ربما لتنشيط هذا التأنيب الضامر، وخلق تحريض على البدء بممارسته، تجاه حيادنا الأخلاقي المقرف، الذي نقابل به هذه ” الوفرة ” المراقة من الدم العراقي، وهذا السلب الضاري لأمان الإنسان بشكل دائم هناك، و اضطراره لتعايش إجباري ويومي مع الفزع، والمأساة، والحزن!.
اعتقد أيضاً، إنه لكون هذا ” الدم “، و ” الخوف “، و ” افتقاد الأمان ” قد تحول بفعل التكرار، إلى مجرد مفردات متعالية على يومياتنا، ذات صيغة مجردة”خبرية” بالنسبة لنا، لا ترتب في أي مستوى منها غالباً، تماساً شخصياً مع ما تخلفه من نتائج مربكة – في حال إفصاحها عن قسوتها بشكل عيني مباشر – على بيئتنا اليومية، أو على أفراد قريبين منا، أو نعرفهم بشكل شخصي، أي ضمن هذه الدوائر المحيطة بنا. دور أساسي في هذا الحياد الذي نتعايش مع تبعاته الأخلاقية دون قلق، أو حتى انتباه!. ومن هنا كان لانفعالي الشخصي المُربك، والذي تلقيت به الخبر الصاعق لاختطاف ” عدي “، نجل الصديق الجميل والدافئ والمثقف، الدكتور/ حاتم الصكر، في العراق، وهو في طريقه إلى عمان لرؤية والدته، أن أيقظني بقسوة من هذا الحياد!.
كان مؤلماً على المستوى الشخصي، تصور حجم ” المأساة ” التي يرتبها حدث مفزع كهذا، في روح مطمئنة، ورائقة، ومليئة بالسلام، كتلك التي تخبرك عنها كل إيماءات الدكتور/ حاتم. لقد تعرفت عليه منذ فترة طويلة تزيد على ستة أعوام، ورغم إنني في البداية كنت مسكوناً برهبة القيمة النقدية العالية التي تميز اسمه في الوسط الثقافي والأكاديمي، والتي كنت أتوسلها بشكل ما، عبر هذا العلاقة الشخصية التي كنت أريد إنشاءها معه، لـ”ترشيد” كتابتي الأدبية المبتدئة في ذلك الحين، ضمن احد مستويات الاستفادة من العلاقة. لكنه منذ البداية استطاع استيعابي، وتحريري من هذا الانفعال تجاهه، وتحويله من هذه الرهبة الأولية، إلى تأسيس عاطفي عميق لا يغادر فيه ” حاتم ” فعل الود والمحبة الذي تشعرهما مقترنين بحضوره، والمكثفين بابتسامته، واعتنائه الحقيقي بالسؤال عنك!. اكتفي دوماً بالاسترخاء الذي أتحصل عليه منه، كلما حدثته هاتفياً في فترات متقطعة وطويلة نسبياً، فهو قادر على امتصاص إحساسي بالخجل من إهمالي التواصل معه، عبر إعفائه الضمني لي من أي لوم، وتأكيد فرحه بي، واكتفائه بالاطمئنان على كوني بخير!. وأتذكر بحميمة ” تبسطنا ” معاً حين رأيته أخر مرة في دمشق، وسعادتي به هناك، وتلك الفرحة الصامتة بأفراد عائلته الذين اجتمع بهم هناك، والتي غمرته بهدوء، وجعلته خفيفاً، ورائقاً، وشغوفاً كطفل.
الان إذاً، يتألم صديقي حاتم الصكر!. لم تعفه هذه المسافة الجغرافية من أن ينال نصيبه من انهيار الأمان في العراق، من أن يدفع ضريبته من الحزن، والعراق لم يعد بعيداً عنه، بل تتزاحم كل جروحه في القلب بقسوة، ومعرفة أحواله لم تعد تحتاج لتقليب المحطات، وقراءة الصحف، أو للاستفسار باتصال هاتفي، فهي صارت طازجة، يخبره بها نصيبه من قسوتها المرعبة….
وأخيراً أيضاً، اُفسد حيادي!. وها هو “الدم” العراقي البارد يصبح ساخناً.. وذا معنى حقيقي. وها هو يحيلني إلى ألم اعرف اسمه، وملامح اعرف كيف ينحتها الحزن بقسوة.
وأخيراً، أصبحت أُربك بمذاقه حين أتخيله في فمي!…….
[email protected]