المنجز هو اللامنجز! – فتحي أبو النصر

المنجز هو اللامنجز! – فتحي أبو النصر

فجأة وجدتني فيها كما فجأة اكتشفتها داخلي.
عبرها أستطيع الإمساك بي حين عني أضيع ومعها فقط أكون أرافقني تماما.
تطهو لي أبعادي فأشربها كإكسير.
في الزحام تكون وحيدتي والجميع نيام يمكنها أن توقظني أيضا.
نمارس معا ضدية الضد ونتخلق.
أقيمها بلا تحديد.أي بانبساطها فقط.هذا الانبساط يحوي الطلاقة والإصرار وبالغ الإغواء والاندفاع.
المشاغل النقدية تجاهها لازالت متخلفة إلا فيما ندر وفي مجمله مازال النقد مصابا بفوبيا قصيدة النثر. انه ضد فتوحاتها في الغالب.يتقاعس في ولوج أدغال جماليتها المتقدمة وكما يمتلك أقفاصا لإذعان حريتها فانه المخلص للمكرورات مستعيدا بخبث لجماليات بائدة منعدمة النهوض ألان.
إنها الذائقة النقدية المخبولة اليعاني وعيها من القحط والمغاير يستفزها.استثني بالطبع تلك المجهودات الفريدة والمائزة اليقدمها -على سبيل المثال- كل من محمد العباس و حاتم الصكر.
أطروحاتهما الاستقرائية لقصيدة النثر مجبولة إذ لا تسهو عن الجديد المتحفز كما تطلق العنان لفتنته مدعومة برقي الحس و النضج المعرفي وشكيمة الاقتحام.
فيما قصيدة النثر جديرة بهذه الحياة أو لأقل أن الحياة جديرة بها.لكن شاعرها مهووس وبقدر ماهو في القوة بقدر ماهو في الذعر.
تسفك قصيدة النثر جراحات المعنى وتداويه وهي للانفصام وللرجاء العصبي كما لفردسات الجحيم ولعدم الشفقة وللمكابدة كما للون الحليب في فم الرضيع ولانهداد الشفق في نظرات العشاق.
إنها لاتعني بالتسميات فنحن من عنينا بتسميتها.لي أن أسميها صيادة العمق أو ثمرة الشعرية البشرية لكني بذلك سوف أعمل ضدي و ضدها.
نعم.لندعها كما هي أي باستطاعتها الخلاقة الخاصة فلا نأبه لمقذوفات النقد السيئة في الغالب ولا بالتسميات ولنكتب فقط.اقصد ولندع قصيدة النثر تكتبنا.
هكذا أراهن عليها ومهولا من حبي لها فأنني العنها.
أحبها لأنها تغوص أعمقا فأعمق والعنها لأنها غير مسقوفة ولا حدا لها فيما لاترحم وطأة اندفاع شاعرها فيها.
إنها تتسلط عليه.تعلقه من ياقة مخيلته وتقذفه إلى شهق أبعادها وأسرع فأسرع يظل لايصل.
ترى هل في هذا تكمن عظمتها وهي الرجيمة؟.
إنني اشعر بلمسة جمرتها ألان صارخا في صمتي وأنا اكتب عنها بينما يأخذني مجرى الهلع الرائع.
إنني خدر بشفافيتها اللاذعة وارجف لكنها وحدها العناء الذي يقلل من عنائي وكل التداعي المتساقط من حولي يعاود علوه كحلم وأنا في سبيلها.
إنها فوضوية نبيلة فلندعها في رقتها تلك.غير رسمية وغير جامدة.ترفض و تخفق وتحقق نزواتنا وعبثيتنا وعدم تمهلنا في استكناه الخلاص.
تفسح قصيدة النثر مجالا لتحققات الذات ولاترتاح في المرتقى ويمكنها أن تحيا في الممات أيضا.
تأخذ بيد تاريخ اللحظة وتستوي على عرش الزمن.توقظها الجزئيات و تنام على الكليات.
لكأن تفاصيلها هي الأكوان وهي بذلك سعادتي غير النسبية التي تمكنني من التمشي في طول الإدراك وعرضه.
من فكرة اللافكرة تبدأ وتبدأ لافكرة الفكرة صغيرة ثم تنفرط كرة الخيط ولافتتها الدائمة غزل الذات ونسجها.
إنها جانب السلب في الإيجاب وايجابية السلب. تقوى على تحريك الساكن وكلما نبشتنا وكشفتنا أكثر كانت الأفضل.
كمن يؤطر غصته بالريح أرى إلى منجزي فيما الضحك من مفردة منجز يتملكني لان قصيدة النثر كما افهمها ضد المنجزيات أساسا ذلك أن منجز شاعرها الذي يتوجب هو الذي لم ينجز بعد.
اقصد اللامنجز كتحقق مباح وحقيقي للإنجاز.اللامنجز كاستمرار لايحصى في الإنجاز. اللامنجز كاقتحام لما لازال محصنا من الإنجاز. اللامنجز كهواء مفتوح بلا غطاء الإنجاز. اللامنجز كضراوة باهرة لاجتراح الإنجاز.
نعم. سأخون نفسي إن طالبت بنظام للفوضى فيما مرة حاولت أن أكون عقلانيا فتيقنت أن قصيدة النثر غير عقلانية أبدا.
فقط يتوجب الهدم من اجل المواصلة فلاثوابت كتابية ولاعقائد مبرمجة سلفا وهذا هو اللب ما اعرفه وماعلمتني إياه قصيدة النثر.
وفيما الاستهتار باليقينيات والمروق صيغتان لن تجعلنا نشك بنا تأتي قصيدة النثر اشد بهجة حين حزنها يشتد وهي شديدة الوجع جراء حنانها الشديد.
رائعة و علوية وسافلة ومتسخة ومحظوظة بخذلان. تحتمل كل شيء ولا يحتملها أحد.
كلما اقتربت لاترى وكلما ابتعدت لمست.
بارعة المزاج غير بائتة الحس تترنح وتمتع و كذلك هو خارجها يأتي داخلها حين تلقي بنفسها داخل الخارج دائما.
إنها المطلق دون تنقيح إذ ينبثق من شوائب النسبي.الوحشة الأثيرية والغروب شروقا كحب وحطام الشروق في الغروب أيضا. عارية ترتدينا وصيغتها الذهاب في الأصل.
كل شيء تم بالنسبة لها وكل شيء لايزال. بلهاء مستخفة ومضاءة بهالة من موسيقى الازرقاق السري.
إنها اللقطة المستدقة للمخفي وللمجهول في الكائنات والأشياء وبالأمس حضرت للغد وبالغد ستحضر للأمس وبالآن ستصالحهما معا فيصفق الزمن لضياعه الأنيق بين جروفها.
يقرأها الجميع ولا يقرؤنها ففيها الاكتفاء وفيها الماقبل.
لاتروض إلا بالخشية فيخشى منها شاعرها حتى ولسوف تلتهم كل شيء فيما ستبقى ذلك الرضيع الجميل.
لها دقة اللاوعي ووعي اللااتجاه.
ثاقبة ونافذة.
ملآى بالفراغ وفارغة بالامتلاء.
عاجزة وتستطيع.
تتلوى نسيانا وآهاتها الذاكرة.
شاحبة توهجنا.
متناقضة جدا وتضبطنا بثبات الكينونة.
مقيمة في اللاجدوى وعابرة في الزوال.
تتغذى على اللحم النيئ لشاعرها.
تتعدى الإشكال وبحيوية تتجاوز.
مثل ملاك غير ممجد هي ومثل شيطان غير مخذول.
بيتي سخريتها و شعرها المنكوش مظهري في العدم ونظراتها القاسية والحزينة ضميري ورأسها الشامخ إصابتي المنكسة في الوجود.
متواضعة لاتنسلخ عن كبريائها وتجس اليأس أملا.
انفعالية بلا تقاديس.
بريئة فاسقة.لاتبلى وتترك علاماتها أولا بأول.
 إنها معجزة الغموض ببساطة وضوحها.عليك أن تحددها كأنك تحدد التصاقك بذاتك كيما تتضمن فيك بثبات.
مجنونة غير مهلهلة ومصونة بلا نشاز.
عزيزة على كثير من معاناة شاعرها ووحدها من تقبر أضرحته إذ يبتسم
مخبولة فائرة تلقي نظرة أخيرة على النظرة الأخيرة.
لاتداهن وإنما تفضح.
أسلوبها اللا أسلوبي لايقاوم.
تستفز المكرور وفي أحشائها معبد للشياطين الذي يخبئون في قلوبهم ملائكة حائرين.
كأنها المحرقة الجماعية للذات وهي الجديرة الوحيدة بإنقاذ هذه الذات من الذات و بالذات فقط.
ليست رتيبة و تتجدد باستمرار.
خلاقة جذابة نضطر للاعتراف بين يديها غير منفصلين عنا ومنفردة وحشية تحيط باللغز ومن المستحيل إرضاؤها.
اليوم تقف قصيدة النثر على فرادة الساحة بتركيبها الماورائي الحاذق.
 فيما في أعماق كل الأعماق تكمن قصيدة النثر. حالمة ساخطة مباغتة على الدوام.متألقة المرونة.تسدد حساب الذات للذات و لبلوغ القادم تكابد.القادم الذي هو عنوانها الديمومي.
[email protected]