«… والأماكن تدفع الضرائب.. أيضا!» القاعدة.. وجع في دائرةالإشتباه! يحيى هائل سلام

«… والأماكن تدفع الضرائب.. أيضا!» القاعدة.. وجع في دائرةالإشتباه! يحيى هائل سلام

“أما أنا، فأقول لاسمي: دعك مني..”..
… هكذا ودت القاعدة المدينة لو تقول، في غمار قساوة الاسم وقد صار عبئا يجتر آثام الشبيه حاصلا موثوقا فيه لمعطيات المعادلة المريضة: القاعدة -المدينة تساوي القاعدة التنظيم!!
 إنها إحدى معادلات الفزع الكوني بامتياز احتبست الدال تحت انقاض مركزالتجارة العالمي، فكل مدلول في دائرة الإشتباه ولو كان المدينة التي كانت يوما مركزا لتجارة اليمن وأصبحت اليوم مستودعا لنفايات الزمن الرديء: وجاهة مراهقة، ألفا دراجة نارية، عطش معدوم الضمير، وأشياء أخرى…
 

 
«… والأماكن تدفع الضرائب.. أيضا!»
القاعدة.. وجع في دائرةالإشتباه!
                                             
                                      يحيى هائل سلام
 
جغرافيا المكان
على بعد (220) كم، جنوبي العاصمة صنعاء، تقع مدينة القاعدة على خط طول (406000) متر شرقا وخط عرض (1520500) متر شمالا، بارتفاع عن سطح البحر قرابته (1620) متراً، ما يعني مناخا ملائما لما يقارب (50000) نسمة يقطنون المدينة، التي لاتزال تبعا لمديرية ذي سفال – محافظة اب، في وضعية غير مبررة، يرجعها الكثيرون الى فترة ولاية الحسن على إب، باعتبار تلك إحدى التعديلات التي ادخلها -تحت وطأة الهاجس الأمني- على نظام التقسيم الإداري الذي كان معمولا به إبان إحتلال الأتراك لليمن وكانت القاعدة وفقا له ضمن محافظة تعز، التي كل ما يفصلها عنها اليوم نقطة تفتيش!
 
 هذا هواسمك..
احتمالات ثلاثة تتنازع الجذور التاريخية لاسم المدينة:
فهي القاعدة؛ لأن الصحابي الجليل معاذ بن جبل قعد فيها، قبل أن يغادرها مواصلا طريقه الى منطقة الجند، التي بنى فيها جامعه الشهير، «جامع معاد بن جبل»..
وهي، وفقا لاحتمال ثان -أقرب ما يكون الى صدى الذاكرة– القاعدة؛ لأن الاتراك اتخذوها قاعدة لمجموعات عسكرية، شاهدا ذلك: نوبة الغزال ونوبة العرير.. وهما مبنيان في المرتفعات الشرقية والغربية للمدينة، فيهما تحصن الاتراك ومنهما راقبوا المكان..
 على أن النوبتين وقد تلاشتا اليوم مكانهما وحل منزلان، أحدهما لقائد في الجيش والآخر لأحد آكبر تجار النفط في اليمن، فإن شاهدا اخر يبرز في ضباب التلاشي إنه العرض، هذا اسم حيز جغرافي في القاعدة، هو اليوم ملتقى تجارة الماشية في الثلاثاء من كل اسبوع، وهو وفقا لاجماع الكثيرين هنا، يحتفظ بهذا الاسم، منذ أطلقه عليه الاتراك فقد كان هذا الحيز الجغرافي ساحة لعرض المجموعات العسكرية، وتدريب الجند..
 احتمال ثالث لايروقه الركون الى الصدى، لذلك فهو ينعش الذاكرة، يحفزها على النهوض بأربعينيات القرن الماضي، فهي القاعدة؛ لأنها منذ ذلك الحين، وعلى امتداد ثلاثة عقود تالية، مثلت قاعدة تجارية هامة..
 بشيء من التباهي يقولون هنا: كانت أشهر المراكز التجارية، تتجمع فيها البضائع القادمة من عدن، وهذا جعلها قبلة للتجار، يقصدونها من مختلف مناطق اليمن..
 وبضيق ليس بخاف يقارنون: أهمية المدينة آنذاك، اقتضت إنشاء نقطة للجمارك، استمرت طويلا، مع ذلك لم تكن يوما عائقا أمام حركة البضائع، اليوم.. هناك عند مدخل المدينة الجنوبي ما تسمى بنقطة التحسين، في هذه النقطة كثيرا ما يتعرض سائقو الشاحنات المحملة بالبضائع للإذلال حد الضرب المبرح!! – سؤال طارىء – من قال إن لقطار العولمة مؤخرة؟؟!
 في زمان الزهو، استطاعت المدينة أن تجتذب الكثيرين للبقاء، من بينهم من جاءوا للشراء، لكنهم لم يغادروا، لهذا السبب قيل في وصف القاعدة: انها مدينة المسافرين الذين قرروا البقاء، في المقابل.
 اخرون رحلوا، رحلوا بأموال جمعوها من تجارة وطول بقاء في المدينة، هم اليوم أسماء طاغية الحضور في مسارات الإقتصاد اليمني، لكن أحدا منهم لايلتفت الى الوراء، يتفحص وجه المدينة، يحاكي تفاصيل بداياته الأولى.. هذا درس جيد ومكثف في نكران الجميل!!
 
 بضائع وطبائع بشر..
لم تكن فيما يبدو البضائع هي كل ما يصل القاعدة من أشياء عدن، وقطعا، لم يكن المال هو كل ما تحمله رحلة العودة؛ كانت البضائع تأتي مصطحبة طبائع البشر وكان المال يقطع مسافات الرجوع مصطحبا اسم مدينة تحرك الفضول: هذا تفسير ملائم للانتشار المبكر لدور السينما في مدينة القاعدة، تزامنا مع البدايات الأولى للتعليم الرسمي، بعد عام من قيام الثورة، وعلى أيدي مدرسين كانوا ضمن مجموعة استقدمها الوزير قاسم غالب للتدريس في الشمال فوقع اختيارهم على القاعدة..
مالاتفسير له: الأمام أحمد يصل مدينة القاعدة في 20/3/1948 م، ويقيم فيها، من بين سائر المدن اليمنية، أكثر من أسبوع في مكوث لم يتحرر من حصار الدم، حيث منها أصدر أوامره بإعدام الكثيرين ضمن ردة فعل على مقتل والده، والإستتيلاء على الحكم طوال فبراير من نفس العام…
 
 عاطلون عن الأمل!!
ثمة رائحة دم تفوح من سطر الماضي الأخير، إنها ذات الرائحة التي احتكرت على امتداد الأسابيع الماضية هواء المدينة، وقد تبدت ساحة لاستعراض السلاح محمولا على أسنة العضلات، على نحو لم يسبق أن شهدته المدينة من قبل، والحصاد أكثر من قتيل، في أقل من أسبوع، وسط الزحام والبقية تأتي..
 هذا مجرد وشم، على ذراع الحاضر التراجيدي للمدينة، التي ترزح تحت وطأة العطش، وبالتالي التناوب بالسهر قرب الصنابير لاقتناص لترات معدودات من الماء، لاتأتي إلا مرة كل ثلاثة أسابيع أوتزيد..
 السبب يعود إلى مزارع القات في المناطق المجاورة معززة بسطوة ونفوذ ملاكها، تستنزف كميات هائلة من حوض المدينة المائي من جهة، ومن جهة ثانية صراعات الوجاهة المراهقة واستظهارها، الذي لامبرر له، عضلات الهيمنة، على حساب مدينة وبشر..
ذلك أن الدراسات الفنية، والمقترحات الرسمية المختصة تحدد على الخريطة، مواقع لحفر آبار تغذي المدينة، لكن الوجاهة المراهقة – وهي أكثر من طرف – لها دراساتها، وأيضا حساباتها الخاصة، مالم فالأرض جميعها خط أحمر..إذن لابأس… لابأس في إزاحة هذا الموقع أوذاك إلى غير مكان، البهلوانات جاهزون للتوقيع على محاضر الإزاحة، والنتيجة: آبار فاشلة، ملايين مهدرة، إعتمادات مصادرة؛ لأن المواقع المحددة خطوط حمراء غير متاحة، وبين كل هذا عطش معدوم الضمير!!
التوصيف ذاته، ينطبق على إحباط كل محاولة تتغيا النهوض بمركز التدريب المهني بالمدينة، من بين تلك المحاولات تمويل من أحد البنوك العربية استهدف إعادة بناء وتجهيز المركز، لكن ثمة مزاجاً لم يرقه الأمر، التمويل اضطر بعد طول انتظار الى الرحيل في اتجاه بديل، أو بالأحرى، نحو منطقة أخرى..منزوعة الوجاهة!
اليوم.. المركز بات مقرا لإدارة الأحوال المدنية، هذه الإدارة تتبع وزارة الداخلية، لهذا السبب يتوقع عبد الرحمن مجلي عضو المحلس المحلي عن المدينة، أن يجري لاحقا تحويل المبنى الى سجن مركزي، في خطوة قد تؤتي أكلها عندما يتحول آلاف الشباب المنفيين في أرصفة البطالة يوما، إلى مجرمين وقطاع طرق، بعد أن كان بالإمكان أن يصبحوا ذوي مهن وأصحاب شهادات ممهورة بالخاتم الرسمي لمركز التعليم الفني، والمهني بمدينة القاعدة!!
ما كان كان، وفضاءات أحلامهم اليوم لم تعد تتسع لأكثر من دراجة نارية ” من صنع الصين!”، مصدر أمني، وعلى ذمة إحصائية رسمية يؤكد: هناك (2000) دراجة نارية تعمل في مدينة القاعدة!!
قطعا.. الرقم قد تصاعد بعد أربعة أشهر من تلك الإحصائية، التي أغفلت هويات العاملين على تلك الدراجات النارية، إنهم جموع العاطلين عن الأمل!!
 
 وجع في دائرة الإشتباه..
 هل ضلت الكتابة طريقها الى المكان.. انحرفت عن مسار الوصف والتعريف به وانغمست في محاكاة بضع من مفقودات الحياة عليه؟!
الجواب: نعم، وهذا طبيعي؛ لأن وظيفة المرشد السياحي لها مقامها الذي هو غير هذا، تلك وظيفة غير لائقة بثيمات الوجع على وجوه الأماكن، ومتى كانت الأماكن في جوهر علاقاتها بالوجود شيئاً آخر غير البشر… هذا المعنى شبيه بواحد من أروع سطور ” أرض السواد”: “… والأماكن تدفع الضرائب.. أيضا!”..
من يدفع في حقيقة الأمر، هم البشر، هذا ذاته ما يفهم عندما يقال اليوم ان مدينة القاعدة تدفع ضريبة الاسم: فضل المهري ( 25عاما )، أعاق اسم القاعدة في جواز السفر دخوله إحدى البلدان العربية، عاد مكرها من مطار ذلك البلد، غير جواز سفره، شطب القاعدة واستبدلها بمكان ميلاد اخر، هو اليوم يشذب أزهار حديقة أميرية في ذلك البلد، الزهور تشكره كل صباح، لكنه يضطر للكذب عندما تسأله: أنا ولدت هنا، في هذه الحديقة، فأين ولدت أنت؟!!
في أمريكا، احتجز كثيرون، لأنهم قالوا في الهاتف: سلموا على الجماعة بالقاعدة، أو اشتقنا للخزان في القاعدة!! أحدهم، ومن أمريكا، رمى على زوجته يمين الطلاق؛ الزوجة كانت تهاتفه من أحد مراكز الإتصالات بالمدينة، أغفلت تحذيراته المتكررة، ولفظت في سياق الحديث اسم المدينة- القاعدة.
بالتأكيد زيارة السفير الأمريكي غيرالمعلن عنهاللمدينة لم تكن لإصلاح ذات البين بين الزوجين بدافع من تأنيب الضمير المعلب، كانت محاولة لتفكيك الاسم بعيون المكان والعثور على صلة، بوسع العقل -الجهة الواحدة- العثور على مايريد، وإلى أن يعيد هذا العقل حساباته؛ تظل القاعدة – المدينة وجعا في دائرة الإشتباه!!