ياء النداء.. رد الاعتبار لـ”السياسة” اليمنية – محمد محمد المقالح

ياء النداء.. رد الاعتبار لـ”السياسة” اليمنية – محمد محمد المقالح

عندما يكون على رأس حزب سياسي في اليمن رجل مثقف ومفكر كبير مثل الدكتور ياسين سعيد نعمان , تكون السياسية اليمنية عموماً وليس فقط الحزب الاشتراكي اليمني، قد استعادت شيئاً من الاعتبار لذاتها ولمفردات خطابها العام. بعد ان “بطحت” الجملة السياسية ومن ثم الممارسة السياسية على أيدي وألْسنة أنصاف المتعلمين وقليلي الخبرة والمعرفة والمسؤولية ولا أقول الأخلاقية, طوال عقود من الزمن , اعتلوا خلالها قمم الأحزاب وطفوا على سطح السياسة ثم لم يعملوا شيئاً سوى محاولة قتل أهم مضامينها وأهدافها الإنسانية النبيلة , وتحديداً قتل “الفكرة” السياسية و”القيمة” الأخلاقية فيها.
الحزب أو الجماعة السياسية عموماً ليست سوى فكرة أو نظرية إنسانية كبيرة وخلاقة من ناحية , وقيمة أخلاقية أو دينية عظيمة من ناحية أخرى. وإذا ما فقد أي حزب هذين البعدين في تكوينه وأهدافه وفي سياسته ومفردات خطابه العام, فقد كل شيء فيه وتحول إلى “عصابة” منفلتة من كل عقال , يمارس فيها السياسيون البلطجة ويغطونها بالكذب, ويكون الأمران معاً هما كل “سياسته” العامة والخاصة أيضا.
يقال بأن العلاقة بين الجهل والبلطجة علاقة شرطية غالباً, وحيثما يوجد الجهل توجد البلطجة. وينطبق هذا تحديداً على “السلطة”، أي سلطة، لا تقوم على قاعدة معرفية وقيمية راسخة. وكثير من ويلات الشعوب والمجتمعات الإنسانية, على مدار التاريخ عادة ما تكون نتيجة تحالف شرير بين الجهل المعرفي والاستبداد السياسي.
في كلمة أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني أمام الدورة الرابعة للجنة المركزية لحزبه، وفي كثير من كتاباته السياسية والفكرية وما يطرحه من أفكار ورؤى في حواراته الصحفية المختلفة, يلمس المرء أن الرجل مهموم كثيراً بإعادة الاعتبار للمعرفة, والثقافة, والفكر السياسي اليمني على مستوى الأحزاب والحياة السياسية عموماً, وبجعل القيم الأخلاقية جزءاً لا يتجزأ من الممارسة السياسية اليومية, وهذا في نظري أهم ما تحتاجه السياسة اليمنية اليوم ويحتاجه هذا الجيل الذي خلقته الهزائم الصراعات, دفعت به، بدون معرفة ولا وعي إلى اصطفافات صراعية غير منطقية يسميها نعمان “اعتباطية”, حيث لا يدرك المرء أنه في الموقع الخطأ إلا بعد فوات الأوان.
هناك مساحات واسعة للاختلاف مع ما يطرحه ياسين نعمان من رؤى وأفكار في السياسة والعمل السياسي والحزبي. والحقيقة أننا بحاجة إلى مثل هذه المساحة الواسعة من الاختلاف في الرأي ومن ثم الموقف السياسي لأن ذلك هو الطريق الوحيد لإثراء الفكرة وتجديدها ومن ثم إثراء الحياة وتجديدها أيضا. لكن نعمان يحرص على أن يكون الاختلاف معه موضوعياً وحول الأفكار والقضايا, وليس اختلافاً حول الأشخاص والأسماء ومساحات الجغرافيا، لأن الخلاف هنا “عدمي” ولا يثير سوى الكراهية ومن ثم الصراع وقتل الحياة أو اغتيالها.
كنت أود أن أتحدث عن كتابات ياسين نعمان في الفكر السياسي وعن كتاباته الأدبية والإبداعية وأخرها النص الروائي والإبداعي الجميل “أصل الحكاية كما يرويها عبد المرتجي البوابـ”، والتي طبعت مؤخراً في كتاب يفترض أن”هيئة الكتابـ” هي التي أشرفت على طباعته في بيروت؛ إلا أن المساحة قد لا تسمح في هذا المقام ولهذا السبب أترك الحديث عن الكتاب و”هيئة الكتابـ” -وما أدراك ما هيئة الكتاب!- إلى كتاب آخر.
[email protected]