عمرو حمزاوي لـ«النداء»: (1-2) الانفتاح السياسي في اليمن حقق نقلات نوعية وواصل مساره الصاعد خلاف الحالات العربية الأخرى

عمرو حمزاوي لـ«النداء»: (1-2) الانفتاح السياسي في اليمن حقق نقلات نوعية وواصل مساره الصاعد خلاف الحالات العربية الأخرى

 

* أحزاب المشترك تخطت حواجز الايديولوجيات وهمشت خلافاتها الكبرى حول نموذج المجتمع المنشود، فوسعت من مساحة السياسة
* تحالف اللقاء المشترك تجربة فريدة ميزت العملية السياسية في اليمن

أكد عمرو حمزاوي، كبير الباحثين بمعهد كارينجي للسلام أن الدولة اليمنية ضعيفة وأداؤها يقوم على التوافق مع مجموعات رئيسية، قبلية وغير قبلية. وأشار إلى أن النخب السياسية الحاكمة في اليمن تحافظ على بقائها في السلطة من خلال استغلالها لموارد الدولة ومؤسساتها وتوزيع الموارد بصورة توافقية تخدم مصالح الاطراف الرئيسة في المجتمع.
وفي حوار أجراه معه الزميل نبيل الصوفي في العاصمة الألمانية «برلين» أوضح حمزاوي أن تجربة «اللقاء المشترك» تخطت حاجز الأيديولوجية بين الاسلامي والاشتراكي، وخلقت تحالفات جديدة بين فاعلين سياسيين في المعارضة، وهي تجربة متميزة لأنها أعطت أولوية للسياسي وهمشت الإختلافات الكبيرة بمنطق شديد البراجماتية لاستغلال الفرصة المتاحة».
وقال حمزاوي إن الساحة السياسية في أكثر من بلد عربي أصبحت أكثر انفتاحاً الآن، وأن لهذا الانفتاح مستويات متعددة بتعدد الفاعلين، فلم تعد النخب العربية الحاكمة هي الفاعل الوحيد في الساحة.
إلا أنه أستدرك قائلاً بأن هذا الانفتاح لا يعني أننا أمام مشهد ديمقراطي «لأن معادلة السلطة مازالت بيد الأنظمة في مجمل أنحاء العالم العربي، إذ لا معنى للتداول السلمي للسلطة في البرلمان أو في الشارع، بل في تولي زمام السلطة التنفيذية، التي هي مفتاح عجلة التداول»، مشيراً إلى أن النخب العربية الحاكمة سيطرت تدريجياً على الدولة، لدرجة أنك لاتستطيع أن تضع الخط الفاصل بين نخبة الحكم (الحزب الحاكم) وبين مؤسسات الدولة. أي بين ماهو سياسي وما هو تنفيذي.
وفيما يلي الجزء الأول من الحوار:
 
– حوار: نبيل الصوفي
 

* كباحث متتبع للتحولات الديمقراطية في العالم العربي كيف تقرأ المشهد الديمقراطي راهنا؟
– أميز بين حراك سياسي حصل بصور مختلفة في أكثر من بلد عربي خلال الفترة الماضية وله آثار وتداعيات واضحة، وبين الحديث عن مشهد ديمقراطي وأعتقد أننا في المجمل ما زلنا نبعد عنه كثيراً.
* ما الذي يحدث إذاً؟
– ما يحدث أن الساحات السياسية في أكثر من دولة عربية أصبحت أكثر انفتاحاً، ولهذا الانفتاح مستويات متعددة، الأول بمعنى تعدد الفاعلين، فلم تعد النخبة الحاكمة هي الفاعلة الوحيدة، بل هناك فاعلون آخرون أصبحوا جزءاً من المشهد السياسي.
* هل يمكن تعيين هؤلاء الفاعلين الجدد. من هم؟
– لقد دخلت التيارات والحركات الإسلامية بزخم وقوة في المعترك السياسي، إلى جانب نخب وتيارات ليبرالية ويسارية قائمة بالفعل. كما أن هناك مطالب جديدة تكونت لها أدوات كحركة كفاية وغيرها من الحركات التي تجمع بين السياسي والمدني، فقد زاحمت وأحدثت زخماً في الحياة السياسية.
المستوى الثاني من الانفتاح هو شكل من أشكال الدمقرطة. الانتخابات –مثلا- أصبحت جزءاً رئيسياً من المشهد السياسي العربي وهذا لم يكن قائماً من قبل. وحين تنظر إلى 2004م، 2005، 2006م، ترى المشهد الانتخابي يتكرر في العالم العربي على مستويات مختلفة، رئاسي وتشريعي ومحلي.
كما أننا، في مستوى ثالث من الانفتاح، نشهد حضورا لثقافة المحاسبة، وهي لم تكن فعالة، فأنت حين تتتبع خطابات النخب العربية والحاكمة ترى أن هناك مؤشرات على سعيها (من أجل) توضيح سياساتها وتوجهاتها للرأي العام العربي، عكس ماكان من قبل حيث أن هذه النخب إلى جانب الحكام كانت تترفع عن الحديث مع الجماهير.
المستوى الرابع والأخير وهو أولا حالة يمنية متميزة للغاية، وتليها بدايات في المغرب ومصر والكويت، وهي أننا أصبحنا أمام تحالفات جديدة بين فاعلين سياسيين في المعارصة.
ففي اليمن هناك تجربة “اللقاء المشتركـ” وهو تحالف يتخطى حاجز الأيدلوجية بين الإسلامي والاشتراكي، وفي الحالة الكويتية هناك تحالفات على قضايا معينة في قطاعات معينة بين الإسلاميين والليبراليين. في مصر كان هناك جبهة معارضة خلال 2005، المغرب نفس الأمر. وهذا جزء من الانفتاح السياسي يوفِّر بالتحالفات (إمكان) الخروج من مساحات ضيقة إلى مساحات أوسع، وبالتالي حراك سياسي أكبر.
غير أن كل هذا لايعني أننا أمام مشهد ديمقراطي، لأن معادلة السلطة ما زالت بيد الأنظمة الحاكمة في مجمل العالم العربي من المغرب وحتى البحرين. ربما مثلت الكويت الاستثناء الوحيد، ففي لحظة الخلافة السياسية، لحظة غياب الأمير ومجيء أمير جديد، لعبت السلطة التشريعية دوراً رئيسياً.
* ماذا تقصد بمعادلة السلطة؟
– السيطرة على مفاتيح السلطة التنفيذية، فلا معنى للتداول السلمي للسلطة في البرلمان أو في الشارع، بل في السلطة التنفيذية، التي هي مفتاح عجلة التداول والتي لاتزال بين النخب الحاكمة ذاتها منذ زمن.
* هل يمكن البحث عن المعطيات التي مكنت هذه النخب من هذه المفاتيح؟
– طبعاً الأمور تختلف، ولكن هناك مفتاحان رئيسيان؛ المفتاح الأول هو أن النخب العربية الحاكمة سيطرت تدريجياً على الدولة، حتى أنك اليوم لا تستطيع أن تضع الخط الفاصل بين نخبة الحكم أو الحزب الحاكم وبين مؤسسات الدولة، ليس هناك فصل بين ماهو سياسي (الحزب) وبين ماهو تنفيذي (الدولة) التي هي أدوات تنفيذية بيروقراطية تدير مصالح المواطنين. الحزب الحاكم في مصر يملك مؤسسات الدولة. المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن يمتلك مؤسسات الدولة، كذلك هي حالة المؤسسة الملكية في المغرب ومن يتحالف معها يملكون مؤسسات الدولة. ولهذا تحولت الدولة إلى مفتاح للإدارة السلطوية للمجتمع، وهذا عطَّل حتى الانفتاح السياسي.
* هل في الوطن العربي نخبة لها معالم وتتخذ قرارا مؤسسيا؟
– عندما تتحدث عن النخبة أنت تتحدث عن أمرين، تتحدث، أولاً، عن مجموعة تنتظمها مصالح مشتركة، هذا موجود وهناك مصلحة مشتركة تتخطى حاجز البقاء في السلطة إلى تصورات كيفية إدارة المجتمعات. صحيح أن جزءاً كبيراً من المصالح يتعلق بالبقاء في السلطة، لكنه ليس الوحيد، للأمانة والموضوعية.
تتحدث، ثانياً، عن مجموعة تستطيع أن تحافظ على كيانها وإعادة إنتاج ذاتها. النخب العربية حتى المترهلة عمراً تستطيع في لحظات أن تعيد إنتاج ذاتها، والنموذج الأوضح هو النخبة المصرية التي ترهلت ثم أعادت بسرعة شديدة إنتاج ذاتها، رغم اختلاف طبيعة المعارك العامة التي صارت اليوم تتطلب انتخابات، ولو شكلية، ومنافسة على مفردات وقضايا جديدة.
هناك نخبة لها رؤية يمكن نختلف معها. يمكن أن هذه الرؤى ليس لها مصداقية كبيرة لدى الرأي العام العربي، ولكن هناك نخبة بمعنى أنها مجموعة لها مصالح مشتركة وتدافع عنها وأن هذه المجموعة تستطيع أن تجدد ذاتها في إطارات متغيرة.
ويمكن القول هنا أن النخب الحاكمة ربما كانت من أذكى، إن لم تكن أذكى، الفاعلين السياسيين في العالم العربي. فرغم أنها تتعامل مع بيئات محلية شديدة الضغط نظرياً، إذ أن هناك مشاكل اقتصادية واجتماعية وضغوط إقليمية ودولية، مع ذلك هي على درجة عالية من الإبداع في الحفاظ على قوتها والبقاء في السلطة.
* دعنا نقترب أكثر ونتحدث عن الأحزاب الحاكمة لمعرفة ما إذا كان هناك فعلاً نخبة تتحمل المسئولية وليس مجرد فرد واحد يقرر. هل الأحزاب الحاكمة هي من تصنع سياسات الحكم؟ بل وقبل ذلك هل تناقش هذه الأحزاب متطلبات الإدارة، السيطرة، إعادة البناء، أم أن الأمر مجرد قرار واحد للشخص الجالس على الكرسي الأول؟
– علينا بالفعل أن نميز بين أكثر من نمط في العالم العربي. هناك نمط تحكمه نخب الحكم ولا يتعلق الأمر فيه بأشخاص فقط، ولكن في الغالب فإن علينا الإدراك أن هناك مجموعات مصالح تتضارب وتتناقض وتتفق، بمعنى أن هناك مساحات مؤسسية ومساحات تنظيمية بالفعل. يمكنك أن تشير بالفعل إلى نخبة الحكم في المغرب، وتقول إنها نخبة مؤسسية ولها أجهزة مساندة ولها مؤسسات.
* أنا أسأل عن الجمهوريات لأن الأشخاص الأُول في الأنظمة الملكية قد حسموا القضية المركزية التي تخص الواحد منهم حيث لايتعرضون لضغوط المنافسة على المنصب الأول، لا بانتخابات ولا بغيرها؟
– ليس من المفيد اختزال نخب الحكم في أشخاص، لا بالرئيس ولا بقيادات معينة. هناك مؤسسات، هذه المؤسسات ليست بالضرورة الحزب الحاكم، بل هي النخبة في سياقاتها: المؤسسة العسكرية، الجهاز الأمني، الوزارات السيادية. ومع ذلك أعتقد أن حالة مثل نعود للملكية مرة أخرى- النخبة السعودية، أنت تتحدث عن نخبة شديدة التنظيم، أسرة حاكمة.
إذا أردت الحديث عن اليمن فأنت أيضا أمام نخبة تحكم ليس بمنطق الهيمنة والاستئصال، ولكن بمنطق الحفاظ على السلطة من خلال توافقات مع قوى المجتمع الأخرى. فهي تدرك أن تكويناتها المؤسسية ضعيفة، لذا لا تحكم بالاستئصال والهيمنة ولكن تحكم بصناعة التوافق، وهي من تعيد صناعة معطيات هذا التوافق، على العكس من النمط شديد القبضة أو كما يقال دولة الأمن، دولة المخابرات والتي تعيد تجديد الحركة من أعلى إلى أسفل، حيث تستخدم الجهاز القمعي للسيطرة على المجتمع، وسوريا مثال مهم لهذا النموذج.
وعموما سنكون أمام ثلاث حالات: نخب تمتد وتكوَّن ذواتها مؤسسياً ولها وجود (المغرب ومصر والى حد ما السعودية)؛ نخب ضعيفة، لكنها تتحالف لتصنع بالتوافق وتسيطر على المجتمع (اليمن)؛ ونخب قمعية هي منظمة في إطارات بوليسية أو مخابراتية (سوريا).
* هذا التقييم مثير للتفكير والبحث عن بناء معارضة خاصة بكل نمط؟
– أعتقد أن هناك نمط معارضة خاصاً لأن المساحات الفعلية الخاصة بالمعارضة تختلف من نمط إلى آخر، كما أن هناك عناصر أخرى تؤثر في مساحات المعارضة.
* أعتقد أننا بحاجة لبعض التفصيل فيما يتعلق بهذا العامل، عامل النخب الحاكمة وتأثيره على المعارضة، أو بالأصح النموذج المعارض للنخبة المماثلة؟
– من المفيد للمعارضة أن لا تظل مشدودة فقط للطموح، عليها أيضا أن تستغل المساحات الموجودة، بل وقبل ذلك عليها أن تكون شديدة الحساسية للتنبه لمثل هذه المساحات التي قد تكون لا قيمة لها إن لم تستخدمها المعارضة. يعني هذا أمر شريط الفاعل نفسه، شريط جهد وقدرات الفاعل السياسي على أن يدخل إلى هذه المساحات وعليه أن يفعِّلها.
أعتقد أن هذه المساحات نظرياً أكبر في حالة النمط الثاني وهو النمط الذي فيه النخب تحكم بصورة توافقية تنتج التوافق. فهذه النخبة ضعيفة أصلا ولكنها تحافظ على بقائها في السلطة من خلال استغلالها لموارد الدولة ولأجهزة الدولة ومؤسساتها وتوزيع الموارد بصورة توافقية تخدم مصالح الأطراف الرئيسية في المجتمع، هذه النخبة بحكم ضعفها المؤسسي لا تستطيع أن تبسط سيطرتها على كل أنحاء المجتمع فأنت لديك مساحات كبيرة للفعل المعارض.
بعبارة أخرى، وباستخدام المثال وهو هنا اليمن، فإن الدولة اليمنية دولة ضعيفة لا تصل حتى جغرافياً إلى كل المناطق، كما أنْ أداء الدولة اليمنية هو أداء في غاية الضعف وهو أداء يقوم على التوافق مع مجموعات رئيسية، إن قبلية أو غير قبلية داخل المجتمع، وهذا يفتح مساحات كبيرة للفعل المعارض.
هذه المساحات تقل كثيراً في الحالة الأولى حالة النخب الحاكمة ذات الطابع المؤسسي، لأنها تغوص في أعماق المجتمع وتسيطر، بل إن هذه المساحة تقل تماما في النموذج القمعي. ولكن يظل الطابع المؤسسي أفضل نسبياً لأنه محكوم بنخب ليست عنيفة، خاصة وقد اختارت استخدام فتح الساحة السياسية لمشاركات مقيدة، وهي أيضا لايمكنها العودة عن ذلك للعديد من الأسباب، داخلياً وخارجياً، وهي ترى أن هذه المؤسسية لا تهددها في شيء، فهي تترك هذه المساحات للفعل دون أن تغلقها تماماً.
* بالتأكيد أن مستوى النخبة الحاكمة هو أصلا مؤشر للمستوى الذي وصل إليه المجتمع بشكل عام، ومن ثم يكون المجتمع قد قطع شوطا نحو التحول المؤسسي إلى الديمقراطية، لكن ثمة صعوبات في التحول من خلال هذا النموذج؟
– هناك حدود وملامح خاصة بكل نمط. ففي النمط الثالث (القمعي) تعرف تماما ما الذي يمكنك أن تفعل أو لاتفعل، أين تذهب أو لاتذهب. وكذلك بالنسبة للنمط الثاني “البيني” الذي تمثله اليمن والذي يوفر مساحات أوسع لحركة المعارضة.
الخطير في حالة النمط الأول (المؤسسي) هو أنه يضع حجم تحديات كبيرة وخطيرة، لأن النخبة الحاكمة تغيِّر الحدود باستمرار.
أعطيك مثلاً محدداً في الحالة المصرية مقارنة بين 2005-2006، في الأولى تركت مساحات نوعية كبيرة وجديدة للفعل السياسي في إطار عام للانتخابات، فاعتادت الأحزاب المعارضة، من ليبرالية ويسارية وغيرها، عبر هذه المساحات أن تنزل إلى الشارع، أن ترفع شعاراتها، أن لا تواجه أمنياً. بمجرد انتهاء عامل الانتخابات، أعاد النظام ترتيب الحدود فأغلق الشارع ونفذ إجراءات قمعية، فتاهت هذه الحركات، وهاهي حركة “كفاية” تنهار، و”الإخوان” حتى الآن لم يحسموا أمرهم: إلى أين هم ذاهبون!
لذا فالنمط الأول هو شديد الذكاء السلطوي. ويستفيد من كونه دائماً كنخبة حاكمة في المقدمة ليسبق استراتيجيا المعارضة خطوة على الأقل.
* أسألك عن اليمن بالتحديد، وأنا لا أسأل هنا عن نصائح وإنما عن رؤية تجاه عمل المعارضة وقد كنت في اليمن وتابعت الانتخابات؟
– اليمن بها ما يميزها عن مجمل الحالات العربية. في سياق هذا التميز يمكن النظر إلى دور المعارضة، وبها أيضاً ما يجمعها مع الحالات العربية هنا أيضاً قيود ومحددات كثيرة على فعل المعارضة.
* نبدأ بالجزء الإيجابي.
– أعتقد أن في اليمن أمرين: دولة ضعيفة ومجتمع ذي تركيبة تعددية. فالدولة المركزية لم تتمكن من بسط سيطرتها على المجتمع بالصورة المصرية أو حتى بالصورة المغربية. وتعددية المجتمع القبلية ظلت كما هي، وبالتالي أنت أمام توترات قائمة باستمرار بين مجتمع متعدد وبين ساحة سياسية ما زالت حتى الآن لم تكتمل تعددياتها ولكن المجتمع يضغط، هذا تميز.
الأمر الثاني، أن اليمن، على عكس الحالات العربية الأخرى، مرَّت خلال الأعوام الماضية بنقلات نوعية حقيقية، فأنت عندما تقارن المشهد السياسي في اليمن في منتصف التسعينيات باللحظة التي نتحدث فيها الآن في أعقاب انتخابات الرئاسة 2006م تلحظ نقلات نوعية كبيرة، وهذه النقلات لها مسار واضح، مسار يوسِّع ويعمِّق من مساحة الممارسة السياسية والتعددية، رغم أنك ستقول لي أن نتائج الانتخابات الأخيرة جاءت بسيطرة كاملة للمؤتمر، مع ذلك فإن مساحات فعل المعارضة زادت نوعياً خلال السنوات الماضية على عكس الأردن، على سبيل المثال، التي عرفت تحركات سريعة ثم قمعت، وعلى عكس مصر 2005-2006م التي عاشت ما يسمى ردة عن الحالة الديمقراطية، وعلى عكس المغرب، التي انتهت (فيها المعارضة) إلى حالة شديدة الركود، فمنذ منتصف التسعينيات وحتى الآن لم يحدث شيء يسترعي الانتباه في المغرب. صحيح أنً الانفتاح السياسي في الأردن ومصر والمغرب، مازال قائما وهاما، ولكن اليمن يميزه أن له مساراً صاعداً، وهناك نقلات نوعية.
* ماذا بشأن التميز السلبي؟
– اليمن تتشابه في عدد من الأمور مع الدول العربية: في تداخل النظام الحاكم مع مؤسسات الدولة؛ في الدور الهام المباشر وغير المباشر للأجهزة الأمنية؛ في الثنائية القطبية، فأنت أمام نخبة حاكمة قوية وأمام معارضة رغم تجربة اللقاء المشترك، إنما جوهر هذه المعارضة هو الإصلاح الحركة الإسلامية، ثم مساحة وسطية خالية من الفاعلين في الأغلب الأعم؛ وأخيراً.
في أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع لم تدفع بأغلبية واضحة من الشعب اليمني للضغط على الحكومة.
* في أي الجزأين تضع أداء المعارضة؟
– نسبياً فإن لحركات المعارضة دوراً أكبر في اليمن ولكن هناك بيئة سياسية ما زالت ضاغطة. نحن كدارسين للتحولات السياسية في العالم العربي نرى في التجربة الأخيرة للمعارضة (اللقاء المشترك) أهمية شديدة، لأن هذه التجربة في اعتقادي متميزة. أنت أمام قوى تتخطي الحواجز الأيديولوجية وتنتج تحالفاً، هو تحالف انتخابي لكن يمكنه أن يستمر. من البداية تخطت أحزابه حواجز الأيدلوجيات ووسعت من المساحة السياسية، أعطت أولوية للسياسي، وهَّمشت الاختلافات الكبيرة حول نموذج المجتمع.
هناك خلافات كبيرة بين الاشتراكي والإصلاح في الرؤية للمجتمع، والنظرة للحريات، ولدور الدين وعلاقة الدين والدولة، هناك نقاط خلافية كثيرة، ولكنهم ركزوا، وهذه تجربة فريدة، على أولوية السياسي، لأنك تواجه مايمكن وصفه “العدو المشتركـ”، وهو النخبة المهيمنة، بمعنى أنك ترى، وأنا أرى أن هذا هو الأدق، أن العملية السياسية تطرح فرصاً وتحديات لا بد من استغلالها بصورة أفضل بمنطق شديد البرجماتية، وهذا رائع. حين ترى أحزاباً لها أبعاد أيدلوجية كالاشتراكيين والإسلاميين تتعامل مع الحياة السياسية ببرجماتية لاستغلال الفرصة المتاحة، استغلال الموجود، فهذه بادرة خير.
* ماذا عن ضعف العمل الحزبي المؤسسي الذي يجعل الضعفاء يتحالفون ولكن كل ضعيف يحمي ضعفه، أيضاً، من التغيير، بذات التحالف؟
– أنت أشرت إلى نقطة على درجة عالية من الأهمية، المؤسسات الحزبية العربية. إذا ما استثنينا الحركات الإسلامية، مؤسسات ضعيفة. هي ضعيفة لعدد من الأمور أهمها أنها غابت عن الوجود في الشارع ولم تطوِّر قواعد شعبية حقيقية؛ فغابت قواعدها الشعبية وأصبحت محدودة للغاية. إنْ كنا نتحدث عن تكلس أو ركود نخب حاكمة فهذا ينطبق على النخب الحزبية. هي لم تجدد ذواتها بالصورة السريعة، وأيضاً انفصلت بخطاباتها عن واقع المجتمع. أحياناً تقرأ برامج انتخابية لأحزاب عربية في عام 2006، وتشعر أنهم يتحدثون عن السبعينيات أو الثمانينيات. الأخطر من ذلك أن تلك الأحزاب أو المؤسسات الحزبية التي شاركت في العملية السياسية، أو أخذت قراراً استراتيجياً بالمشاركة في العملية السياسية خلال السنوات الماضية، تواجه معضلة حقيقية في أن نخبتها السياسية لم تنتج تحولات جذرية في تفكيك النظام السياسي، فيعود ذلك عليها بالضرر لأنها تفقد المصداقية لدى قواعدها الشعبية، فيسألك الناخب: أنا انتخبتك فماذا فعلت، ماذا قدمت لي؟
في مرحلة ما كانت الحركات السياسية تَعِدْ بالخدمات، ولكن هذا يحولها إلى جزء من النخبة الحاكمة فقط. المجتمعات تريد تغيرات كبرى، وهي التي تعد بها الحركات السياسية لكنها لاتنجزها.
* هل يمكن البحث وراء الاختلاف الذي يميِّز الحركة الإسلامية حتى الآن؟
– بصرف النظر عن المجتمع الذي تعمل فيه الحركات الإسلامية، مثل “التجمع اليمني للإصلاح” كحزب له شخصيته، لكنه حزب إسلامي، أو الحركة الدستورية الإسلامية في الكويت، أو الإخوان في مصر أو حزب العدالة والتنمية في المغرب، على اختلاف البيئات الأربعة، بين اليمن والكويت ومصر والمغرب، ما زال لهذه الحركات الإسلامية تميز على صعيدين: التماسك التنظيمي فهي متماسكة تنظيمياً حتى وإن لم تجدد نخبها؛ قواعدها الشعبية قائمة، إذ أن لها رأس مال اجتماعي ولها وجود على ساحة الديني والمدني والثقافي.
* برأيك هل ساهمت المشاركة السياسية في تمكين هذه الحركات من هذا التميز، أم أنه فقط بسبب الأيديولوجية؟
– جل الأحزاب السياسية العربية تمسكت بأيديولوجيتها، التي تركز على أهمية خيار المستقبل، لكن الحركات الإسلامية اتخذت بالفعل قرارا استراتيجياً بالمشاركة السياسية، وهذا يوقع عليها تحديات: الأول، كيف لها أن تعمل بصورة منظمة على جميع الصعد الشعبية وتحافظ عليها؛ الثاني كيف تستطيع أن تطور من خطابها وتكون المساحات البرجماتية لأن هذا ما يقتضيه الفعل السياسي، الشراكة السياسية ليست ممارسة أيديولوجية، أنت تتحدث عن الأيديولوجيات نعم أهلاً وسهلاً، ولكن حين تريد التحول إلى العملية السياسية كطرف معارض ولحماية نفسك عليك أن تزيد من مساحات البرجماتية فما بالك إذا ما شاركت في الحكم؛ الثالث هنا مرة أخرى النخبة السلطوية، النظام السلطوي يضغط عليك ويغير الحدود باستمرار، أو يلعب معك لعبة “فرق تسد”، أو يضعك أمام تحديات جديدة عليك أن تتفاعل معها، وأخيراً إنتاج رؤية مشروع اجتماعي، سواء حين تكون في المعارضة أم حين تصل إلى الحكم.
ودعني هنا أنبه إلى أمر في غاية الأهمية، هو مايمكن وصفه بمرجعية الفجوة بين المشاريع السياسية والجماهير العربية، وأعتقد أنه تجتمع على هذا الأمر النخب الحاكمة مع أحزاب المعارضة. فالفجوة القائمة بين السياسة العربية ككل وبين المواطن العربي سببها ليس فقط ضعف مصداقية نظم الحكم أو ضعف العائد من السياسة ولك، أيضاً، لأن لأن السياسي المعارض لم يعد لديه مشروع اجتماعي واضح، كما كان لديه فيما قبل، حتى مشروع الإسلاميين، وهو كان مشروعاً اجتماعياً، بحكم التكتيكات والمرونة والبرجماتية ضاعت معالمه، فأنت لا تعلم إذا جاء هذا أو ذاك كيف سيحكم! وأنت لا تدرك الفروق رغم أن لدينا يافطات كبيرة.