ياء النداء.. مجانين اليمن – محمد محمد المقالح

ياء النداء.. مجانين اليمن – محمد محمد المقالح

هل قرأتم كتاب “مجانين اليمن”؟ أنصحكم بقراءته فأنا متأكد أنكم ستخرجون بكثير من الفائدة والمتعة.
الكتاب عبارة عن حوارات صحافية عابرة مع أكثر من 46 مجنوناً يمنيا خالصا، والأصح 46مغيبا يمنيا خالصا (مجانين, متسولين, مدعو نبوة, ومهدوية، سجينات،محبطون، حزبيون عاديون، أطفال, عمال، مزارعون, وحتى بائعات هوى… الخ) التقطهم جميعا المجنون الكبير احمد سيف حاشد من الشوارع والأزقة والأسواق، وبيوت الخيش والمحاوي, وأعاد تعريفهم إلى مجتمعهم اليمني المهمش، كفلاسفة ومنظرين كبار، وهم كذلك أو بعضهم كذلك على الأقل، ولكنهم منظرون وفلاسفة ظرفاء وخفيفو ظل على خلاف أولئك المنظرين “الثقالـ” الذين يظهرون كل مساء على شاشات الفضائيات العربية وعناوين الصحف الصباحية.
ليست كل الحوارات في كتاب “مجانين اليمن “جيدة أو مهمة، وفي بعضها يبدو تدخل الصحفي في توجيه السؤال أو في صياغة الإجابة واضحا, لكن هذه نادرة في حوارات الصحفي والبرلماني حاشد, تكاد لا تجدها إلا حين تغيب “النساء” ويظهر “الرجالـ” للحديث نيابة عنهن كما هو الحال في الواقع الذي نعيشه وينتقده الكتاب وصاحبه بقوة وربما بقسوة جارحة.
الكتاب أعده للطباعة وقدم له الصحفي المبدع ياسين الزكري، وهو عبارة عن حوارات صحافية سبق أن نشرتها كل من صحيفتي “القبيطة” و”المستقلة”، وكانت سببا لتميز الأولى قبل إغلاقها من قبل وزارة الإعلام، وانتشار الثانية بعد أن وصلت مبيعاتها إلى خمسين آلف نسخة أي أنها الصحيفة اليمنية الأولى من حيث رقم التوزيع، حسب علمي.
بالطبع كلامي عن صحيفة «المستقلة»، واسعة الانتشار، قد يغضب الزملاء الأعزاء وبالذات أصحاب الصحف الأسبوعية واليومية, وقد يقول بعضهم بتنطع المثقفين الكبار “تلك صحيفة صفراء، لا تقرأها النخبة وتهتم بالإثارة”. وأقول له هذه هي الصحافة الشعبية, ولا يهم إن كنت تقراها أم لا، والمهم هو أن الناس يقرؤونها وأنها لا تكذب أو لا تزور وتحرص على مصداقيتها باعتبارها القيمة الأخلاقية والمهنية الأهم في الصحافة ودورها في حياة الناس، والتي بدونها تتحول الصحافة إلى شيء آخر.
الصديق احمد سيف حاشد هو قاض عمل في سلك القضاء العسكري طويلا، وهو اليوم برلماني وعضو لجنة حقوق الإنسان, وهو أيضا ناشط سياسي معروف، لكنني على يقين انه يجد نفسه أكثر في الصحافة وقد أخلص لها ونجح فيها وهو فوق هذا وذاك “مجنون كبير” بل يمكن اعتباره “أبو المجانين اليمنيين”, وهو بالفعل مجنون بحب اليمن وبمجانينها وبناسها الطيبين والبسطاء والمهمشين، بل هو ممثلهم في البرلمان وبالتالي ممثلنا جميعا، السنا كلنا مهمشين ومغيبة صورنا وأصواتنا، في هذا البرلمان وفي هذا الوطن أيضاً.
أتراني امدح أم “أذم” الصديق أحمد حين أسميه أبو المجانين اليمنيين”؟
…. اجب ما شئت, أما أنا فلا أرى في هذا الرجل الا نموذجا ومثالا لي في الحياة، وأتمنى أن أستطيع أن أقوم بشيء يسير مما يقوم به تجاه البسطاء والمعدمين ومن ليس لهم جاه أو نفوذ في هذه البلاد المغلوب على أمرها.

***

“قصة الإيمان…” لنديم الجسر, كتاب من أجمل واهم الكتب الفلسفية التي قرأتها في حياتي، ولا زلت أتذكر عبارة جميلة وعميقة المعنى قالها بطل القصة “الفلسفة بحر… لكنه مختلف عن بقية البحور… تغرق في سواحله وتنجو في أعماقه” وهكذا هو الصديق احمد سيف حاشد ومجانينه الكرام.
[email protected]