أثنى على شجاعة مسدوس وانتقد مقاربته للمسألة الجنوبية.. القيادي الاشتراكي أنيس حسن يحيى لـ«النداء»: دورة اللجنة المركزية معنية بتصحيح الخلل في أداء الأمانة العامة

أثنى على شجاعة مسدوس وانتقد مقاربته للمسألة الجنوبية.. القيادي الاشتراكي أنيس حسن يحيى لـ«النداء»: دورة اللجنة المركزية معنية بتصحيح الخلل في أداء الأمانة العامة

* القضية الجنوبية حقيقية وليست مفتعلة. ولو لم تكن حرب صيف 1994م لما كانت القضية الجنوبية بهذه الحدة. ولو لم يبرز محمد حيدرة مسدوس بوصفه المدافع الأشد عن هذه القضية لبرز غيره دفاعاً عنها

* ما يزال هناك من يعتبر موقعه في المكتب السياسي أو الأمانة العامة وكأنه شكل من أشكال الوجاهة. ونقطة البداية في استعادة الحزب لدوره تتمثل في تصحيح أوضاع الأمانة العامة

 
شدَّد أنيس حسن يحيى -عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني- على أن معالجة آثار حرب صيف 1994 مصلحة وطنية يمنية، وأن الاصلاح السياسي ضرورة لحل معاناة اليمنيين.
وفي هذا الحوار الذي أجرته معه الزميلة نادرة عبدالقدوس، في شقته المتواضعة في مدينة المنصورة – عدن، يتحدث أحد أبرز مؤسسي الحزب الاشتراكي اليمني عام 1978، عن رؤيته للمسألة الجنوبية، مشدداً على أن حلها لا يكون في معزل عن القضية الوطنية. وإذ أثنى على محمد حيدرة مسدوس -أبرز قيادات تيار إصلاح مسار الوحدة داخل الاشتراكي- ودافع عن حقه في الإختلاف مع الأغلبية داخل الحزب، فقد انتقد مقاربته للمسألة الجنوبية، وخاصة اعتباره رفاقه في اللجنة المركزية من أبناء المحافظات الشمالية أو المنحدرين من أصول شمالية، مؤيدين للرئيس علي عبدالله صالح فيما يتعلق بالوحدة اليمنية.
وبشأن الأوضاع الداخلية للاشتراكي، تمنى أنيس حسن يحيى على اللجنة المركزية في دورتها المقرر عقدها نهاية الأسبوع المقبل أن تعالج الاختلالات في أداء دوائر الأمانة العامة. لافتاً إلى ضعف أداء هذه الدوائر «ما انعكس سلباً على أداء منظمات الحزب في المركز والمحافظات».
وقيم يحيى اللقاء المشترك إيجاباً لأنه «شكَّل نقلة نوعية في الحياة السياسية سمحت بإحداث حراك سياسي واجتماعي فاعل ومؤثر». وإذ لفت إلى ركود ساد بعض مفاصل اللقاء المشترك بعد الانتخابات الرئاسية، دعا إلى فتح منافذ للحوار الوطني ليشمل كافة القوى السياسية، وإشراك رجال الأعمال في هذا الحوار باعتبارهم شريحة مهمة في المجتمع، تلعب دوراً هاماً في الحياة الاقتصادية.

– حوار: نادرة عبدالقدوس

 
* باعتباره عضواً في اللجنة المركزية للحزب فقد سألته أولاً عن قراءته للأداء الراهن لقيادة الحزب، وبشكل خاص المكتب السياسي والأمانة العامة، وعن آماله التي يعقدها على دورة اللجنة المركزية للحزب، والتي ستُعقد في نهاية الشهر الحالي، فرد قائلاً ودون أية مواربة:
– دورة اللجنة المركزية المقرر انعقادها في أواخر هذا الشهر هي مجرد محطة في مسار اللجنة المركزية منذ انتخابها في المؤتمر العام الخامس الذي انعقد في منتصف عام 2005م. ومع ذلك أتمنى أن تعالج هذه الدورة الخلل وأسبابه في الأمانة العامة للحزب تحديداً. والأمانة العامة تضم عدداً من الرفاق المجربين والمقتدرين، ولكن أداء الدوائر بشكل عام، ضعيف جداً، ويكاد أن يكون معدوماً في دوائر أخرى. وهي بوضعها الراهن تشكل عبئاً على الحزب، الأمر الذي ينعكس سلباً على أداء منظمات الحزب في المركز والمحافظات.
ولعل من المفيد أن أشيد هنا بأداء الدكتور ياسين سعيد نعمان، الأمين العام للحزب الاشتراكي، الذي يعتبر وجوده في هذا الموقع كأمين عام مكسباً حقيقياً للحزب، واستطاع من موقعه هذا أن يؤكد قابلية الاشتراكي لاستعادة دوره الريادي في الحياة السياسية والاجتماعية. 
* هل تتوقعون أن يقدم الأخ ياسين سعيد نعمان استقالته في هذه الدورة، كما فعل في الدورة السابقة؟
– الأخ د. ياسين نعمان هو اليوم في حالة معنوية ممتازة وأكثر تفاؤلاً، من ذي قبل، بإمكانية نهوض الحزب مجدداً بجهود كل الخيرين فيه. وهو على يقين بأنهم يدعمونه ويؤازرونه. إن مهماته، كأمين عام، صعبة جداً، ولكنه، وبتظافر الخيرين في الحزب، سيواصل حتماً دوره القيادي من موقعه. 
* وما رأيكم في أداء دوائر الأمانة العامة في الحزب؟
– الأداء، بشكل عام، ضعيف. وبعض الدوائر تكاد تكون غائبة تماماً. البعض مازال ينظر إلى موقعه في المكتب السياسي أو الأمانة العامة وكأنه شكل من أشكال الوجاهة. الدورة القادمة للجنة المركزية معنية بتصحيح وضع الأمانة العامة وتحسين أدائها بعيداً عن الحساسيات. 
* هل بإمكانكم تسمية دوائر الأمانة العامة التي تشكو من ضعف في أدائها، وتلك الغائبة تماماً؟
– أشرت إلى هذه الدوائر في بعض اللقاءات الودية مع عدد من الرفاق في المكتب السياسي والأمانة العامة. وتكلمت مباشرة مع البعض من رؤساء هذه الدوائر بصراحة. لكنني أفُضِّل تأجيل تسميتي لهذه الدوائر، وتلك غير الفاعلة بالمرة، إلى ما بعد انعقاد دورة اللجنة المركزية القادمة. 
* كيف تقرأون الأداء الثقافي لقيادات الاشتراكي في المركز وفي المحافظات؟
– المستوى الثقافي للاشتراكي تراجع كثيراً. وهذا أمر معيب لاسيما إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه يفترض في الاشتراكي أن يكون حجر الزاوية في الانتصار لمشروع بناء يمن حديث ديمقراطي وعادل. الحزب يمتلك صفاً واسعاً من المثقفين المتميزين، وبسبب ضعف أداء الأمانة العامة لا يجري توظيف هذه الطاقات على النحو الصحيح. لذا أرجو أن تسلط اللجنة المركزية في دورتها القادمة الضوء على هذه المسألة الحيوية ومسائل أخرى، وأن تقدم لها الحلول المناسبة. 
* لماذا تراجع الحزب عن دوره الريادي كما عهده المواطنون؟ آلأنه خارج السلطة؟
– أشير هنا رداً على السؤال إلى أن الحزب مر في مسيرته الكفاحية بأزمات عاصفة أنهكت قواه وأضعفت من أدائه كثيراً. ولعل أبرز هذه الأزمات التي عصفت به في الماضي، أحداث عام 1978م ( أحداث سالمين ) وأحداث يناير 1986م. أشير هنا إلى حماقات ارتكبتها قيادات في الاشتراكي تسببت في تلك الأحداث الدامية المأساوية. ثم جاءت حرب صيف 1994م فكانت الضربة الأكثر إيلاماً له، وعليَّ هنا أن أنوه بالدور الفاعل الذي لعبه الأخ “مقبلـ” وزملاؤه في المكتب السياسي واللجنة المركزية، في الإبقاء على الحزب واقفاً على قدميه -وإن ظل الأداء قاصراً- ودورهم في انعقاد المؤتمر العام الخامس وبث الحياة من جديد في جسم الحزب الاشتراكي. وثمة ما يؤكد أن الحزب، بقيادته الجديدة وعلى رأسها الأخ ياسين سعيد نعمان وزملاؤه، يملك كل القابلية ليستعيد دوره الحيوي والفاعل في الحياة السياسية والاجتماعية. ونقطة البداية في استعادة الحزب لدوره هذا تتمثل في تصحيح أوضاع الأمانة العامة. 
* كيف تفسرون تحالف الحزب الاشتراكي والتجمع اليمني للإصلاح في إطار اللقاء المشترك؟ وهل ثمة قابلية لاستمرار هذا التحالف، في الوقت الذي اتهم الإصلاح الاشتراكي بالإلحاد وصدرت فتوى بتكفيره، بالمقابل اتهم الاشتراكي الإصلاح بالظلاميين؟
– أنا أرى أن هذا التحالف بين الاشتراكي والإصلاح يجب أن يصب في مصلحة الوطن شريطة أن نضع مسائل الخلاف جانباً ونتركها للزمن. هناك قواسم مشتركة بين الطرفين، لو انطلقا منها لترسخ هذا التحالف بينهما. وتتمثل هذه القواسم المشتركة في ركنين أساسيين: أولاً: بناء دولة مؤسسات أي دولة نظام وقانون، وبالتالي يمكن التعويل على هذا التحالف في أن يبقى ويستمر في المستقبل. ثانياً: تعلق الحزبين بالعدالة الاجتماعية؛ فالحزب يعتبرها ركناً أساسياً في مشروعه النهضوي لبناء دولة حديثة، والعدالة الاجتماعية بالنسبة للأخوة في الإصلاح ركن هام بوصفهم إسلاميين انطلاقاً من قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: “من بات شبعاناً وجاره جائع/ طاوٍ، ليس منا “، وهذه قاعدة أساسية تقوم عليها العدالة الاجتماعية. 
* يدور جدل واسع الآن، وبشكل خاص حول أطروحة تيار إصلاح مسار الوحدة، و تحديداً المسألة الجنوبية، هل من تعليق؟
– القضية الجنوبية قضية حقيقية وليست مفتعلة. ولو لم تكن حرب صيف 1994م لما كانت القضية الجنوبية بهذه الحدة. ولو لم يبرز الأخ محمد حيدرة مسدوس بوصفه المدافع الأشد عن هذه القضية لبرز غيره دفاعاً عنها. مسدوس صادق وشجاع في طرحه، لكنه كمن فقد البوصلة، وبالتالي فقد القدرة على الرؤية إلى المسألة الجنوبية بربطها بقضية الوطن ككل، فالتبس عليه الأمر. وبسبب حرب صيف 1994م، اللعينة، أصبح يرى في كل مواطن شمالي أو من أصول شمالية مخالفاً له في الرأي، ويخاطب رفاقه في اللجنة المركزية من الشمال بوصفهم يقفون مع الرئيس في ما يتعلق بالوحدة اليمنية. لكنني مع ذلك أحترم وأدافع عن حقه في الاختلاف مع الغالبية في حزبنا. وحل القضية الجنوبية ومعاناة المواطنين في المحافظات الجنوبية لا يكون بمعزل عن حل معاناة الوطن بشكل عام، وحل معاناة أبنائه في كل ربوعه. ويتمثل الحل في إصلاح النظام السياسي بكليته. وفي مقدمة هذه الإصلاحات بناء دولة المؤسسات، دولة النظام والقانون، وإيجاد قضاء مستقل نزيه وعادل، يؤمّن سيادة القانون ويكفل تحقيق المواطنة المتساوية. ولعل من بين أهم الحلول لمعالجة الاختلافات الراهنة على مختلف الصعد التوزيع العادل للثروة، وإقامة نظام حكم لا مركزي واسع الصلاحيات، يكفل انتخاب رؤساء الوحدات الإدارية، أي انتخاب المحافظين والمأمورين مباشرة من قبل الناخبين في المحافظات والمديريات، وهو نظام أشبه بالفيدرالية. وتتمثل كذلك في مكافحة الفساد، مكافحة حازمة، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، ولن يرحل الفاسدون طالما بقيت دولة المؤسسات غائبة ومغيبة؛ وغياب دولة المؤسسات ليس صدفة. وهذا كله يتطلب وجود فصل تام بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية. كما يتطلب تفعيل أداء مجلس النواب ليلعب دوره في مراقبة السلطة التنفيذية، ومساءلة الحكومة ومحاسبتها. ويتطلب كذلك تفعيل جهاز الرقابة والمحاسبة، وجعله تابعاً لمجلس النواب. 
* وعلى الصعيد الجنوبي؟
– هناك مصلحة وطنية حقيقية في معالجة وإزالة آثار حرب صيف 1994م على نحو حقيقي لا بترقيعات شكلية أو شراء ذمم. إن السياسات التشطيرية التي يمارسها النظام، بوعي كامل، من شأنها أن تعمق الشرخ القائم في النفوس. ولذلك فإن التعجيل في تطبيق نظام الحكم اللامركزي واسع الصلاحيات، من شأنه أن يضع حداً لهذه الممارسات التشطيرية التي ألحقت بالوطن، وما زالت تلحق به، أضراراً بالغة. 
* كيف تقرأون أداء اللقاء المشترك في الوقت الراهن؟
– وجود اللقاء المشترك شكَّل نقلة نوعية في الحياة السياسية في بلادنا، سمحت بإحداث حراك سياسي واجتماعي فاعل ومؤثر. أثبت اللقاء المشترك، بقيامه، قدرته على الارتقاء بالحياة السياسية بهدف بناء الوطن الذي ننشده. ونعترف أن ركوداً ساد بعض مفاصل اللقاء المشترك بعد الانتخابات الرئاسية. وبهذا الصدد ندعو إلى فتح منافذ للحوار الوطني ليشمل كل القوى السياسية ولتكن البداية بحزب التجمع الوحدوي اليمني وحزب رابطة أبناء اليمن، على أن يتواصل الحوار ليشمل كذلك المؤتمر الشعبي العام والرئيس تحديداً بوصفه رئيساً للمؤتمر؛ لأن المصلحة الوطنية تستدعي إشراك كل الأطراف السياسية في هذا الحوار. كما أن إشراك رجال الأعمال فيه، ضرورة ملحة؛ فقد حان الوقت لكي تشارك هذه الشريحة الهامة في المجتمع في حوارات واسعة تهدف إلى بناء الوطن، لما تلعبه من دور هام في الحياة الاقتصادية وهي عصب البناء والتحديث في الوطن.
إن الدعوة لقيام تحالف وطني واسع وعريض مبررة ومشروعة واللقاء المشترك هو نواة هذا التحالف.
إن مشروع بناء يمن حديث ديمقراطي وعادل يشترط قيام تحالف وطني واسع وعريض، والتحرر من ثقافة إلغاء وإقصاء الآخر. ويبدأ التحديث من المدرسة بتبني مناهج تربوية عصرية تشيع ثقافة المواطنة المتساوية، والقضاء على النظرة الدونية إلى المرأة.
* ولكن هناك القبيلة التي ندرك ثقافتها الموروثة والتي تشكل البديل عن القوانين في كثير من الأحايين، كيف يمكن التعامل مع هذه الثنائية: حكم القبيلة، ونظام المؤسسات والقوانين؟
– إن القبيلة مجرد تشكيلة اقتصادية واجتماعية عابرة في مسار تطور المجتمع البشري وليست كياناً خالداً. وانخراط أبناء القبائل في الأحزاب السياسية بتوجهاتها الفكرية المختلفة يشير إلى توقهم إلى الانخراط الواعي والفاعل في بناء مجتمع مدني عصري. وحضور القبيلة في المهرجانات الخطابية لابن شملان دليل على النزوع نحو علاقات أرحب مع المجتمع المدني. وبالضرورة يتعين على كل أطراف الحياة السياسية أن تشيع ثقافة تسمح بتعزيز وحدة وتماسك النسيج الوطني والفصل التام بين السلطات المختلفة نحو بناء دولة المؤسسات، دولة النظام والقانون.
كما أن غياب دولة النظام والقانون وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية من شأنه أن يشيع الفساد ويحصن الفاسدين ضد المحاسبة، ويكرس الإحساس بفقدان المواطنة المتساوية التي تعتبر حجر الزاوية في ترسيخ دولة الوحدة. وغياب الدولة من شأنه أن يحول دون التوزيع العادل للثروة. وهيمنة السلطة التنفيذية على بقية السلطات لا يعني إلا تكريس هيمنة القوى المتنفذة في المجتمع، وهي التي تعطل كل الجهود الخيرة، حتى ما يتعلق بالنوايا الطيبة التي يعلن عنها الأخ الرئيس علي عبد الله صالح. 
* ما هي برأيكم القاعدة التي يرتكز عليها الحكم الرشيد الذي ينشده المواطن في اليمن؟
– الوطن يبنيه الجميع. وكل شرائح المجتمع تسهم في عملية البناء، كما أشرت سلفاً. هذه هي القاعدة التي يرتكز عليها الحكم الرشيد. وعندما تغيب هذه القاعدة يسود الظلم ويعم ويستفحل الفساد ويغيَّب الرأي الآخر. إن أي مجتمع يتم فيه تغييب الرأي الآخر، يتعذر تقدمه ونماؤه، وتتعطل طاقاته، ويفقد القدرة على الحراك. وفي ظروف بلادنا التي تعاني من انسداد شرايين الحياة فيها، ستبقى إرادة المجتمع معطلة ما لم يستشعر الجميع مسؤولية رص الصفوف لبناء الوطن على قاعدة الندية. 
* النهوض بالوطن مشروع طموح. برأيكم ما هي أهم أركانه؟
– تحدثت في سياق الحوار عن التحالف الوطني الواسع والعريض كشرط من شروط النهوض بالوطن نحو البناء. وبرأيي هناك ثلاثة أركان أساسية يقوم عليها المشروع النهضوي للوطن، بدونها لا يمكن التحدث عن البناء والتطور، وهي: التحديث، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. وكل مهمة من هذه المهمات تشكل تحدياً أمام المجتمع بكل قواه السياسية وشرائحه الاجتماعية. فأما التحديث فإني أعني به إشاعة ثقافة عصرية من خلال تبني مناهج تعليمية عصرية. أقول هذا الكلام بعيداً عن المكايدات السياسية لأنها تضر بالوطن وهذا ما تعلمناه من الحياة. وكل ما قلته في مقدمة حواري معك أؤكد عليه -ما يتعلق بالتحالف الوطني بين الأطراف السياسية وشرائح المجتمع البارزة، التي تلعب دوراً كبيراً في البناء والتحديث. وأخص بالذكر شريحة رجال الأعمال. وأنا أتفهم أسباب عدم إقبال هذه الشريحة على المشاركة الفاعلة في أية نشاطات سياسية، وعلينا مساعدتها على تحريرها من الخوف. وهذه مهمة السلطة بدرجة رئيسة. فالسلطة تتعامل مع هذه الشريحة بوصفها بقرة حلوب فحسب.
 أما فيما يتعلق بالركن الثاني وهو الديمقراطية فما من شك في أن بلادنا شهدت تحولاً ديمقراطياً نسبياً ولكنه قابل للتطور الإيجابي في حال توافرت شروطه. لكن ثمة قوى متنفذة في المجتمع لا تخشى تكريس تقاليد ديمقراطية فحسب، وإنما تجاهد في سبيل تعطيل أي توجه جاد نحو الديمقراطية؛ لذلك نجد أن الحياة السياسية معطلة، رغم ما نشهده فيها من حراك. نحن جميعاً معنيون، في حوارنا مع الأخ الرئيس علي عبد الله صالح، بأن نبين له تبعات استمرار هيمنة القوى المتنفذة على مختلف الصعد. هو نفسه محاصر من قبل هذه القوى المتنفذة، وهي موجودة في داخل حزب المؤتمر الشعبي العام وفي المجتمع، على السواء. كل شيء مسخر لخدمة هذه القوى. وجهود الأخ الرئيس على عبد الله صالح لم تستطع أن تحوّل حزب المؤتمر الشعبي العام إلى حزب فاعل في الحياة السياسية ينتصر لمشروع نهضوي؛ لأن هذه القوى المتنفذة تحول دون ذلك. وهي تتصرف على هذا النحو بكامل وعيها. وإذا كان المؤتمر الشعبي العام لم يتحول بعد، إلى حزب سياسي فاعل في الحياة السياسية، فكيف ستستقيم الحياة السياسية في بلادنا؟ وكيف يمكن تفعيل دور أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي يتم الاعتداء عليها وخلق منظمات بديلة لها؟ الديمقراطية تتجسد بوجود مؤسسات دولة فعالة وفق الدستور، وبوجود فصل تام بين مختلف السلطات. والديمقراطية تتجسد كذلك من خلال ضمان حق الاختلاف في الرأي، وحق التعبير والنشر، وحق التظاهر والإضراب وحق تشكيل الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، كما تتجسد في حق التداول السلمي للسلطة. 
* هل نفهم من كلامكم أن الرئيس صالح لا يستطيع أن يعيد الأمور إلى نصابها وهو رئيس الحزب الحاكم؟
– أنا على يقين أن الرئيس علي عبد الله صالح صادق في توجهاته الديمقراطية، لكن مصالح القوى المتنفذة تعطل كل التوجهات الديمقراطية الإيجابية في الحياة السياسية، وبالتالي يصبح مشروع الأخ الرئيس للإصلاح، بالضرورة، معطلاً. لكن الصورة ليست قاتمة كلياً. وكلنا نعلم، في دوائر الحكم وفي المعارضة، أن الديمقراطية هي سبيلنا إلى ولوج العصر. نحن اليوم في مطلع الألفية الثالثة، وبسبب هيمنة القوى المتنفذة نجد أنفسنا نعيش -في بعض جوانب حياتنا- في العصور المظلمة. إن الديمقراطية هي وسيلتنا للتحرر والإنعتاق من كل القيود التي تشدنا إلى الماضي. وبغيابها لا أمل في تكريس سلطة الشعب وسيادته. ولذلك تغدو الديمقراطية حاجة موضوعية للنهوض بالوطن.
* كيف تتحقق العدالة الاجتماعية في ظل هذه الممارسات من قبل القوى المتنفذة؟
– الركن الثالث، في المشروع النهضوي الذي أدعو إليه، العدالة الاجتماعية. وأذكِّر بقولين عظيمين لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأدعو إلى التأمل في معانيهما. يقول في الأول:”ليس منا من بات شبعاناً وجاره جائع / أو طاوٍ “. فيما يقول في الثاني: ” الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار “. معاني هذين القولين العظيمين تنسحب على كل العصور. ذلك لأن العدالة الاجتماعية هي قيمة خالدة، وفي غيابها يعم الفقر ويستفحل الفساد، وتختل العلاقات بين فئات الشعب ويزداد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً. وفي بلادنا مظاهر جلية للثراء الباذخ، يقابلها مظاهر للفقر يكون معها الإنسان فاقداً لآدميته. ويغدو التعليم متدنياً جداً، إن لم يُحرم منه عدد كبير من أفراد المجتمع. كما تغدو الخدمات الصحية ترفاً لا يقدر عليه الفقراء، حيث تصل نسبة الفقر في بلادنا، حسب البيانات الرسمية، إلى حوالى 40%، وهذه النسبة قد تكون أقل من الحقيقة. كذلك بالنسبة للبطالة المرتفعة. 
* في نظركم، ما هو السبب؟
– الإجابة بمنتهى البساطة، سوء توزيع الثروة الوطنية، وغياب خطة اقتصادية تنموية تستهدف النهوض بالقطاعات الحيوية. فالقاعدة الإنتاجية ما زالت ضعيفة رغم توافر شروط النهوض بها. ومما تقدم يتبين لنا أن المجتمع ككل، بشرائحه الحية، معني بمعالجة الاختلال الذي يشكو منه في مختلف جوانب الحياة. وتغدو العدالة الاجتماعية مَهَمّة نضالية لكل شرائح المجتمع، حتى بالنسبة لشريحة رجال الأعمال. فضعف القدرة الشرائية لغالبية المواطنين يدفع برجال الأعمال إلى البحث عن أسواق خارجية تؤمِّن لاستثماراتهم عوائد مجزية.
لهذا أعود لأؤكد أن التحالف الوطني هو الحل لكل مشاكلنا وهمومنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. واللقاء المشترك هو النواة.