موت الذئب الأعمي – عناية جابر

موت الذئب الأعمي – عناية جابر

في اوائل هذه السنة، سنة 2007، سأعرف ان اسامة الدناصوري مات. كنت تعرفت عليه اواخر سنة 2006. لشدة قنوطه، كلمني عن قيامته الجديدة، ومشاريع ينتويها. ولكي يتأكد من انني اصغي، اعاد علي مسامعي تكرارا انه يكتب كثيرا في هذه الايام، وكلما انتهي من ورقة كتبها يأخذها حمدي حالا من يده، ويرسلها الي الطباعة. فيما بعد، واثر اعتذاري عن مرافقته الي عند محمد هاشم في دار ميريت لنلتقي بالشباب، نظرا لارتباطي بموعد سابق، مكث برهة يتأملني كأنني اخون عامدة رغبة اثيرة في ايامه الاخيرة، ولو عرفت فعلا يا اسامة انها الاخيرة، لذهبت معك الي حيث تشاء.
كنت قرأت لاسامة مؤخرا في اخبار الادب نصا نثريا من كتاب يوميات عنونته ب اخبار الادب ب كلبي الهرم، كلبي الحبيب، في ما يصدر في الحقيقة عن ميريت تحت عنوان يوميات العادي وفيه ينتشل اسامة تفاصيل حياته القليلة مع الفشل الكلوي، فوقعت الي الابد، اسيرة فتنة شاعر لم ألتقه قبلا. سعيت اليه في زيارتي الاخيرة الي القاهرة. وافاني الي استوريل حكينا وتعارفنا ثم انضم الينا الروائي حمدي ابو جليل، صديقه.
انني حساسة ازاء الكائنات التي احدس بغيابها عن عالمنا. لكنني لم التقط هذا مع اسامة، وما خمنته يموت قريبا. في الثانية عشرة ليلا او نحوها، رن جرس الهاتف في غرفة نومي في القاهرة، بادرني حمدي الي دعوتي الي الخروج بصحبتهم: معانا عربية مش حنغلّبك قلت لحمدي مغالبة النوم انني استيقظت لتوي من نوم عميق ولا رغبة عندي بالخروج، اجابني: انتي جاية تنامي، اسامة معايا وعايز يشوفك. كان لدي اسامة شغف ممارسة الليل، دونما امل او متعة، دونما شعور بالديمومة او ايمان بالحق في البقاء، انما بالجمال المحتوم لليل القاهرة.
يمتلك اسامة، او كان امتلك صمتا محتدما، وكأنه فخ مفتوح علي كليتين معطوبتين استطعت ان اسمع فيهما همهمة الألم. لاسامة: ذئب اعمي و حراشف الجهل و عين سارحة وعين مندهشة و علي هيئة واحد شبهي قرأت بعضها وهي تعمل مثل المنقب الآثاري بحثا عن التفاصيل الميتة، غير انني ألقيت الي قلبي فورا نصه الأخير يوميات العادي النفيس، الهائل. وافاني اسامة ايضا الي مقهي شعبي في ميدان التحرير وسط البلد مع ان رغبته كانت ان اقطع الامتار القليلة واقابله في النادي اليوناني. اتصل من موبايله مستفسرا عن مكان وجودي، وبقي يلف لاكثر من ساعة حتي اهتدي الي مكان ركن فيه سيارته.
بدوت مشوشة حياله، كطفل اكتشف توا ان للانسان حياة واحدة، فعرضت علي اسامة ان نعوض هذه الفداحة بالكتابة، او لربما نندفع وراء كل الرغبات دفعة واحدة، تأخذنا الي مسراتها. سألته هل يسمح لك الغسيل بالسفر، قال انه يتدبر امره داخل مصر، وفي احدي المرات التي دعي فيها الي احد المهرجانات الفرنسية، اعتذر منه حين عرف بمرضه، نظرا للكلفة الباهظة التي تحتاجها عملية غسل الكلي اليومية. منحتني معرفته ايضا، احساسا فياضا بالوجع، توجعت عني وعنه، وكان استثنائيا ان نبدو فجأة كصديقين قديمين.
مات اسامة قبل ان يضيف اسمي الي اللائحة التي كان يعدها، والمرشحة للمشاركة في عزائه. كتب في نصه تحت عنوان فرعي من سيأخذ عزائي. اقتطعت الآتي: هاجمني الاحساس بقدوم الموت مرة اخري. ذلك الهاجس القوي الذي احتلني منذ اول الليل، وحاولت الفكاك منه طوال الوقت، ويبدو انني لم استطع. برقت في ذهني القائمة التي اعددتها منذ قليل وبها الاسماء المرشحة لأخذ عزائي. حاولت تحريك يدي، ثم ساقي، لم استطع. كانت هناك تنميلة باردة تزحف في الاطراف متجهة الي الداخل. قلت اهكذا يكون؟ وفجأة تذكرت انني لم اكتب اسم سهير مع باقي الاسماء في القائمة، (يا خبر) كان يجب ان يكون اسمها قبل الجميع. لقد اتيت شيئا مدهشا في ملامستك عالما زائلا وصائرا الي العدم. كتبت من اعماق الاسرار الغامضة لكليتين سوداويتين وكتبت وعيناك الذئبيتان مغمضتان واذناك موصدتان من الداخل اليقظ. انني اختنق تحت وطأة انك لم تعد موجودا، ولم يعد بوسعي سؤالك الاسئلة التي تجعلني اتملص من الطعنات.