فإذا ما مرت عليكم غيمة باردة، حمّلوها السلام إليه: أسامة الدناصوري… هل تسمعني؟ – هاني درويش

فإذا ما مرت عليكم غيمة باردة، حمّلوها السلام إليه: أسامة الدناصوري… هل تسمعني؟ – هاني درويش

سأحاول الكتابة مدعياً بعضاً من البرودة كما فعلت سابقاً معه، سأقول مثلاً ذلك الكلام المألوف عنه بأنه كان حمامة سلام الأجيال الأدبية وأمير التسامح مع أكبر كم من الكائنات التي لا ترقى لمستوى الكلمة. سأحاول أن أتجاوز مشهده وهو ممدد قبل الوفاة بساعات وقد امتلأت جغرافيا جسده المتضائل بخراطيم موصولة بشاشات ترصد إنسحاب الحياة بلا خجل، سأقول مثلاً كيف فتح عينيه للحظات وحاولت إبتسامته تجاوز أورام الوجه فخرجت زفرة من صوته المتألم. قبّلته على ركبته المنثنية تحت الكوفيرتا فيما نهاية محجري العينين مخطوط بسيل من الدماء المتجلطة، لم أجد مفراً لنفسي إلا برسم ظل إبتسامة وأنا أردد: أيه يا عم ما أنت بقيت زي الفل أهه، يالله قوم بقى “… فزاغت عيناه للمكان الآخر الذي جاء منه. على الباب قال لي يحيى:تماسك أمال لو شفته من يومين في مستشفى الجمهورية للتأمين الصحي، كان جسمه بيجيب دم من كل حتة، كده الحمد لله بقى كويس”.
سأحاول مرة أخرى أن أكتب عنك يا أسامة الدناصوري ببعض من البرودة لتوازي بعضا من برودة تلك الليلة. فبعد الزيارة بساعات قليلة وبعد أن هدّأت كلمات يحيى مخاوفي وقللت من حجم الألم المستحق عليك، جاءت مكالمة ياسر عبد اللطيف قبل منتصف الليل بقليل “أسامة تعيش أنت”. لم أجد إلا كلمة واحدة بقيت أرددها منذ أن كنت جالساً على الكنبة حتى وصولي إلى مركز القاهرة لأمراض الكلي. كلمة لم أدرك أنني أستعرتها من قاموس أمي الحزين كلما حان فراق أحد الأحبة: “يا حبيبي يا أسامة”، فيما دموعي تنهال كما لم أبكِ في حياتي. أولول فيما أسحب المفاتيح. أولول فيما أرتدي ملابس مرتجلة لتقيني برودة أقسى ليالي شتاء القاهرة هذا العام. أولول بها، بالكلمة: “حبيبي يا أسامة”. ولا أعرف حتى الآن كيف قدت السيارة. أمام المستشفى إصطف البعض وعلى درجات السلم تمدد آخرون وفي الممر الضيق كان ياسر وإلى جواره بعض من أقنعة الأطباء المعقمة مرمية على الأرض تشاركها القفازات البلاستيكية مصيرها الخائب. شاش طبي ملوّث وسجائر مطفأة من المنتصف أمام غرفة الجسد الذي كان منذ لحظات أسامة. إستندت الى إطار باب الغرفة وكان هناك قابعاً تحت ملاءة بيضاء شبحاً كالأطفال. كم كان جسده صغيراً ياالله، جسد هو الآن تحت أيدي أمه التي تقرأ القرآن ذاهلة، جسد لا أكثر، لماذا لم يأخذوه وقد ظل عبأ عليه وليتركوا مثلا ضحكته الصافية، أو ليتركوا ظل عينيه التي لذئب طيب. ليأخذوا ما شاءوا وليتركوا مثلاً الصوت العميق الساخر الذي كان يدفع الجميع إلي الإنصات. ليتركوا الصمت الذي يتبع كلماته فيما أوركسترا العقل تندفع للإشتباك مع ما قاله. الموت هذه المرة غيب كل هذا الأثر المدوّخ للقلوب وترك للناس الجسد الخائن. الجسد الذي ما تناسب يوما مع روح مزهرة كروحه. الجسد الذي كان إضافة له في كل حين، وربما لأنه أدرك ذلك كان أكثر الناس خفة في الحضور المادي. يدخل كشبح. وينسحب كشبح، لا يترك أثراً على المقاعد التي أستوي عليها، سيجارته المطفأة من لحظات عند هاشم لم تعاني من آثار الدهس، فاليدان كانتا أرق من أن تتحملا ذنب حياة منطفئة. كانت يداه دقيقتين يلتققان بفتاة من الجيشا، يدان كثيراً ما تأملتهما وهما تعملان بدقة من يصلح ساعات على جسد ورق البفري. وكثيرا ما تخيلته يكتب بهما على ورق صغير وشفاف في حجم قبضة اليد… يتناثر هذا الورق الآن في جيوب معاطفه الطويلة المتأنقة. يدان، وياللمفارقة، يلتقان بطبيب أطفال. كان دائما ما يحتاط بهما من خيانات جسده لهما فتراهما مرتكزتين على ردفيه، أو ممسكتين بمساند المقعد وكأنه على وشك الإقلاع. لكنني قد وعدتكم بقليل من البرودة فها أنا استحضره بصهد غرفة النهاية وأدخنة سجائره البطيئة التمدد. ها أنا أستحضره بتفاصيل اليدين بعد لعنة الأجساد التي طاردته. أنتحدث مثلا عن عذابات الروح وفيها الكثير، منها كونه أكثر المتسامحين مع أضداده من الناس. في العزاء مثلا تمدد صنفان منهما لا يجتمعان إلا في أجندة تليفونات أسامة، متطرفان بحجم تطرف الظاهرة البشرية. لما لا وقد ترك مساحات الوسط العادي لأصحابه الذين يتمددون الآن في وحدات غسل الكلي عبر ربوع القاهرة. هؤلاء العاديون المتصالحون بفخر مع آلام مرض مصر الأول، هؤلاء الذين سيستقبلون خبر أسامة بكثير من الرحمة فيما يسقط أسمه من إحدى الوحدات ليحل فيه من طابور الموتى المستقبليين مرشح جديد. أما من إمتلأت بهم صالة العزاء في عمر مكرم فقد إنتهى الجسر البشري الواصل بين شقاقاتهم اللانهائية. سيعودون لمعارك الخنادق دون نبيل كان يقدم لهم السلوى فيجتمعون عند أطراف مقعده، وكأنه بشطآن تعاطفه الممتدة كان جديراً بزمان آخر. كان جديراً بلغة أخرى. فأحياناً، وأمام معظم قصائده، كنت تتأمل ذلك التدقيق والنحت في لغة تبدو ضيقة على خيال هذا السيميائي. خيال مصفّى ومقطر إلى حدود تدفعك للبحث في ما بين السطور عن ما لم يقل. تدفعك للسؤال كيف فعلها هكذا؟ كيف أحال العادي المجاني من اللغة إلى هذا الشطر؟ وتصدقه، تصدقه في شعر التفعيلة كما بدأ، ثم تؤمن به في قصيدة النثر كما أختار، ثم تؤمن به وهو يحول يوميات مرضه الأخير إلى نثر لا شعر فيه وإن لم يخل من الشاعرية. أسامة الصادق، هكذا كان إذا ما كتب للأسماء أن تكون على مسمى، إذا ماكتب عليه أن يتجاوز مأزق إسمه الذي طارده: دناصوري أم ديناصوري. حتى ديوانه الأول طارده إرتباك التسمية، حراشيف الجهل أم حراشيف الجهم، وكأنه جاء للحياة في سوء فهم كامل. إثنا عشر عاماً من المعاناة وآلآف الليترات من الدماء المغسولة سدّت مسام الجسد الخائن فلم تقبل مدخلا كي تُخرج دماءه للتنظيف، إنسدت المسام فسقط مطر خفيف ذلك المساء لأول مرة هذا العام ربما ليزيل سوء تفاهم مع الحياة إستمر 47 عاماً بالرحيل.