أخيراً… تكلمتُ فاسمعوني! – أحمد القرشي*

أخيراً… تكلمتُ فاسمعوني! – أحمد القرشي*

قل عنهم: سخرة, وقود معارك غيرهم, مقاتلون بالوكالة, ونحو ذلك يمكنك إطلاقه على ما يقرب من (1500) صحفي يمني، منهم حوالى (1050) مسجلون في كشوف نقابة الصحفيين اليمنيين، والبقية صحفيون عاملون في الميدان بكفاءات عالية يعرف أعضاء مجلس النقابة معظمهم جيداً. هذا الكم من المثقفين والمبدعين وحملة الفكر يداسون تحت أحذية قيادات وسائل الإعلام الرسمية، والحزبية، لا فرق.
بعض أحزابنا تمتلك القدرة على تمويل جبهات حرب بكل ما تحتاجه من معدات وعتاد لسنوات  (وقد فعلت من قبل) لكن حين تصل المسألة إلى حقوق المقاتلين في جبهة الكلمة الحرة الشريفة في ظل أوضاع معيشية طاحنة، نجدهم يتعللون بالفقر وقلة الموارد, في حين نجد نفقاتهم على مقرات العمل السري الذي لم يبارح أساليبهم في التنسيب وكسب الأفراد الجدد، كبيرة جداً.
إن غالبية من ينتقدون الدولة ويلعنون الرئيس ورئيس الحكومة وبرلمان الأغلبية ومن يلعنون المعارضة أيضاً، مضطرون لذلك؛ فطبيعة عملهم لدى صحف السلطة والمعارضة تجبرهم على المشاركة في مهرجان اللعن كضرورة لمسايرة التوجه.
هذه الأحزاب التي ندافع عنها وتطحننا, نقاتل عنها وخناجرها في خواصرنا، لن تكون قادرة على قيادة شعب بأكمله على ما أظن.
في اعتقادي بأن حزباً يفشل في تحسين وضع (20) موظفاً لديه، سيكون أفشل في إنقاذ وضع (21)مليون آدمي.
يا سادتي الأعزاء اعذروني!! هل بكى أحدكم بسبب ضيق الحال؟ هل رجع أحدكم إلى أسرته بعد أن أشرق الصباح وهو يناضل في صحيفة الحزب فوجد أسرته لا تمتلك وجبة إفطار قيمتها لا تتجاوز دولاراً واحداً؟ لن أوضح أكثر.
قد أكون بنظر البعض متمرداً, كافراً بأنعم الحزب, “مشولح”, “ضابح”. لكن صدقوني حين أقول بأنني لا أتحدث بدافع التمرد والمروق أو الخروج على المبادئ السامية, كما يحاول بعض المتذاكين في أحزابنا تصويرنا حين نبوح بما لا يروقهم. أنا حين أطالب الصحف التي نعمل لديها بتحسين ظروفنا المعيشية لا أطلب ترفاً, بل أطلب حقاً يجب الإصغاء له والاستجابة.
كنت أتمنى أن يتركونا ولو لليلة واحدة نفرح بتصريح وكيل نقابة الصحفيين حول قبول الإصلاح رفع مرتبات صحفييه 100%،  لكن يا فرحة ما تمت!!
بصراحة نحن نعمل معكم بـ”وسخ الفلوس” فهل أنتم مدركون ذلك؟!
ليس هناك ما أخشى عليه بعد اليوم؛ ثلاثة أشهر بلا إيجار و(35000ريال) ديون البقالة ولا أفق لكارثة ستحل قريباً اسمها العيد الكبير لخمسة أطفال وأمهم, أليس ذلك كفيلاً بجعل الحمار ينطق؟!!
مطلوب من صحفي الحزب أن يقاتل باسم الله, باسم الوطن, باسم الثورة, الزعيم الملهم, لافتات كثيرة يقاتل تحتها بالنيابة وثمة من يستثمر قتاله وليس له حق الموت بشرف!!.
رسالتي إلى رئيس الجمهورية: لست بحاجة إلى تكثيف الإجراءات الأمنية في ملاحقة الصحفيين رغم اعتقادي  بأنك لست وراء كل ما يحدث لهم من انتهاكات وما ترتكب بحقهم من جرائم قد تكون تصرفات فردية من بعض المتحامسين في الأمن الباحثين عن تسجيل حضور لإخلاصهم. ورسالتي يا فخامة الأخ الرئيس بأن ما تصرفونه على شيخ قبيلة خلال عام يكفي لإعالة مائة صحفي مع أسرهم، وكم في هذا البلد؟ (1500) صحفي؟ (2000) صحفي؟ قليلون جداً!! لماذا لا يتم تحسين وضعهم بمرتبات ومكافآت محترمة تضمن لها عيشاً كريما ؟ فقط حَسِّن وضع العاملين في وسائل الإعلام الرسمية وافتح المجال أمام انتقاد الفساد وأهله وفضح المسؤولين الفاسدين عبر الإعلام الرسمي وسوف ترون مصير صحف المعارضة.
ما قاله الزميل حمدي البكاري في “الوسط” حول العقليات الماقبل التسعينية التي ما زالت تحكم قيادات الأحزاب السياسية لم يكن من فراغ، وما حصل لنبيل الصوفي وجمال أنعم لم يكن صدفة، وما تعرض له زملاؤنا في التلفزيون من تقارير مخابراتية بأقلام زملاء الكفاح لم يكن عارضاً، وما يناضل عظماء “الجمهورية” -الصحيفة- لتحقيقه ليس ترفاً. كلها مؤشرات تستدعي وقوف الجميع حيالها.
يا ساداتنا الاجلاء، نكاد نطفح, بل طفحنا, دعونا نصرخ, نصرخ دون خوف من التقارير الامنية المرافقة لكشوف “وسخ الفلوس” التي تسمى مرتبات.
لقد كشفت صحيفة “العربـ” القطرية التي لا تزال قيد الإنشاء مدى الأزمة التي ستمنى بها صحف السلطة والمعارضة في حال توفرت لنا خيارات عمل جديدة وجيدة. لقد بعث كل العاملين في الصحيفة وربما في الصحف الأخرى بسيرهم الذاتية إلى قطر بحثاً عن فرصة عمل في القادم الجديد، حتى أن أحد الزملاء رد عليّ بطرافة حين سألته: هل تقدمت إلى القطرية؟ قال: حتى نقيب الصحفيين وربما النقيب السابق قدموا.
نحن نلعن السلطة ونشهر بها، ونلعن المعارضة وننال من مشروعية طرحها؛ هرباً من لعن أنفسنا. نلعن السلطة نقول بأنها تنتهك حقوق الصحفيين أمنياً لكن هل تساءلنا عن نسبة ذلك مقارنة بالانتهاكات المادية؟ إن هذه الأخيرة تمارس على مدار الساعة وقليل من يتحدث عنها, لذا أدعو زملاء المهنة إلى تحديد يوم نخصصه لانتزاع حقوقنا وتوجيه دعوة لرئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان وأمناء الأحزاب السياسية ونشطاء حقوق الإنسان لإلغاء السخرة التي يعمل الصحفيون اليمنيون بقوانينها.
الأحزاب السياسية –حاكماً ومعارضة- تتصارع ولا تلوي على شيء. وهي من خلال صراعها ذاك تصدر أزماتها الداخلية وترحل مشاكلها. وأكاد أجزم بأن لا أحد لديه القدرة الفعلية على إنقاذ الوضع الراهن في البلاد اقتصاديا وسياسياً وثقافياً.
نحن يا سادتي الأعزاء نموت بصمت, نشنق بالغلاء والفقر وشحّّة خياراتنا أو انعدامها, مخيرون بين أن نموت وأطفالنا سخرة في صحيفة الحزب عاملين وفق ما تحدده هي من أجرٍ دون الحق في طلب الحق, وبين أن نُلقى إلى الشارع منتقصي الدين والكرامة والوطنية وربما منتقصي العرض حتى.

* محرر الحقوق في صحيفة “الصحوة”
[email protected]