مسجونة منذ 7 شهور بتهمة الاختلاء.. ليزا… والإعصار كاترينا

مسجونة منذ 7 شهور بتهمة الاختلاء.. ليزا… والإعصار كاترينا

مساء الخميس الماضي تلقت فاطمة محمد عثمان، 19 سنة، المقيمة في بيت عمها في مدينة تعز إتصالاً من إحدى العاملات في السجن المركزي بمدينة إب، تشعرها بأن السجينة «ليزا» منهارة نفسياً وصحياً «لأن أحداً لم يزرها اليوم».

الثابت أن لا أحد يزور «ليزا»، 17 عاماً، عدا أختها فاطمة وأمها زعيمة، وفي العادة يزرنها مرتين في الأسبوع إنطلاقاً من تعز، وأحياناً من عدن. تنفق زعيمة، الأم الباسلة، 9 آلاف ريال أسبوعياً لغرض تغطية كلفة انتقالها في التاسعة صباحاً إلى إب، وتزويد «ليزا» بمصاريف أسبوعية، ولتغطية نفقات أخرى صعُب عليها، هي التي لا تجيد العربية، كما ابنتها، أن تفند لي بنود صرفها، أثناء لقائي بها في مكتب محمد ديريه رئيس جمعية اللاجئين في البساتين، وقد فهمتُ بالكاد أنها تضطر إلى دفع مبالغ مالية لتسهيل الزيارة أو لمتابعة ملف ابنتها في نيابة جبلة.
لزعيمة خمسة أبناء، أكبرهم عبدالقادر، 24 سنة، المريض النفسي منذ صدمة فقد أبيه (الزوج الأول لزعيمة) عام 1998 جراء قذيفة عشوائية في الحرب الصومالية. حالياً يقبع عبدالقادر الإبن الأكبر لزعيمة في سجن تعز المركزي منذ سنة بسبب مشاجرات مستمرة في شوارع مدينة معشوقة من المجانين!
وإلى فاطمة وليزا وعبدالقادر، هناك صالح. 12 سنة، وعثمان، 16 سنة، الذي رافق أمه خلال زيارتها عدن الأسبوع الماضي لغرض إيصال حالة «ليزا» إلى مكتب المفوضية في خور مكسر.
تنفق زعيمة 9 آلاف ريال أسبوعياً لزيارة ليزا ومتابعة ملفها لدى النيابة، أي 36 ألف ريال شهرياً، ما يعني أن هذه المرأة المطلقة من زوجها الثاني قبل 6 سنوات، قد أنفقت نحو 200 ألف ريال لتغطية مصاريف زيارة ابنتها المحبوسة احتياطياً في إب منذ 7 شهور بتهمة الاختلاء!
كيف تدبر زعيمة هذا المبلغ أسبوعياً؟ تقوم بتطريز وتجهيز 100 غطاء رأس (مقرمة) كل ثلاثة أيام، وتتولى ابنتها الكبرى فاطمة انجاز 50 مقرمة، وتخصصان الجزء الأكبر من العائد الذي يأتيهما من صاحب أحد المحلات في تعز (وهو حسبما فهمت لا يتعدى 30٪ من سعر الوحدة).
زعيمة كانت في عدن طيلة الأسبوع الماضي، لعرض تطورات حالة ابنتها على محمد ديريه، الرجل الذي لا يعرف الراحة ويمضي ساعات يومه مستقبلاً في مكتبه أصحاب الشكاوى والمظالم، أو متنقلاً بين أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم والمستشفيات.
أبلغني محمد ديريه أنه حرر الاثنين الماضي مذكرة إلى مكتب المفوضية تطلب تقديم المساعدة لليزا. ومن المرجح أن تكون المفوضية التي تشكو من محدودية ميزانيتها قد نظرت في حالة ليزا، وقررت شيئاً ما بشأنها.
طبق رواية «الأم»، فإن ليزا اضطرت، لتساعد أسرتها، أن تعمل في محل كوافير في مدينة تعز. هناك تعرفت على زبونة تتردد على المحل اسمها كاترينا (اسم مستعار)، ونشأت بين الفتاتين صداقة، وفي يوم ما طلبت ليزا من والدتها السماح لها بمرافقة صديقتها إلى خارج المدينة لزيارة خالتها المريضة. بعد عدة ساعات كانت ليزا محشورة في غرفة من منزل في مفرق «جبلة» رفقة صديقتها وثلاثة شبان أحدهم عرض عليها الزواج (وتتحدث زعيمة العربية بصعوبة وهي بالكاد استطاعت أن تلفظ اسم جبلة)، ولما رفضت إبنه السابعة عشرة عرض الشاب، أخرج مسدسه، ملصقاً فوهته على جبينها طالباً القرب! قاومت ليزا التي اكتشفت أن صديقتها الطيبة استدرجتها مقابل المال إلى وكر ذئاب. وهي قاومت بشراسة وصرخت بكل ما أوتيت من قوة، فاقتحم رجال الأمن المنزل، وأنقذوها.
مراسل «النداء» في إب الزميل ابراهيم البعداني زار مكتب نيابة جبلة مستوضحاً عن حالة «ليزا»، وأبلغ هناك أن البنت بريئة، وأن التقارير الطبية تؤكد عدم تورطها في شبكة دعارة، وأن الصديقة المفضلة اعترفت باستدراج اللاجئة إلى المصيدة. لكن النيابة لم تفرج عن «ليزا» التي تصنف في القانون الوطني بأنها قاصرة، وفي الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل بأنها طفلة. وقد استمع مراسل «النداء» إلى تبريرات غريبة من رجال العدالة، أحدها أنه ما كان لليزا أن تمضي هذه الفترة في السجن لولا أن أحداً لم يساعدها!
وفقاً لزعيمة فإن ابنتها أخصعت 3 مرات لفحص طبي وتأكدت براءتها، وهي (أي الأم) التي بالكاد تستطيع التعبير بالعربية، شكت من سوء المعاملة في النيابة وفي السجن المركزي. كذلك شكت فاطمة، وقالت إنها غالباً ما تسمع ألفاظاً قاسية أثناء زيارة شقيقتها.
مراسل «النداء» نفسه تجرع سوء المعاملة في بوابة السجن المركزي، إذ ما أن علم أحدهم أنه جاء كصحفي لغرض زيارة الطفلة الحبيسة، حتى ابتدره معنفاً: «ما لقيت غير هذي الصومالية تسأل عليها».
أخفقت كل محاولات الصحيفة لزيارة المحبوسة احتياطياً منذ 7 شهور، بتهمة الاختلاء (!) طبق ما قررته نيابة جبلة.
وعلمت «النداء» أن زعيمة زارت ابنتها السبت، ووجدتها في حالة أفضل بعدما بلغ الإبنة أن شخصاً ما، غير الزائرتين الوحيدتين، حاول مقابلتها ولم يفلح لأن الزيارة ممنوعة على أي غريب، باستثناء الأقارب، وفق نظام السجن، لكن وجبة إفطار تمكنت صباح الجمعة الماضية من عبور بوابة السجن لتصل إلى النزيلة المنسية.
لم تزر «الأم» ابنتها أمس الثلاثاء، ومن المرجح أنها لن تستطيع زيارتها خلال الأسبوع القادم إذْ لم يعد لديها أية فرصة للحصول على أموال تغطي مصاريف انتقالها. وقد طلبت من فاطمة أن تتصل بمقر الصحيفة مساء الاثنين لتنقل لنا رجاء بأن يقوم شخص ما بزيارة ابنتها في اليوم التالي، لتشعر بأن جهة ما تتابع قضيتها.
«النداء» أبلغت منتدى «الشقائق» العربي بحالة ليزا، وتلقت وعداً من المنتدى بتكليف محامية بمتابعة ملف صبية قاصرة حملها إعصار كاترينا إلى مفرق جبلة، وأنقذها رجال الأمن من الاغتصاب لكن النيابة قررت قبل 7 شهور رميها في السجن بتهمة الخلوة!