د. ياسين سعيد نعمان،يواصل سرد مقاطع منْ: «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب» – المقطع الثالث

د. ياسين سعيد نعمان،يواصل سرد مقاطع منْ: «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب» – المقطع الثالث

 في هذه الفترة يسجل عبدالمرتجي وفاة والده بُعيد مشاركته في مسيرات يومَيْ 9 و10 يونيو 1967، فيقول على لسان والده:

«بعد أن تخطت المسيرة الجماهيرية «كوبري» التحرير باتجاه الميدان، أخذ يتأمل تدفق الجماهير إلى ميدان التحرير من الشوارع التي تصب روافدها فيه، وتتماوج في كتل بشرية تغطي كل المساحة الدائرية من مبنى جامعة الدول العربية ومبنى الاتحاد الاشتراكي وفندق الهيلتون والمجمع الحكومي وجامع عمر مكرم ومدخل شارع باب اللوق الذي غاص هو الآخر بالجماهير القادمة من مصانع حلوان مروراً بمطعم «أسترا» حتى المتحف الوطني، والشوارع المحاذية للجامعة الامريكية باتجاه مبنى مجلس الوزراء ووزارة الخارجية (سابقاً) وشارع «لاظوغلي».
لكنه لاحظ أنها حائرة، لا تدري إلى أين تتجه، أو من تخاطب، ولا تعرف من يوجهها، وإن كانت لا تقبل أي توجيه، وكأنها مشاريع مظاهرات حجزت في مكان ما سنين طويلة، واندفعت فجأة من الحجز الذي تصدَّع مبناه؛ خوفاً من انهياره عليها.. كان الخوف من انهيار المبنى، وليس التمرد على الحجز، هو الذي حركها نحو الخروج والتظاهر. وكانت شعاراتها تعبر عن هذه الحالة لا أقل ولا أكثر.
أما حيرتها، فذلك إنما لأنها لم تكن تثق بأن أياً مما تبقى من المؤسسات قادر على فهم رسالتها. لذلك فقد تركت رسالتها موجهة إلى شخص واحد، وهو الشخص الذي صارحها بمسؤوليته عن الهزيمة».
هكذا سجَّل والد عبدالمرتجي آخر ملاحظاته قبل أن يشعر بالإعياء، ويسند جسمه المنهك إلى كتف صديقه «الفوَّال» الذي شعر بأن الموت يزحف إلى جسم صديقه، فاستعان ببعض الحضور، ووسدوه مقعداً تحت إحدى الأشجار، ثم وافاه الأجل وأسلم الروح لباريها.
في المقبرة، أخذ عبدالمرتجي مقعداً بعيداً عن الحشد الذي تجمع لدفن والده. لم يشارك في الردْم، فقد كان يشعر أن والده لم يحض بمراسم دفن تليق بتلك المشاعر العظيمة التي حملها لأهله ووطنه. ولو أن الحياة منحته فرصة التعبير عن هذه المشاعر وإشهارها على نطاق واسع، كما حدث مع البعض، لاختلف الأمر، ولسجَّلت وفاته حدثاً ذا قيمة في حياة العائلة. أما في حالة والده فقد اختلف الأمر. ومع ذلك فهو يرى أن والده قد احتفظ بجوهره، على عكس من تصيبهم الشهرة. خسر الناس ومظاهر الإحتفاء التي تحيط بالمشهورين، ولكنه كسب نفسه. ويتذكر عبدالمرتجي أنه قرأ ذات مرة خلاصة تجربة لأحد الحكماء تفيد بأن الشهرة تدمر الإنسان من الداخل، ولا تبقي إلا على مظهره الخارجي؛ لأن الأصوات التي تأتيه من خارجه حينذاك تكون من القوة بحيث تعطِّل تفكيره المستقل، ويتحول من منتج للفكرة إلى مستهلك لها، ومن مبدع في إقناع الناس إلى مراوغ لإرضائهم. وتفرض عليه ضغوط الشهرة أن يبحث في الظروف الصعبة عن أدوات أخرى غير المواقف الحاسمة التي تميز بها لتجنب الصدام، ويتخلى تدريجياً -بسبب ذلك- عن مكمن قوته التي أكسبته الشهرة. ويرى عبدالمرتجي أن والده لو كان قد أصاب شيئاً من الشهرة لما حافظ على جوهره النقي. وها هو في مقعده يشهد لحظة الوداع وقد غمره الحزن. يتذكر آخر حوار دار بينه وبين والده يوم 9 يونيو وقد عاد من المسيرة في غاية الارهاق والسعادة في آن واحد.
«قال والدي: يا عبدالمرتجي هل تعرف ما هي المشكلة؟!
سألته: ماهي؟!
أجاب: أنا أُشبِّه حالتنا بأسرة كبيرة، تولَّى كبيرها كل العبء نيابة عنها، ومن حبه الشديد لها أخفى عنها معاناته في توفير رغيف الخبز لها. واحترمتْ هي بالمقابل خصوصيته حتى صار هذا الإحترام مع المدى ضرباً من اللامبالاة والتواكل.
قلت له: لقد تعودنا أن نلقي بالمسؤولية على زعامتنا عبر التاريخ، دون أن نفرِّق بين زعامة تسرق رغيف الخبز، وأخرى تشقى وتعاني من أجل توفيره وتنظيفه وتقديمه دون أن تنتظر منا شيئاً بالمقابل سوى أن لا نتدخل في عملها.
نظر إليَّ بدهشة، وأنا الذي لم أتعود مجادلته، وبعد لحظة من الصمت قال: هذه هي المشكلة، أن لا نتدخل في عملها!! وكأننا إضافة، لا يعنينا من شؤون الدنيا سوى ما يقرره الحاكم نيابة عنها. نُختزل إلى متسولين لرغيف الخبز. والنتيجة هي أن هذه الزعامات لا تستطيع أن تمنع سرقة رغيف الخبز التي تتم بطرق مختلفة بسبب غياب المشاركة الشعبية. وهي نتيجة لا تختلف كثيراً عن السرقة المباشرة. الفرق هو أن هذه الزعامات النظيفة والمخلصة لا تتكرر، وبالتالي فإن البلدان تخسر إلى جانب الخبز ما هو أهم: الفرصة التاريخية. ضياع الفرصة التاريخية يا ولدي لا يعني أن سنين معدودة قد ضاعت هباءً، بقدر ما يعني أن فكرة نبيلة قد هُزمت لأسباب تافهة. وفي تجربتنا تكمن الأسباب التافهة في أن عناصر الفكرة لم يُسمح لها أن تجتمع معاً وفي وقت واحد. بل يمكن القول أن الفكرة نفسها قد ضاقت ببعض عناصرها، مما اضطرها إلى تأجيلها أو شطبها، وهو ما أدى إلى تشوه وكسور في أهم مفاصلها: المشاركة الشعبية. فلم تستطع بسبب هذه الكسور أن تقف في وجه العواصف؛ لأن قاعدتها الاجتماعية لم تكن في وضع يسمح لها بالدفاع عنها؛ لما اعتراها من حالة سلبية. مع العلم أن الزعامات كانت قد خرجت أساساً من وسط هذه القاعدة العريضة وعبَّرت عن همومها.
المشكلة هي أنها أخفقت في وضع هذه القاعدة الاجتماعية في مكانها الصحيح من الفكرة، تركت بينهما مساحة شاسعة ملئت بالأجهزة وبالمنتفعين، وكان ما كان.
هزيمة الفكرة النبيلة من داخلها أخطر من هزيمتها من خارجها، لماذا؟! من داخلها، يعني أنها تعرضت لإنهيار من نوع ما، ولم تعد تملك مقومات الدفاع عن نفسها أو الاستمرار. أما عندما تكون الهزيمة من الخارج فإنها لا تعبِّر بالضرورة عن إنهيار، وإنما عن حاجة ملحة للتجديد؛ لأن عناصر المقاومة، وإن ضعفت أو تراجعت، تظل محتفظة بحيويتها ومرونتها إزاء التغيرات الخارجية.
سألت والدي: وهزيمتنا من أي نوع هي؟!
أجاب: لا يزال الوقت مبكراً للحكم على ذلك.. لكن الشيء المؤكد هو أن تغيرات هامة ستصيب الناس تجاه أشياء كثيرة. سيتراجع وهج الفكرة إلى ما وراء هذه التغيرات؛ المبشرون بها سيفتشون عن غطاء يخفون فيه خيبتهم ليتسنى لهم خوض غمار هذه التغيرات وإعادة دمج أنفسهم فيها. أما المقاومون للفكرة فسيهبون من مخابئهم كما يهب النائم من حلم مزعج ليكتشف أن الحياة قد أعدته للإنتقام أكثر مما أعدته لأي شيء آخر مفيد».
وعند هذه النقطة سيتوقف عبدالمرتجي طويلاً، سيسأل نفسه:
«لماذا لم يتغير حالنا نحن أسرة عبدالمرتجي عندما لاحت أمام أمثالنا من الطبقات الفقيرة فرص التغير، وهي فرص انتظرناها قروناً؟! ربما لأننا و قفنا خارج أسوارها ننتظر قدومها إلينا كمن يختبر صدق نواياها. بينما راح آخرون يتسلقون الأسوار غير عابئين بالنوايا، ومعظمهم ممن لا يهتمون بالنوايا كثيراً، ولا يثقون في قدرتها على الصمود أمام متغيرات الحياة.. يلتقطون اللحظة ويمضون، غير عابئين بما تولده المسيرة خارج هذه اللحظة من إخفاقات. المنتظرون أمثالنا هم الذين يتلقون صفعات هذه الإخفاقات. نحن نهتف وغيرنا يصطف على المائدة، نحن نموت وقناصو اللحظة الثورية يصوغون بيانات النعي ويوزعون أنواط الواجب ونياشين البطولات والاستشهاد».

>  يتبع
 
المقطع الثاني
 
المقطع الأول