من يدفع الضرائب – رياض يحيى الغيلي

من يدفع الضرائب – رياض يحيى الغيلي

لم يذهب بعيداً حين اعتبر خالد طه مصطفى، نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية، النظام الضريبي في اليمن قيدا على التنمية وليس حافزا لها، ولم يكن مدير عام اتحاد الغرف التجارية الصناعية الدكتور/ محمد الميتمي، مبالغاً حين ذكر أن اليمن أدرجت، حسب آخر تقرير لمؤسسة التمويل الدولية، ضمن العشر الدول الأبرز في العالم التي يكون فيها معدل الضريبة مرتفعا.
واليوم عاودت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا عقد جلساتها للنظر في الدعوى المرفوعة من الغرف التجارية والصناعية ضد الحكومة بالطعن في دستورية قانون الضريبة العامة على المبيعات.
والذي أريد أن أذكر به هنا هو عدم شرعية الضرائب بشكل عام، والمطلوب من المحكمة العليا أن تثبت للشعب وللعالم بأسره استقلالها وانحيازها للشرع أولاً، ثم للدستور الذي تعاقد عليه كافة أبناء الشعب حكاماً ومحكومين، وأن تحكم ببطلان كافة القوانين الضريبية التي أرهقت كاهل المواطن.
ولتوضيح رأي الشرع في الضرائب المفروضة قام الكاتب بإجراء هذا البحث المتواضع، ويقدمه للرأي العام إبراءً للذمة.

تعريف الضريبة
إذا كان علماء الاقتصاد يعرفون الضريبة بأنها: فريضة إلزامية، يلتزم الفرد بأدائها إلى الدولة تبعا لمقدرته على الدفع، بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤديها السلطات العامة، وتستخدم حصيلتها في تغطية النفقات العامة.
فإن ديننا الإسلامي الحنيف يعرفها بمصطلح مشهور هو “المُكس”، والمكس: هو كل ما يؤخذ من الناس دون وجه حق.
ومن ذلك ما جاء عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يدخل الجنة صاحب مكس”(1).
وعن عبد الله بن عمرو قال: “إن صاحب المكس لا يُسأل عن شيء، يؤخذ كما هو، فيُرمى به في نار جهنم”(2).
وكتب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- إلى عدي بن أرطأة أن: “ضع الفدية، وضعْ عن الناس المائدة، وضع عن الناس المكس، وليس بالمكس، ولكنه البخس الذي قال الله تعالى عنه: «ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ»(هود:85)، فمن جاءك بصدقة فاقبلها منه، ومن لم يأتكِ بها فالله حسيبه”.
وكتب أيضاً إلى عبد الله بن عوف القاري أن: “اركبْ إلى البيت الذي برفح، الذي يقال له: بيت المكس، فاهدمْه، ثم احملْه إلى البور فانسفْه فيه نسفاً!”(3).
وإذا كان بعض أئمة الإسلام وفقهاؤه قد أجازوا فرض الضريبة على الناس في حدود معينة، وحالات خاصة، وأزمنة مؤقتة فإن هذا لا يعني جوازها على الإطلاق.
فالإمام الغزالي أجازها في حالة: “إذا خلت أيدي الجنود من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر “(4)، وأجاز فرضها في هذه الحالة على الأغنياء فقط، رغم أنها شرٌّ و ضرر، حيث يقول: ” إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين”(5).
ويرى إمام الحرمين “الجويني” في كتابه “غياث الأمم”(6) جواز فرض الضريبة إذا صفرت يد راعي الرعية عن الأموال، وفي حالات خاصة منها:
1. تعرض الدولة للغزو والاحتلال من قبل العدو، ففي هذه الحالة يجب على الأغنياء أن يبذلوا فضلات أموالهم، حتى تنجلي هذه الداهية، وتنكشف الفئة المارقة الطاغية.
2. في حالة فرض الحصار على الدولة، فتضيق لذلك الأحوال، وتنقطع الموارد والأموال، ففي هذه الحالة أيضا يجب على الأغنياء أن يبذلوا فضلات أموالهم، حتى ينجلي الحصار.
3. في حالة إعلان الدولة الجهاد في سبيل الله، لنشر دين الله، ولأن الاستنهاض للغزو والجهاد يقتضي مزيد عتاد واستعداد، فللإمام أن يكلف الأغنياء من فضلات الأموال ما تحصل به الكفاية والغناء، فإن إقامة الجهاد فرض على العباد.
وممن أيد هذه الآراء الإمام “ابن حزم”، والإمام “الشاطبي”.
وإذا كان هؤلاء الأئمة قد أجازوا فرض الضريبة على الأغنياء فقط، وفي حالات استثنائية، فإن جمهور علماء الإسلام قد حرموا فرض أي جباية غير الزكاة التي فرضها الله تعالى على عباده، وهناك حادثة تأريخية مشهورة بطلها شيخ الإسلام “العز بن عبد السلام” عندما عارض سلطان مصر حينها (قطز) معارضة شديدة ومنع فرض الضرائب على الناس لمواجهة جيوش التتار، وعوضاً عن ذلك باع الأمراء المماليك وأموالهم لتمويل الجهاد ضد التتار، فلقب لذلك بـ”بائع الأمراء”.
وإذا كان بعض العلماء المعاصرين، وعدد من مجامع الفقه المعاصرة، ومجموعة من البحوث والدراسات الفقهية قد أجازوا جباية الضرائب، فقد اشترطوا لجبايتها شروطاً تحول بينها وبين هوى الحكام وشهواتهم، وتمنعهم أن يفرضوا على الرعية ما تنوء به الكواهل من الواجبات التي تدخل إلى خزائن المترفين منهم والمترهلين باسم المصلحة العامة، وشددوا أنه لا يجوز فرض هذه الضرائب والخزينة في غنى عنها ؛ لذلك وضعوا شروطاً لابد من توافرها حتى يصح القول بمشروعية هذه الضرائب، ومن هذه الشروط:
1. أن تكون هذه الضرائب أمراً استثنائياً تدعو إليه المصلحة العامة للمجتمع، وتدبيراً مؤقتاً، حسبما تدعو إليه الضرورة التي تقدر بقدرها، ينتهي ويزول بزوال العلة والحاجة.
2. أن لا يكون هناك في الخزينة العامة ما يكفي لسد هذه الحاجات، ولا ينتظر أو يرجى أن يكون شيء من ذلك، نظراً للظروف الطارئة، وأن يرد الحاكم وحاشيته ما عندهم من أموال فائضة إلى الخزينة العامة.
3. أن لا يكون هناك ترف وإسراف في النفقات العامة، وأن تكون الوظائف في الجهاز الإداري بقدر الحاجة، لا تزيد عليها، فليس من العدل إثقال كواهل المواطنين بالضرائب والجبايات وهناك بذخ في الإنفاق، وسفهٌ في التصرف بأموال الأمة(7).

من الذي يدفع الضريبة؟
عندما تأملت في قانون الضرائب على الدخل، والموازنة العامة للدولة للعام القادم، وجدت أن فقراء الوطن، وليس أثرياء، هم من يدفعون الضرائب مهما تعددت مسمياتها، وأكثر المتضررين من دفع الضريبة هم شريحة الموظفين الذين يدفعون الضريبة مرتين المرة الأولى خصماً من مرتباتهم، والمرة الثانية عند شرائهم للسلع والمنتجات التي دفعت ضرائبها وأضيفت على أسعارها!!
فعلى سبيل المثال: الإيرادات الضريبية المتوقعة خلال العام المالي (2007م) تقدر بمبلغ مائتين وخمسة وستين مليار وأربعمائة وثلاثة مليون ريال) منها واحد وسبعون مليار ريال تقريباً ضريبة المرتبات والأجور، أي ما نسبته (27%) من الإيرادات الضريبية!!
ناهيك عن الضرائب الأخرى التي يدفعها هذا الموظف المسكين عند:
1. شراءه لسلعة أو منتج أضيفت الضريبة على سعره، حيث تشير الموازنة إلى أن الإيرادات المتوقعة من ضريبة المبيعات مبلغ وقدره ثمانية وستون مليار ريال.
2. تسديده لفواتير الخدمات (كهرباء، وماء، وهاتف، وصرف صحي)، أو عند نزوله في فندق، حيث تشير الموازنة إلى أن الإيرادات المتوقعة من ضريبة الخدمات مبلغ وقدره(خمسة عشر مليار ريال).
3. شراءه للوقود بكافة مشتقاته، حيث تشير الموازنة إلى أن الإيرادات المتوقعة من ضريبة مبيعات المحروقات مبلغ وقدره سبعة عشر مليار ريال.
باختصار شديد (ما تعطيه الدولة للموظف باليمين تأخذه منه فوراً بالشمال).

مقترحات
حتى لا تتذرع الحكومة بشحة الموارد، وكأنها تريد أن تستعيض عن آبار النفط – التي تزعم قرب نضوبها- بفتح آبار أخرى من جيب المواطن الفقير كموارد بديلة، وتحت مسميات مختلفة، يقدم الباحث بعض المقترحات:
المقترح الأول: إلغاء كافة أنواع الضرائب المفروضة على أبناء الشعب بدءاً بضريبة المرتبات والأجور، وانتهاءً بضريبة المبيعات، وللقارئ أن يتصور حجم المنافع التي ستعود على أبناء الوطن من هذا الإجراء الذي سيؤدي حتماً إلى زيادة الرواتب ورخص أسعار السلع والخدمات، وتشجيع الرأسمال الوطني المتكدس في أذونات الخزانة أو الهارب خارج الوطن من جحيم الضرائب والابتزاز.
المقترح الثاني: الإبقاء على الضرائب المفروضة على الشركات الأجنبية غير المسلمة بدءاً بالشركات النفطية وانتهاءً بأصغر شركة أجنبية عاملة في الوطن، كونها ضريبة مشروعة، وهي تقابل “الجزية”، أو ما يسمى بالخراج الذي كانت تفرضه الدولة الإسلامية على الذميين. وقد لاحظ الكاتب أن متحصلات الضرائب على الشركات الأجنبية. العاملة في مجال النفط والمعادن فقط بلغت عام 2006 مبلغاً وقدره خمسون مليار ريال، ولكنها ألغيت تماماً ولم يتم الإشارة إليها مطلقاً في موازنة 2007!!! فما هو السر؟!!
هل انقلبت المفاهيم لدى الحكومة فأصبح المسلم ذمياً يدفع الجزية، والذمي مواطناً يعفى منها، أم أن هناك نية مبيتة لنهب هذا المبلغ الهائل دون علم من أحد؟!
وكيف غاب هذا الأمر عن بال أعضاء مجلس النواب الموقرين؟!
المقترح الثالث: الإبقاء على ضرائب مبيعات السجائر كونها من السلع المضرة بالإنسان، حيث تشير الموازنة إلى أن الإيرادات المتوقعة من ضريبة مبيعات السجائر المنتجة محلياً خلال العام 2007م مبلغ وقدره واحد وعشرون ملياراً ومائتا مليون ريال، بينما أغفلت الموازنة الإيرادات المتوقعة من ضريبة مبيعات السجائر المستوردة، فهل ألغيت هي كذلك؟!

*  الهوامش:

(1) أخرجه أبو داود في كتاب “الإمارة”، والدار ِمي في “الزكاة”، وصححه الحاكم في “المستدركـ”، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن خزيمة، والإمام أحمد.
(2) أخرجه أبو عبيد في “الأموالـ”، 703-704.
(3) المرجع السابق.
(4) المستصفى من علم الأصول للغزالي 2 /304-305.
(5) المرجع السابق.
(6) غياث الأمم للجويني، ص (256-273)، بتحقيق د.عبد العظيم الديب، طبعة قطر.
(7) انظر بالتفصيل هذه الشروط في: اشتراكية الإسلام للدكتور مصطفى السباعي ص(123-126)، ونظرات في كتاب اشتراكية الإسلام للشيخ محمد الحامد ص(124-125)، والملكية في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد السلام العبادي ص(2/294-299)، وخطوط رئيسية في الاقتصاد للأستاذ محمود أبو السعود (46)، والثروة في ظل الإسلام للبهي الخولي ص(224).
[email protected]