محمود ياسين ، يكتب عن نبيلة الزبير : ” القديسة “

محمود ياسين ، يكتب عن نبيلة الزبير : ” القديسة ”

” القديسة “

الامتلاء شجناً او لعنات لأجل فتاة وحيدة تعاني كآبة المطر الذي سقط لأجلهم، لأجل شبان بلا مظلات يمرون من الشارع الخلفي.. ذلك ملهم فعلاً وإنساني في لعبة رثاء المصائر. غير انهم ورطونا في ما لا إنساني ولا مؤثر.. نحن وجوديون دادائيون شعراء ملعونون كان بوسعنا بعثرة اللعنات والقبعات ورثاء الذات والآخر، انتزاع ما تبقى من رغبات صمت زجاج النوافذ الوحيدة وهي لا تمل انتظار غريب سيمر. كان بوسعنا قيادة الرغبات الشنيعة والاحقاد العاجزة، في مهرجانات احياء تراث الجسد ورقصات النزعات البدائية، لا احد يشترط امضاء مقالاته وقصائده في قيعان الرثاء اللعينة. لكنه حلم انجاز، دنيا موازية دنيا من البوح والتضامن الانساني تجاه الخذلان. أمتنا مخذولة، أمتنا عانس نصف وجهها محروق وتملك حجاباً يهبها عيون انثى مخبأة لأجل عابر متلفت.. في باب الجامعة كن اكثر من مائة وكانوا اكثر من مائة، هؤلاء بحاجة إلى اولئك وبينهما رصيف الحرام. وكانت مقالاتنا تتجشأ على صفحات كشك الجامعة مواقف وضغائن تدور حول آلهة الحرية..

مرت الفتيات ولم تلفت مقالة عابرة تحت الامطار السوداء.. واشترى الفتى صحيفة واشترت الفتاة «عذاب القبر ونعيمه»…
ينتهي الجسد المهمل إلى كراهية صاحبه، وتجنح الحياة لنبش العذابات وقسوة التدين.. وكيف يمكنني ارتجال فتوى لاقتلاع وثنية رصيف يحول بين الله والجسد؟.. كيف اروي قصة «عندما يمر الجسد من شارع آخر». لم نحظ بميزة التراكمات ولا حتى بالنتائج الكارثية لأشنع موجة كبت عرفها التاريخ الانساني، ولم نكتب، ولم تكور انثى قبضتها لتهشم الزجاج صارخةً: «إنه جسدي!»، قالتها همساً، وبقيت نبيلة الزبير فصلاً في رواية شغلتنا عن قراءتها فحولة صراع الثيران، فأنسلت نبيلة من روايتي وتقدمتنا بلا قفازات…
هي رائعة، روائية ورطوها في نزال أنهته بحنق انثى كاملة الضربات فاخترعوا لها مباراة جمال بمقاييس مبتذلة..
كم أنت رائعة ووحيدة!! وكم أن الحياة في صنعاء فادحة تعج بالابتذال والنوافذ المنسية!! لم نخسر روائية بعد، وإن كسبنا مقاتلة في حرب لم نخترها. نحن شعراء حاقدون وحالمون، مدمنو سجائر وقرارات مفاجئة، متخمون حباً وكراهية وجائعون إلى الانسان.
لطالما أردنا البحث في حياة تتألم فحولولنا إلى تمثيلية هادفة. بحثنا عن شخصياتنا في لحظة وجود هائل وأطراف باردة، كيف أنه على الحياة أن تركز على ساعة صفقنا الابواب!! وخرجنا بحثاً عن حياة بلا أسقف ولا مغالق؛ وددنا لو أن عدسة ما تلتقط حضورنا الهائل على متكأ مقيل، وإيماءاتنا الفاتنة في نشوة لقاء. غير أنهم حشرونا في اطار شخصية ألفها متعهد ملصقات.. كنا سنقرأ اعترافات النوافذ ومغالطات دنيا لا تعطي شيئاً سوى الوحدة وحياة تدور حول الفقدان. عن اقواس قزح صنعاء واللون الذي سال على اللون، عن رثاء الابواب التي ماتت مغاليقها على الصمت، وعن نبيلة وطفولة نبيلة ولعنات نبيلة، واحجارها والعيون والتعب واعقاب السجائر، حيث لا شيء سوى نبيلة.. حيث لا إيزابيل الليندي ولا فتيات السيجار الكوبي وعاملات مطاعم كاليفورنيا والتنورات القصيرة. نبيلة صنعاء وأنفاسها تغبش الزجاج..
غالباً ما ينجز الحمق ابطالاً بيروقراطيين يتجشأون قلوبهم على خنادق الحرمان والمآثر.. ورطونا في الكراهية وانتظار العواقب.. ورطونا في الجسارة والتخلي عن رغباتنا المرتعشة على عتبات من نحب.. ورطونا في الاقتحام والفعل واللامبالاة إزاء رد الفعل. لايدعك الكريهُ تحتفي باشيائك، الطفل الكامن في عشياتك ورسائل مراهقتك، مخاوفك ونقاط ضعفك، الرغبات والنشوات العابرة، التهكم من تفاهة الاخرين والبكاء لأجلهم، صورتك وانت تتسلم جائزة نوبل، وخطواتك ببنطلون الجينز، نشوة اكتشاف كم أن الحياة تافهة وجديرة بأن تعاش، كائنات عدوانية تخمش وتحدث جلبة.. اخرجتنا من بحثنا عن مؤلف يشبه اسرارنا.. تركنا للريح تصفح الاوراق الاخيرة من الرواية واستللنا سيوفنا تحت نافذة القديسة.