عناية جابر.. رهافة «الهايكو» ومزاج آخر للحب – حسين بن حمزة

عناية جابر.. رهافة «الهايكو» ومزاج آخر للحب – حسين بن حمزة

بالرهافة وحدها، يستطيع شعر عناية جابر أن ينقل عدواه الفاتنة إلى القارئ، فكيف تكون الحال إذا أضفنا إلى هذه الرهافة، المكونات والدلالات الشديدة العذوبة لهذه الشعر الطالع من حساسية ذاتية خاصة تجمع، في آنٍ واحد، بين ذكاء الجملة الشعرية وهشاشة ورقة النبرة التي كتبت بها.
في مجموعتها الشعرية السابعة “جميع أسبابنا” (دار شرقيات – القاهرة)، نتأكّد أن الرهافة تركت أثراً من طعمها أو نكهتها في كل ما تحتويه القصيدة. لكن هذا رغم أهميته ليس سوى انطباع عام وأوّلي، سرعان ما يأخذ القارئ إلى أعماق متفاوتة تحت سطح الكلمات، وفي أحشائها. هنا سيجد أن الحبّ يستأثر بالبطولة شبه المطلقة على امتداد القصائد. الحب ولا شيء آخر تقريباً هو ما يُرى في تلك القصائد، وما يعيش ويتنفس فيها. لكن حب عناية جابر مكتوب بمزاج آخر، قادر على إخضاع المفردات والصور والاستعارات لتربية شعرية مختلفة. وهذا ما يجعل الحب، أي المعنى الشعري نفسه، جزءاً من طموح مستحق في الكتابة، وليس فقط موضوعاً للشعر.
كتابة عناية جابر تأخذ الحب والعزلة والذات والألم والحياة اليومية والأحاسيس العابرة إلى مناطق نائية وغريبة، حيث في مقدور هذه الكتابة أن ترتاح من التكرار والعواطف العامة. “مبتلة مثل كلب تحت المطر/ تعذبني سعادةٌ لا أفهمها”.
بعبارة مثل هذه، “منحرفة” عن السياق العمومي، تحاول عناية جابر استدراج معنى الحب وجميع أسبابه إذا استعرنا عنوان المجموعة إلى كادر شعري مختلف ومفرط في خصوصيته ورهافته.
القصائد كلها مكتوبة بهذه النبرة التي تحاول عقد صداقة سرية وخاصة مع الكلمات. إنها نبرة تصادف القارئ حيثما قلّب صفحات المجموعة. “بجسد فاحش/ أتخلّع أمام الرجال الوحيدين/ والفاتنين/ وأنت/ في كل مرة ترتجف/ كما لو أفعل ذلك/ من أجلك”. ثم يتحول هذا الإيحاء الظافر في الحب إلى هزيمة من نوع مختلف: “ضعفي الرائع/ أنامَني على باب بيتك/ ويصرّ حلمٌ/ تحت جفنيّ”.
اللغة نفسها تتحول، وتغير جلدها وطبقة إيقاعها من مقطع إلى آخر. والمعنى الذي نجده مكتوباً بمواد الكثافة والإيجاز (“أبتهج لعشبةٍ/ تناضل في شقّ مغسلة”)، سنصادفه مكتوباً بخفة اليومي، ونكهة ثرثرته واسترسالاته: “لم أُخفِ شيئاً/ لم أخدع أحداً/ أخبرتك فحسب/ وجهة نظري بالأمان/ بأشياء أحبها/ تبدو لك تافهة”. في الحالتين يكون المعنى مكتنزاً ولماحاً، وتكون الصورة مروية بطريقة مواربة. لا فرق إن كانت الكثافة أو الثرثرة هي التي تتسيد المعنى، فالقارئ في كل مرة يضع يده على قماشة المعنى المصنوعة من الرهافة.
لكن الحب ليس هدفاً موحداً ومستمراً تجهد القصائد في كتابته. إنه لا يحضر وحده. النبرة التي كتبت بها هذه القصائد لا ترعى في حقل واحد. الشعر يتحقق في الكتاب بصرف النظر عن موضوعاته. كما أنه من النافل القول بأن الحب نفسه لا يمثل “موضوعاً” في كتابة عناية جابر.
ثمة في هذا الشعر ميل إلى الاقتضاب والمحو، وإلى قول المعنى بأقل ما يمكن من الكلمات… وأكثر ما يمكن من الافتتان. لعل هذا الوصف يقرّب كتابة عناية جابر من مناخات شعر “الهايكو” الذي، لشدة اقتضابه، يبدو شعراً خالصاً بلا شوائب. تحت ضوء الهايكو وبجواره، تمكن قراءة مقاطع عدة من مجموعة عناية جابر هذه، كما هي الحال حين تقول: “لا يعنّف المطر النبيل/ تفاحةً على غصنها”. أو: “البحر لا يبدو من هنا/ ولكنك تقول لي شيئاً/ يجعلني أتنهد”.