اجميع أسبابنا* – عناية جابر**

اجميع أسبابنا* – عناية جابر**

لألم، ويتألمُ ثانية

يدكَ تذهبُ إلى الغابة
وترى من النافذة.

لوّحْ ليِ
لا طوف عائماً إلاّ زهرتك
لا شيء سوى الألمِ القديم
ويتألمُ ثانية.

الحب الذي عينٌ وعتمة.
فرشُ رملٍ
عالقُ بعماه.

هات الشيءَ العالي
إنني بردانة
هات الشيء لا يسقط.

لسبب يعرفه كلانا
أُوضَبُ حقائبي وأشقعُها
على سطح سيارتك
لئن أشقعها هكذا
عالية عالية
فلأنه نفادُ الصبر
والصداعُ  النصفي
ولأنك في قيادتك على مهلٍ
تخفي أموراً
هائلة.

ألازمُ سريري
في الحرارة المصعّدةِ من الفقد

أنت تكون ألطفَ قليلاً
وسوف تقودُ سيارتَك
وعلى سطحها حقائبي
من دون أن تفسدَ الأمر
أو تقوّضَ
المغامرة.

في ما يتجاوزُ هذا السقف،
كلُّ الأمور عالقةٌ
ومن الصعب الجزمُ
أكانت ألعابُ الربّ
مهارةً أم خفة؟

ننغمسُ في ارتفاع المشهد
وفي الظنون الشجاعة
يكون رائعاً أيضاً
أن تعبّر لي عن أسفك
لديك كل الوقت
في اتساع الرحلة
وزمنها الخرافي.

لعبور هيّن
فَكّرْ في كورسٍ كبير
وصوت ضخم
يتربعُ في رأسك بوَقار
ويغني لأجلك
تحت غيومٍ سيئة
مرويّةٍ تماماً.

 

نومٌ يبْردُ في الأغطية

ولكن ألا يسأل عنيّ أحدٌ؟
ألا يسأل
أحدٌ؟

بعمقٍ أتنفسُ مثلَ طبخةِ أرزّ

رقصتي الإسبانيةُ القديمة
أنكفأت على وجهِها
والموسيقى
عاشت في الانتظار.

الليل.
كل شيء في الليل
النومُ القديم الذي يبردُ في الأغطية

الإشراقُ الغُفٌلُ
التنفس

الليلُ إلى الأبد
وكل ما يُثقل
مع ذلك غريبة،
مع ذلك سماء واحدة
ظلال صينية
تعدو تحتها

صوتُك في الليل
موجات نحاسية
قلق صغير
يقويّني

 

أنا أَلِمسُكَ الآن

ليس هذا “ممراً معتماً يصلح لتعلم الرقص”*
تعالَ
نذهب إلى الليل
تعالَ، يفرح قلبي،
وهي الغبطةُ تُهدّل شاربيه.

تعالْ…
السماءُ الرشيقةُ فوقنا
دوائرها العاليةُ
الوقت المتناقص،
لحبٍ مديد.

الانحناء الخاشعُ والقبلةُ التي في لحمك
القبلة التي فيك،
في رغبتك المرفوعة.

إجسادنا
من دون وزن.
أنا ألمسُكَ الآن
كأنما تصعد.

كان ذلك صقراً جارحاً
تَلفّتُّ رأيتهُ،
حتى نزل إلى جسدي.
جناحاي مضمومان جداً
بحيث لا يقدرُ أن يطير.

الارتفاع،
حبات المطر
أَثقلته.

حين تغادر،
ليس الإحساس،
بل اليقين بأني خُدعت

يأسُ الروح والطوقُ القاسي
قرارك الجائر حين تُغادر
وتملكُه وحدك…

عيناكَ تبرقان،
ثم تقسوان
كأنْ لمَسْتُك.

عيناك الغريبتانِ تجعلان قلبي
يتحدث عنهما.
الغيمةُ البعيدة كلبةٌ بيضاء
ترضعُ  من أمها

السماءُ هادئةٌ هناك.
– إذا كان في حياتي رجال،
فلماذا لا يقبلني أحدهم-

ليست الغيمة إذن
ولا السماء.
القبلة ما جئت أبحث بشأنها.
ترفع نظرَك عني
حتى لا أعودَ أعرفُ
أين يومضُ البرق
إذ ترسلُه ثانية.

أتمدد قربك في الظلام
وينبت صمت كصيحان أوزّ

قميصك بدأ يجفُّ وملتصقُ بي
هذا صدرُك الخشبيُّ تماماً.
وجهُك العليلُ، وتنفسُك.
عمّا قريب ترحل،
صدرك ووجهك وتنفسك
ويكون الوقت… فجراً.

عند غروب الشمس
هل نسقطُ في إيحاءات مجنونة
في إيماءات الدمى الميتة؟
أظنك كسرت قلبي والدمُ يتدفق منه.
إنه ينزف.. قلبي.. ذاك.

* عنوان ديوان لإيمان مرسال.

 

تأتي خفيفاً

بوثبة عمياء
أخوض جسدك
حتى قمة رأسي

شَفَتُك مُبقعةٌ.
أنهدُّ عليها مربوطةً بشيء،
بلذة مجهولة في فم مجهولٍ
لا يسكنُ الأرض.

كان ذلك حلماً وابتعد.
أذكر أنني كنتُ أغسلُ جسدَك.

الرغوةُ الآن،
وتبلُّل يدي.

تأتي,
وكلما خفيفاً ترتعش البتلة،
تتمايل كوردة سرخس.
تمسك بيدي،
كفّكَ  التي تنفثُ الضباب.
الحنانُ المسترخي كثيفٌ بلا أمل.

لك أيضاً،
وماهرة في رشق الحجارة إلى البيوت
المستحيلة.
الصباحُ سلاحي القوي
حتى تعلمتُ كيف أشقهُ،
 ومن فرطه
الخمرةُ قوية.
كلٌ كلمة موجة
عندما لا تتلوها ماذا أفعلُ بالبحر
بالباخرة الضائعة ترعى في الماء؟

الأفق،
ويأكلُ نفسه.
السفينةُ تقف عند نافذتي.
الموسيقى تتوترُ،
إنها تتسلل بخفة
وفي يدها حقيبة.

أعرفُ أنك تأتي مسحوراً بالمدن
حتى، أجدك في إحداها
عطر شجرة أخيرة
 يدعوني للغناء.

لم أكن من بين من أحببت.
الذي لم تعرفني،
ويداكَ لي بلا شفقة.

كم مرّة أخرجُ إليك في رائحة الإغماء،
ريق الصباح والهواءَ المتروك.
أخرجُ،
لا بجسدي
بل ببهجة الكلمات البلا أثر

لتأت.
بما أن الوقت.
 
لتأتِ مهيباً، كهذا البحر

الماء على هديره
جامحاً بما فاتنا.
لا بد أنك
أتيت.

 

حين لا أكون قويةً

لا يعنْف المطرُ النبيلُ
تفاحةً على  غصنها.
إنّك على حق تماماً
كجدار قديم لا يبتكر أوضاعاً
ولا يُجرّب الأشياء.

نتبادلُ الحبَّ
بكياسةِ البريدِ وهمتهِ.

رسالةٌ حقيقيةٌ لن تصل
ذلك أن أحداً لن يرسلها.

مفاتيحُ البيانو
تلمعُ تحت الضوء.
السعادةُ التي تمنحها
ميدالية قديمة.

في ساعة متأخرة من الليل
حين لا أكون قوية:
افتحي النافذة.
قالها برقة.
-إنه فاتن.
– إنّه فاتن.

لستُ الفتاةَ التي تفتحُ النوافذ
هل تفهم قصدي؟

ولكنّه
ليلٌ جميل
ولكنه
ليس يُنسى.

إذ أنت فعلت هذا
لماذا لا أفعلهُ؟
لا أجيءُ في الموعد
وأنسى أن أعتذر..
أمورٌ كهذه تحصل.

 

حياةٌ مربوطة بخيط

أشيخ أمام كأسٍ لا تكفي أبداً
أمام نافذة
مُشرَعة لكي أراكَ
تغادر.

حين أبلغ ماءَك
ينقصف جسمي.
لو كانت الساعات
لحظةً وحيدة!

ألمُ الرعشة،
بسيف طويل
يخترقني.

الفمُ على زجاج بارد،
كما يفعل المكلوم
والمعتوه،
هكذا أنظُر.
بخارُ نفسٍ مريض،
وللحياة في الخارج
غابتها المظلمة.

لقد رأيتُك بحراً غاضباً
لم يسمعه أحدٌ
يتحدّث
عنِّي.

إلى الخلف،
تسقط حياتي المربوطةُ بخيط
-ليس في اللحظة من شيء رحيم-
ثم إنه غيابُك
الجلدُ الميت على القلب

ليتني الآن في حضنك وحبيبتُك
كما الشجرة شجرة
والقمرُ قمر

إنني الآن في الحماقة.

* قصائد من ديوان صدر حديثاً وبذات العنوان عن دار شرقيات – القاهرة.
** شاعرة وصحافية لبنانية.