محمد الغباري – ال NDI والنزاهة الانتخابية

محمد الغباري – ال NDI والنزاهة الانتخابية

 

منذ أن تبنت الولايات المتحدة الامريكية ما أسمته مشروع الشرق الاوسط الكبير وحركة التحديث في البلدان العربية تواجه جحيمي الداخل حيث يتهم ناشطوها بالعمالة للغرب وبالسعي لجلب الخراب والدمار لبلدانهم استناداً إلى النموذج العراقي، والجحيم الآخر مرتبط بالنفاق الذي تمارسه هذه الإدارة أو الموسسات التابعة لها في التعامل مع انظمة الحكم في المنطقة، حيث يتحول هذا النفاق إلى شهادات حسن سيرة وسلوك يعيق أي تحول حقيقي.

 

المروجون لمشروع الديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط باعتبار ذلك احد محددات الحرب على ما يوصف بالارهاب، يصدمونك حين يكيلون عبارات الثناء والإشادة بدولة سمحت بإجراء انتخابات بلدية جزئية وأخرى تحظر العمل الحزبي وثالثة ما تزال تنوي التفكير في إعطاء مساحة جزئية جداً لمواطنيها في اختيار بعض ممثليهم في مجالس تشريعية لا تفعل شيئاً سوى التصويت على المقترحات المقدمة من الحكومة.

 

إجمالاً من المعيب أن تتجاهل الإدارة الامريكية والمنظمات المحسوبة عليها بلداناً لديها تعددية سياسية وتبادل سلمي للحكم كما هو حاصل في المغرب أو التجربة الكسيحة لليمن. ومع هذا فإن المعيب أكثر ان ينظر هؤلاء للشعوب العربية كمجتمعات ناقصة غير مؤهلة لأن تختار حكامها او أن يكون لها صندوق انتخابات تحتكم اليه الأطراف السياسية ويحقق لها الفرصة المتكافئة في الوصول إلى السلطة، وربما تكون اليمن أنموذجاً لهذه الرؤية..

 

منذ الإقرار بالتعددية السياسية والحزبية يرى المرتبطون بالادارة الامريكية أن وجود صندوق انتخابات في اليمن إنجاز عظيم لأنه يحدث في منطقة تحكم بأنظمة ملكية مطلقة لا تعترف بالأحزاب ولا تقر بحق المشاركة السياسية للرجال والنساء على حد سواء.

 

وبعد خمسة عشر عاماً على تلك البداية لم يغير هؤلاء من نظرتهم ومازالوا يعتقدون أن الانتظام في إجراء انتخابات ومجيء مجلس نيابي وذهاب آخر وانتخاب المجالس المحلية، عمل كبير لا ينبغي أن نطمح بأكثر منه حتى وإن لم تفعل هذه المجالس شيئاً.

 

القضية ليست توزيع اتهامات ولكنها حقائق تلمسها لدى اكثر من دبلوماسي، حيث ينظر هؤلاء بتعجب لمطالب اصلاح النظام الانتخابي أو الطموح لتعزيز قدرة الناس على اختيار حكامهم أو تغييرهم أو توقهم لمشاهدة رئيس عربي سابق يعيش بينهم.

 

مطلع الاسبوع نشرت نص رسالة وجهها مدير المعهد الوطني الديمقراطي الامريكي بصنعاء  ومنظمة «آيفس» الامريكية المهتمة بتطوير النظم الانتخابية. الرسالة تؤكد حالة الاعتقاد القائمة لدى اصدقائنا بأننا لازلنا دون مستوى المطالبة بأكثر مما هو حاصل. تصوروا أن الرسالة «تهنئ» اللجنة العليا للانتخابات على أنها احالت «ثلاثين» مخالفة في عملية القيد والتسجيل إلى القضاء -كم هي الاحزاب اليمنية بشقيها الحاكم والمعارض ظالمة للجنة الانتخابات!- ثلاثون مخالفة من بين مليون ومائتي ألف حالة تم اضافتها إلى السجل الانتخابي.

 

المؤسستان الامريكيتان اللتان تتوسلان دعم الديمقراطية منذ سنوات نسيتا ان الحزب الحاكم الذي له غالبية اعضاء اللجنة لم يفعل ما فعلاه بل قال إنه رصد اكثر من ثلاث عشرة الف مخالفة جرت أثناء عملية القيد والتسجيل ونسبها إلى المعارضة التي بدورها قالت انها رصدت مئات المخالفات والجرائم الانتخابية، ومع هذا فإن ثلاثين مخالفة انتصار يستحق التهنئة والتبريك في نظر مسؤولي المعهد الوطني الديمقراطي ومنظمة «آيفس».

 

النفاق الذي يمارس من قبل الادارة الامريكية وبعض منظماتها يتحول في كثير من البلدان إلى شهادات للحكومات وعامل لإجهاض التحول الديمقراطي وإحباط للحركات والأفراد الذين يناضلون من اجل الوصول إلى حكم ديمقراطي حقيقي.