فلسطين والسلطة الهلامية في ظل الاحتلال – نادرة عبدالقدوس

فلسطين والسلطة الهلامية في ظل الاحتلال – نادرة عبدالقدوس

أخالني أنظر إلى وجه شارون الحي الميت، وإلى وجه أولمرت الميت الحي، وهما يقهقهان ملء شدقيهما، كمصاصي الدماء الذين نراهم في أفلام الرعب الغربية، على الساسة الفلسطينيين المتشرذمين المتقاتلين على كراسي السلطة! وما أدراك ما سلطة! وأين هي السلطة أصلاً؟! مهزلة تعم البلاد المغلوبة على أمرها، الواقعة تحت نير الاحتلال الصهيوني.. وكذبة صدقها هؤلاء المتناحرون بسلاح من المفترض توجيهه نحو مغتصبي أرضهم ووطنهم الذي يئن من وطأة الذل واستلاب الكرامة والحرية عقوداً من الزمن.
السلطة/ الطُعم/ الذي رماه الاحتلال الصهيوني أمام “المناضلين” الذين يحملون أمانة النضال ضد المحتل لأرضهم المقدسة، بدلاً من رفضهم لهذا الطعم قاموا بابتلاعه وهاهم اليوم “لا نالوا بلح الشام ولا عنب اليمن” كما يقول المثل العربي الدارج. فلا نضال ضد الاحتلال ولا سلطة تقوم بمهامها.. هذا إذا كانت هناك سلطة حقيقية كما يظنون. فأي سلطة هذه في ظل وجود سلطة احتلال تنهش لحم شعبها وتحرق الأخضر واليابس؟! إنها مهزلة ورب الكعبة.
هذا الوضع الشاذ في فلسطين الحبيبة يعيد الذاكرة إلى منتصف الستينيات في المستعمَرة عدن (للاحتلال وجه واحد) حين كانت الأحزاب السياسية اليمنية تناضل ضد الاحتلال، وفجأة يتحول النضال إلى اقتتال في الشوارع بين المناضلين ضد بعضهم البعض، وكثير منهم أُجهز عليهم غدراً في بيوتهم؛ وعُرفت تلك الفترة بالحرب الأهلية بدلاً من التسمية الأولى وهي الكفاح المسلح ضد الاحتلال من أجل الحرية والاستقلال، وهو الشعار الذي رفعته الجبهة القومية بعد تأسيسها في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963م.. وكان فتيل الفتنة أشعلته بذكاء السلطات الاستعمارية البريطانية بين أخوة السلاح للتخلص منهم جميعاً ومن أجل إشغالهم في قضية تافهة لم يكن من الواجب التفكير فيها آنذاك وهي قضية السلطة ومن الذي سيفوز بها بعد تحقيق الاستقلال. لكن لأن المحتلين يدركون تماماً نقاط الضعف في الطرف الآخر فهم يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استغلالها لصالحهم، وهي السياسة المعروفة بسياسة “فرٍق تسُد” الاستعمارية. وقد أدركت السلطات الاستعمارية أن النضال السياسي في عدن ليس فقط من أجل التحرر والاستقلال وإنما أيضاً من أجل الكعكة الحلوة السلطة التي ينتظرها الفرسان الأشاوس.
وخلال الحرب الأهلية الضروس في عدن المحتلّة راح العديد من خيرة أبناء عدن ضحية لهذه المؤامرة الخبيثة. وبعد تحقيق الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر عام 1967 م أتى من فاز بالسلطة على البقية الباقية من أبناء عدن البارزين في الحركة الوطنية بمختلف أشكالها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، حيث زُج بالبعض في السجون وتمت تصفية البعض الآخر، ومنهم من اضطر إلى الهجرة ومغادرة الوطن رغماً عنه بسبب المضايقات المفتعلة والتهديد المتعمد والسافر بالقتل أو الرمي في غياهب السجون. ثم قامت بعد ذلك عمليات القمع واغتصاب الممتلكات واستلاب الحقوق بحجة القانون الذي سمي بقانون التأميم. ولم يسلم أبناء عدن من النعوت التي أَُلصقت بهم، وهي عديدة، منها: البرجوازية والأرستقراطية والكمبرادورية وعملاء الاستعمار وأذنابه… إلخ. وما أشبه اليوم بالبارحة فهاهم أبناء عدن ما زالوا محسوبين على الاستعمار البريطاني، حيث تظن السلطة بأن الاستعمار البريطاني دللهم كثيراً، فهم مواطنون يحافظون على النظام ويحترمون القوانين ويمقتون كل ما يشذ عن ذلك ولا يقبلون غير الحق ولا يتعاملون إلا بالصدق وبكل الحب وبالتسامح حتى مع ظالميهم. وغاب عن ذهن السلطة الموقرة أن أبناء عدن مثل مدينتهم التي رُفع علم الوحدة تحت سمائها، فهي المدينة اليمنية المناضلة التي رفعت شعار الوحدة وناضل أبناؤها من أجلها منذ زمن بعيد، بعيد جداً. هي مدينة الحب والخير والجمال والدفء والتسامح.
وأعود إلى أخوة السلاح في فلسطين الذين لو وعوا دروس غيرهم لغيروا مواقفهم العدائية ضد بعهضم ولالتفتوا إلى معاناة شعبهم الذي لا تهمه السلطة بقدر ما يهمه النضال والكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني أولاً وأخيراً وبسواعد أبنائه الشرفاء.
ولعل الشعب الفلسطيني أكثر وعياً من هؤلاء المتقاتلين على سلطة لا أساس لها، فهو يقولها علناً “لا للاحتراب ولا للنزاع على سرابـ”. كفى هدراً للدماء التي تسيل على الأرض الطاهرة المغتصبة أمام سمع وأبصار العالم الصامت. فأي سلطة هذه التي لا سلطة لرجالها في التحرك شبراً في أرجاء وطنهم بدون إذن من سلطة الاحتلال؟! أليس رئيسها السابق المرحوم ياسر عرفات مثالاً حياً على ذلك؟ وأي سلطة هذه التي تتقوقع في مدينة واحدة دون أن تشمل الوطن كله، وتدعي أنها تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله؟ وأي سلطة هذه التي لا تستطيع أن تمنع الحواجز والعوائق والجدران العازلة التي تقطّع أوصال الوطن، بحيث يُمنع المواطنون من التنقل بحرية ويسر في أرضهم مما يتسبب في قطع صلة الأرحام وتشتيت شمل الأسر؟ وأي سلطة هذه التي تسمح للاحتلال بإذلال شعبها من خلال جرجرة شبابه وأطفاله إلى السجون لمجرد الاشتباه بهم كفدائيين شرفاء أو لمجرد حملهم الحجارة كسلاح يوجهونه ضد الجنود الصهاينة الذين يعيثون في الوطن فساداً؟ وأي سلطة هذه التي تسمح بتجويع شعبها عاماً وربما أعوام قادمة بحجز معاشات موظفيها وجعل الحجج الواهية تكأة غير مبررَة؟
أيها العقلاء، أيها الأذكياء، أيها ال… إنها سلطة هلامية ليست إلا، فعلامَ تتناحرون؟! وماذا أنتم فاعلون فيما لو كانت السلطة حقيقية بين أيديكم؟!
[email protected]