في الحديث عن الضيق، وعن كون “صنعاء” مدينة غير حديثة!! – ماجد المذحجي

في الحديث عن الضيق، وعن كون “صنعاء” مدينة غير حديثة!! – ماجد المذحجي

صدر مغلق بشدة. قسوة باردة تمتص انتباهك، وتُفاقم من علاقتك المتوترة بالوقت. خطوات مُربكة أمام خطوط سير عمياء لا تدل على اتجاه واضح. وبوحدة هائلة، ومزاج مُعكر للكثير من الأسباب، تحاول أن تتفادى كل هذا الضيق ونفاد الخيارات. يُمكن لهذا الوصف السردي المثقل بشعرية “غبية”، أن يكون تسولاً بلاغياً لما تؤثثه مدينة ك صنعاء من ملامح أولية بداخلك، وأنت ترتطم بلياليك الأولى فيها، محاصراً بإحساسك بعزلة موحشة رغم دفء الأصدقاء من حولك!!. ليس للأمر أبداً علاقة بأي ادعاء بتميز، أو حساسية شخصية عالية، تُنبئ عن “رهافتكـ”. ولا يُمكن، لتبريره، الاكتفاء بسبب كالإرث العاطفي الضاغط للمكان الذي قدمت منه، والذي يُلقي ثقلاً هائلاً عليك، وعلى العلاقة الجديدة التي تحاول أن تنشئها مع المكان الجديد، بعد أن تغادر موقعك الأول، فتستحضره دوماً في نوبات “حنين”، ومزاج مقارنات سيء مع كل التفاصيل المحيطة، مُخلصاً إياه من كل رداءته، ضمن ميل لترفيعه والاحتماء به من ضعفك وإحساسك المفرط بالهشاشة في أول الأمر. إنه ارتباك “فرد” مُحاصر بتضاؤل الخيارات أمام مدينة تُخبرك بقسوة، ووضوح، أنك مُستثنى من دفء المكان، ومازلت خارج نسيجها وإيقاعها اليومي وعلاقاتها الحميمة. الأمر الذي يسلبك، لوهلة، ما ربيته من “شغف” و “أحلام” قبل أن تُقذف في رحمها بشكل مفاجئ.
إن تأسيس علاقة بمدينة ك صنعاء، لا يغادر في العادة وبالنسبة للكثيرين، علاقات “الحاجة”. وهو نمط من العلاقات التي تحضر، دوماً، كنسق أساسي يُنظم جزءاً كبيراً من طبيعة الارتباط الذي يجمع بين الفرد والمدينة المُعاصرة عموماً. وفي هذا التفصيل، يكمن جانب كبير من الأسباب التي تغذي اغترابه عنها ( أي اغتراب الفرد)، وعن العلاقات الإنسانية، بشكل فادح. جزء أساسي من الارتباك الذي رافق تلقيّ الشخصي – وانطباعاتي السلبية المتفرقة سابقاً – لصنعاء، يأخذ مبرره من كونها مدينة مشوشة الهوية والحضور، فهي ليست مدينة “حديثة” بالمعنى الكامل، بالدلالات التي تُشير نحوها عملية وصف مدينة بهكذا وصف تميزي. من حيث استبطانها لعلاقات مدنية وثقافية، تنتمي للحظة المعاصرة، بتجلياتها المختلفة، في القانون، وسلوك الأفراد، والنشاط العام، والحريات، والعلاقات الاجتماعية، والنمط العمراني.. الخ. يمكن تفهم هذا الأمر (وأوضح ذلك: لكي أنقذ نفسي من أي انطباع، يُمكن أن ينظر إلى رأيي هنا كتحامل شخصي بشكل ما) بالنظر إلى تعبيراتها العمرانية المشوشة، والتي لا تنبئ عن اختيار ثقافي واضح. ويبدو أن السعي ل “تزويقها” -رغم انه يدل بشكل ما على وجود رغبة ضامرة بالتحديث- لم ينجح في إخفاء أن بنيتها في الأساس مناهضة للثقافة المدنية بكل ما تستدعيه، ومحافظة بشدة، على الأصعدة الاجتماعية والدينية، وتعكس تكثيفاً حاداً لارتباك “اليمني” تجاه اللحظة العصرية وطبيعة جملتها “التحديثية” التي فاجأته بمطالبها. إن نسق العلاقات في أي مدينة عصرية يميل إلى تعزيز الخصوصيات الفردية وحمايتها. وهي تؤسس لهذا التعزيز مثلاً، عبر تجاوزها المتطلبات، أو الشروط الثقافية، التي يفرضها نموذج “العائلة الممتدة” على العمران (استخدم هنا، بشكل إجرائي لخدمة المقال، و بتصرف مقتضب، تعريف علم الاجتماع ل العائلة الممتدة، والذي يشير إلى أنها شكل من العلاقات العائلية يتساكن فيه الأب، والأم، والأبناء مع زوجاتهم وأطفالهم، في منزل واحد، يحتكر فيه الأب الكبير فضاء المنزل والقرارات الرئيسة للحياة في إطاره، وحتى في خارجه أحياناً). وهي متطلبات وشروط، تستدعي وجود منزل كبير بمساحات مفتوحة، بشكل يُعطل إمكانية إنشاء خصوصية وحيز فردي في إطاره، حتى في الحد الأدنى! لصالح تكريس نمط من العمران ينشأ بالعادة ضمن مساحات الحاجة الفردية، وتكون فيه المنازل صغيرة أو متوسطة الحجم (شقق على الأغلب)، ضمن تصميم وظيفي يقتسم فيه الساكنون فضاء المكان، بشكل يعزز خصوصياتهم ويحميها، مع التشارك في حيز (الصالون مثلاً) تتجاور فيه الخصوصيات، ولا يحتكر من قبل أي طرف.
استحضرت هذا المثال العمراني كإفصاح واضح لتشوش صنعاء، حيث لا يحضر في فضائها نمط العمران ذو الامتداد الطولي (العمارات) إلا بشكل محدود للغاية، وهو نمط يستوعب عدداً كبيراً من السكان، رغم اعتماده على مساحة أفقية محدودة. والعمارات تحديداً، تشكل تكثيفاً لنموذج تُحرس فيه الخصوصية الفردية رغم الاكتظاظ، لصالح حضور نمط من البناء المتمدد أفقياً بشكل كبير فيها، رغم استيعابه لعدد قليل من السكان في الأغلب. فالفيلات، مثلاً، كنموذج لذلك، تحتل مساحات واسعة في مناطق مختلفة في صنعاء، تنشأ ضمن وظائف المباهاة والتدليل على القيمة الاجتماعية لأصحابها فقط، وليس لأي احتياجات أخرى.
يبدو أيضاً، أن من أسباب “تجهم” صنعاء وانغلاقها على تعبيرات محافظة بشكل غالب، هو عدم وجود هويات ثقافية متمايزة لدى القاطنين فيها، كون بنيتها السكانية من نسيج واحد بالمعنى العرقي (يمنيين عرباً مسلمين)، ولا يمكن مثلاً قياس أي تأثير واضح لذوي الأصول التركية – باستثناء بعض الأطعمة، والكلمات الدارجة – الذين ذابوا بالمعنى الثقافي والعرقي في الكثرة المحيطة بهم. يُمكن استحضار مقابل مختلف لصنعاء، تأسياً بالمأثور الذي يقول: “بالضد تعرف الأشياء”، لتعزيز الاستدلال الذي أعتمده هنا. فمدينة “كوزمبولتية” كعدن، تتميز باسترخائها، وهو شأن يأخذ جذره في التنوع العرقي لسكانها (هنوداً، صوماليين.. الخ)، حيث للمجموعات العرقية المختلفة الحاضرة بكثافة في البنية السكانية ل عدن، تأثير واضح في السلوكيات الاجتماعية والعادات، وشكل تعبير “العدني”، المختلف والمميز عن ذاته، وهو شأن عزز من قدرتها على خلق انتماء مدني قوي لها لدى أفرادها، وكسر من حدة انتماءاتهم الخارجية (القبلية بشكل أساسي، فيلاحظ أن ألقاب أبناء عدن تُجرد من “الـ” التعريف والتي تكثف حدة الانتماء القبلي في اللقب، فألقاب ك اليافعي، والشميري، تصبح: يافعي، وشميري). انعكس كل ذلك على عدن بهوية ثقافية ثرية ومتنوعة، تستوعب الاختلاف و “النزق” الفردي أحياناً. بالإضافة إلى انفتاحها الواضح على الآخرين، حيث لعب البحر – كمعطى تكويني مهم فيها – دوراً أساسياً في تأثيث مزاج ميال لاستيعاب هؤلاء الآخرين بتمايزهم وشططهم أحياناً. على عكس صنعاء المحروسة بالصخور والكتل الجرداء، والمطوقة بحزام سكاني “بدائي”، ومن لون واحد، مع حضور كثيف لإرث تاريخي ونفسي مليء بالعداء بينها وبين المجموعات القاطنة في هذا الحزام، فصنعاء التي تتعالى على “القبيلي”، هي من تمنح “القبيلي” احد الأسباب لينهب صنعاء. تفصيلان تاريخان حكما جزءاً طويلاً من العلاقة بين الطرفين. وكجزء من انتقام “القبيلي”، عاد إليها من بوابة “نفوذ” و ” قوة ” جديدة، ترتبت له في تسوية ملائمة، يتبادل فيها الخدمات مع “الدولة” في صنعاء، ليتعالى عليها هو الآن، مُعززاً بموارد قوة مفتوحة، تُيسر له القيام بنهب جديد لصنعاء، ودون أن تطاله ذراع الدولة، أو قانونها!!
[email protected]