نافذة.. زعماء اللادولة – منصور هائل

نافذة.. زعماء اللادولة – منصور هائل

كل مرة يحرضني الكاتب المتألق، فالح عبدالجبار، على وخز أصابع ذهني وذاكرتي بملامسة الشوك الطالع من تغضنات الحالة اليمنية. ويدميني فيما يكتب حتى عندما يتعرض بالذكر لاسم اليمن، بل وعندما تكون الطوائف والعشائر والقبائل والمذاهب والملل في العراق أو لبنان هي عناوين موضوعاته وحقول حراثته.
وعلى قدر ما يلفتني هذا الكاتب والمفكر المتجدد بإلماحاته البرقية الخاطفة والمباشرة إلى اليمن، فإنه يشدني أكثر عندما لا يصرح باسمها، وكأنه يتمتع عن بعد بسماع انفاسي اللاهثة والمتقطعة في حومة استجلاء صورة الحالة اليمنية، التي طالما وجدتها مبثوثة في ثنايا ومجرى كتابته من أول همسة وإلى آخر نفس، ومن الهمزة إلى الياء.
وفي مساء الأحد الماضي غمرني مطر الاسئلة والذكريات بعد ان فرغت من قراءة ما كتب فالح عبدالجبار بملف تيارات بصحيفة «الحياة» فهو لم يذكر اليمن بغير إشارة لرئيس جمهورية «افرغ خزائن البنك المركزي»، بقدر ما تحدث عن الفساد والتناحر في العراق ولبنان وفلسطين، وعن انهيار «الدولة القديمة» التي نشأت عقب الاستقلالات من الاستعمار، وعن التمرغ في فترة انتقالية لحين نشوء الدولة الجديدة هنا وهناك.
نعم لم يذكر اليمن، ولكنه كان يقصد اليمن في جل ما قال.
وعلى سبيل المثال تطرق لأبرز صفات زعماء، أو زعيم اللادولة هذه وحددها بالتالي:
اولاً: ان المال العام والخاص لدى هذا الزعيم متداخلان: «الجيب واحد» كما يقول الكرماء. وما أن ينخلع هذا عن كرسيه حتى «يشفط الخزينة المركزية».
ثانياً: يتميز هذا الزعيم بكره مؤسسات الدولة، حتى لو كان قائدها. «فثمة دوماً رغبة في اقتطاع جزء من مؤسسة لانشاء امتداد شخص للزعيم. مليشياً، أو جهاز امن خاص، وغالباً ما يزج الزعيم نجله في هذه الصروح الهادمة للدولة».
ثالثاً: يتميز هذا الزعيم بشغف لا يشبع من سحق العظام «وشن الحروب، ولانكاد نجد زعيماً يخفف من غلواء الحماسة الخطابية. وعلى رغم اننا افشل أمم الارض في تنظيم العنف (الجيوش، الحروب) فإن الزعماء الأكثر حديثاً عن النصر القريب أو البعيد، الأكثر شغفاً باقتناء الاسلحة.
رابعاً: أن هذا الزعيم يزدري بالقواعد القانونية، دستورية، أو سواها؛ «فالزعيم هو زعيم، ليس لأنه مفوض، بل لأنه يمثل اقانيم جرداء مثل التحرير، الوطنية، الامة، الثورة».
والمحنة ان العزيز، فالح عبدالجبار، قد نكش فيما كتب وكر دبابير الذكريات وذلك ما سوف لن نأتي إليه في العدد القادم.
[email protected]