عن جائزة رئيس الجمهورية للشعر.. ميليشيّات مؤدلجة تصيب الجائزة بالحَوَل الخفي! – مروان الغفوري*

عن جائزة رئيس الجمهورية للشعر.. ميليشيّات مؤدلجة تصيب الجائزة بالحَوَل الخفي! – مروان الغفوري*

 

ما يمكن أن يكون مختصراً مفيداً
يصاب المرءُ أحياناً بغرام حاد تجاه الأشياء أو الأمكنة أو الأشخاص.. وهذه علائق ميتافيزيقية لا تحتمل النقد الموضوعي، كما لا يمكن إخضاعها للتفكيك القرائي. وفي طريقها إلى اللامقبول، تحاول هذه العلائق(خلطة الموجدة والحب) أن تفرض نفسها على المجتمع بوصفها رؤية جديدة لمستقبل أفضل! وبمثل هذا النزوع الهستيري الكهنوتي، المندغم بعقدة التقديس من جهة والاستيعاب الذاتي المشوّه من جهة أخرىdistorted self image، يقفُ أحد المحكّمين في جائزة رئيس الجمهورية اليمنيّة، كما لو أن الجائزة تحمل اسمه الميمون وتخرج من قعر جيبه الزكي ؛ وبوصفه حالة مستثناه في علم النّص، قاطعاً: لو اشترك (سين) في المسابقة لمنحته الجائزة دون تردد. يضيق الزمان، بعد ذلك، على المكان والإنسان، فيصرّح المحكّم – سبحانه- أمام نفس الثلّة من الأصدقاء: سيفوز (سين) في هذه الدورة، فقد اشترك أخيراً. هكذا قبل أن تفتح مظاريف المتنافسين.. ولا أدري بماذا تذكرني هذه الحكاية، لكنها بالتأكيد تلقي بفؤادها الأسود على مشهد أوسع من جائزة أدبيّة.. إنها حالة حِرَابة رخيصة ضد المستقبل، غير المراهن عليه يمنيّاً، تجبرني على استحضار مسرحيّة “قطّاع الطرق” للمسرحي الفرنسي بومارشيه، في حملته المقدّسة ضد دوائر سرقة الحُلُم وفرصة البقاء.

توطئة
رغم أنّ الشعر كان يكون ديوان العرب، وفق تعبير ابن خلدون، فإن النظرية النقدية العربية لم تتشكّل بصورة حقيقيّة، ربما حتى اللحظة الراهنة. وظل المتلقي العربي يتعامل مع النص الشعري من خلال مبدأي اللياقة والاستحسان. فهم يستنكرون على القائل: إذا بلّغتني وحملتِ رحلي.. عرابةُ، فاشرقي بدم الوتينِ.. إذ يرون في هذا الارتباط الشرطي، بين المطاوعة والنحر، سلوكاً غير أخلاقيّ بالمرّة. فليس متوقّعاً أن تصار الحسنة إلى سيئة. كذلك، كيف يجوز أخلاقيّاً لشاعر أن يكافئ ناقته التي طاوعته وأوصلته إلى دارِه بقطع وتينها! (الاتّجاهات الفلسفيّة في النقد الأدبي – سعيد عدنان).
وفي المنطقة نفسها(التعامل الثقافي، وربما الإيديولوجي، الصرف مع النص الشعري) تورّط طلائع العقلانية العربية، أعني المعتزلة، في تعاملهم مع النص الشعري. وباستثناء أطروحات الجاحظ في (الحيوان) فإن المعتزلة قاربوا النص الشعري من حيث هو مؤدّى عقلي تلعب فيه اللغة دوراً ذهنيّاً صرفاً. وبرغم الجنوح المعتزلي الواسع إلى القصيدة العربية، وهو جنوحٌ يفسّر بولعهم بالمحاججة والجدل والتفكير المنطقي.. وهو ما دفعهم إلى دراسة القصيدة العربية لمعرفة كيف تفعل اللغة فعلها وكيف تؤدي نشاطها، .. رغم كل هذا إلا أنه كان متوقّعاً أن يصدروا في تصورهم للشعرية عن موقفهم الفلسفي العقلاني، المجاوز للفني الجمالي. مضيفين متاهة أخرى إلى متاهات مقاربة النص الشعري العربي. وقد كانوا مسبوقين، بكل تأكيد، برؤية الفقهاء للنص الشعري، بوصفه (أو هكذا يحتّمونه) عملاً حكميّاً إرشاديّا.. كمتاهة أيضاً.
صعوداً في التاريخ، يجيء الباقلاني (ت: 403ه).. وبِسِمَةٍ ليبرالية صِرفة يحدد معايير الحكم على جودة النص الشعري من عدمها ب: أن تؤدي الكلمة المعنى، وأن تحكي القصيدة تجربَةً شخصيّة، كما يتحدّث عنه د. شكري عيّاد. ينطلق الباقلاني وسط النص الشعري ليفرز الجيد من الرديء. ثم فجأة ينط من مقعده وهو يقرأ لامرئ القيس عن إحدى مغامراته:إذا ما بكى من خلفها انصرفت له.. بشقّ وتحتي شقّها لم يحوّلِ! ليجهش في دورة استغفار واستهجان وإدانة لمثل هذا التصريح الإباحي.. متناسياً شرطيه النقديين: أن تحاكي القصيدةُ التجربة، وأن يؤدي اللفظُ المعنى. لقد كان بمقدوره، لكي لا يبدو أقل وعياً بحركة النص الشعري مما اعتُقد عنه، أن يضيف إلى مرتكزاته النقدية شرطاً ثالثاً: وأن لا تخالف القصيدةُ الكتاب أو السنة أو الإجماع.. فيريح ويستريح!

أصل الحكاية كما لا يرويها أحد
في مقابلة أجراها معي موقع الطلبة اليمنيين في الخارج، وجّه أحدُهم إليّ سؤالاً عن المعنى الثقافي لجوائز الشعر. وكان ردّي حينها: لن يصفق لك الجمع حتى تدخل عليهم راكباً ظهر حمار.. والجوائز، في تصوّري، هي حمير الله في الأرض. وخشوشاً في حديث جوائز الشعر، خاصةً بعد أن وصلت بعض هذه الجوائز العربيّة إلى أرقام مهولة مثل جائزة الشيخ زايد(مليون درهم)وجائزة السلطان قابوس(128 ألف دولار).. في انتظار جوائز قد تتجاوز حدود الخرافة إن هي أعلنت تحت أسماء مهمّة في المنطقة العربية، مثل (الملك فهد) أو(الصباح) مع ما سيرافقها من قيمة على مستوى المعنى! لدينا هنا في اليمن جائزة اكتسبت أهمّيتها من ارتباطها بأعلى مكانه يملكها الاجتماع اليمني، أعني: منصب رئيس الجمهورية. وجائزة رئيس الجمهورية اليمنيّة، في بلد تحكمه الديموقراطية، ليست شخصيّة البتّة. عكس ذلك، فهي تُمنح باسم كل الذين يمثّلهم الجالس على هذا المنصب، بتفويض شعبي (بفرض مجازف يقرر وجود مثل هذا التفويض)
تُمنح الجائزة في الآداب والفنون وحفظ القرآن الكريم.. قيمة الجائزة مليون ريال في كل فرع. وبعقيدة اللامركزية، في التوقيت الغلط، تفتح أبواب التنافس على مستوى المحافظات، لتقوم جهات(ما) بحشر السابقين الأوّلين في المحافظات إلى حرب مركزيّة غير مصيريّة لا يفوز فيها واحدٌ مفرد، مطلقاً! في هذه الحرب المصيرية يقرر الأخفياء في اللجنة: ثنائية الفوز والانعتاق، وليرِنا كل منكم أليفَه! ويرددون مع الراحل(نجيب محفوظ) في خان الخليلي: فين أليفك يا بلبل الحب اتنين اتنين.. وتنقسم الجائزة إلى نطاقين، يقتسمهما شاعران، بسبب غياب المعايير التحكيمية الواضحة وشيوع ثقافة التربيطات، حتى على مستوى القصيدة.. يا شيخ ابن علوان!
عطفاً على التوطئة… ففي واحدة من حلقات هذا الصراع العذري يقف الفائز بالجائزة على منصة التكريم. وبصوته الأسمر الحالم يغني شهاب اليوسفي: لا تجحديني ك(صنعا) فهي عاهرة.. قضية الشوق ليست من قضاياها.في هذه اللحظة يهرعُ خلفاء الباقلاني إلى لجنة التحكيم، لا تنقصهم الحوقلة ولا يخطئهم الاستغفار: اطرحوا شهاب أرضاً، نصرةً لبكارة صنعاء، وإحقاقاً لنظرية المتنبي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يسال على جوانبه الدمُ.! هكذا، بذات الحجّة الأخلاقية التي رُفضت بها معلقة امرئ القيس عند الباقلاني. وإذا كان الباقلاني يتجاهل، عن عمد، حقيقة أن ما رفضته أخلاقه العربية الخاصّة من أيروسيّة امرئ القيس، كما أبان موقفُه، قد قبلته العرب قاطبة حين علّقت القصيدة على جدار الكعبة(طبقاً لكتب التاريخ التي تثبت صحة فعل التعليق، على عكس تلك التي تعزو معنى مفردة معلّقة إلى “عِلق”وهو الذهب.. أو الشيء الكريم، منكرة فعل التعليق على جدار الكعبة).. فإن القاعدين في الصفوف المتقدّمة، في لحظة إلقاء اليوسفي لقصيدته الفائزة بالجائزة، كانوا يقفزون أيضاً على الدلالة الواسعة لهذا البيت الشعري.. المجاز المندغم في التاريخ والحاضر بكل تفخيخاتهما الفنيّة.
أكثر قُربا.. فقد حددت لجنة التحكيم (لجنة أمانة العاصمة، كمثال) معايير الحكم على النصوص المتسابقة بالتهويمات التالية: التجربة الشعرية وآفاقها – القيمة الفنّيّة لموضوع التجربة الشعرية – الجديد في موضوع التجربة الشعرية – الجديد في التعامل مع الموضوع الفني – قيم الصور والأخيلة – القيم الموسيقيّة، وأعطت لكل مقياس (15) علامة. تُجمع العلامات، في النهاية، ضمن المتوسّط الحسابي المقرّر للنسبة النهائيّة.وإذا كنت من الذين عندهم علم من الكتاب فستقع عينُك على الحقيقة التالية: نص شعري عمودي يحصل على نسبة 100%، وبجواره نص نثري يتجاوزه على صعيد الشعريّة الخالية من الزعيق، بكل تأكيد، لكن شكله الشعري خسف به الأرض، فلم يتحصّل على أكثر من 44%.. لتقرر النتيجة كالتالي: صاحب النص العمودي هو الشاعر المطلق الذي ليس كمثله شيء، كونه تحصّل على الدرجة النهائية، مغلقاً الباب أمام شعراء العالم أجمع لمنافسته.. في حين تقرر النتيجة نفسها أن الشاعر(في حقيقة الأمر: الشاعرة) المشارك بقصيدة نثر قد أُخرِج من دائرة الشعر بحصوله على أقل من النسبة المطلوبة للإجازة الشعرية. إنها الأحكام المطلقة المضاهية لمكانة الإله، يا ابن علوان..
وإذا كان التساؤل لا يوجب الاغتسال، كونه في أحايين كثيرة يفعل ذلك.. فأمامنا التالي:
– الجائزة تتحدث عن نص شعري وحيد، وليس عن مسيرة شعرية حافلة.. فما معنى لفظة(الجديد) إذن؟ وكيف تصلح هذه الضوضاء اللغوية لتحديد جودة النص الشعري الآحاد الذي بين يدي الناقد؟ إنّ مثل هذه التوصيفات النقدية المعياريّة لا تبتعد كثيراً عن لغة الإعلانات التلفزيوينة، للقرف الصديد، معيدةً – بمهارة ساخرة – إلى السطح المقاربة الشعبيّة للظاهرة العربيّة إجمالاً: كله عند العرب صابون!
– ما معنى القيمة الموسيقيّة.. بالتحديد؟ وإذا كان النقد الكلاسيكي يتحدّث عن موسيقى داخلية وأخرى خارجيّة، فما هو حظ قصيدة النثر من هذه الدوغما النقدية؟ وتعاملاً مع مفردة (القيمة) فهل يستطيع المحكمون أن يخرجوا علينا بدراسة مقارنة لثلاثة نصوص متسابقة.. على أن تتحدّث هذه الدراسة عن قيمة عالية وقيمة متوسّطة وقيمة منخفضة! وإلى أي ثابت ستُعزى مثل هذه الأحكام؟ وإذا كان هذا الشرط مقصوداً لغيره، بمعنى استثناء وطرد شكل شعري من السباق (قصيدة النثر، بالتحديد) أفلا يعتبر مثل هذا التحكيم مذهبيّاً وناسفاً للشعر، بمؤدّياته العالميّة؟ علماً بأننا نتحدّث عن جائزة تحمل اسم أعلى منصب اجتماعي في اليمن! وهل يملك مجموعة من إرهابيي وميليشيات النص الشعري العمودي الحقَّ في تحديد ماهية الشعر، الذي لا يتجاوز لديهم (تنظيراً وإبداعاً) الوزن والقافية، كما كان عند قدامه بن جعفر، في الغابر من الأيّام؟
لم يكُن مدهشا، لي على الأكثر، أن أسمع أحد الأسماء المهمّة في أمانة الجائزة، وهو ضابط عسكري بالمناسبة البحتة، يتحدّث في ملتقى صنعاء للشعراء الشباب العرب، أمام مجموعة من الأصدقاء، وبلغة الآلهة يقول لهم: “أرفض الاعتراف بقصيدة النثر، وأستثنيها من الشعرية مباشرة؛ كما أعتقد أن الشعر الحقيقي هو النص العمودي.” لا يهمني هُنا الرد ثقافيّاً على هذا التطرف والتأخّر! فقط، يهم كل المتطلّعين إلى الحداثة، أو: العصريّة، من القادمين الجُدد أن يقفوا ضد غلواء هذا الصنف من الناس. فالشعرية مجاز مرسل لا نهاية له، يأتي صورة أو دراما أو نص.. ومن أراد أن يقعد عن حركة التاريخ، فيما يشبه قعود الزبرقان بن بدر، بحسب الحطيئة، فبمقدوره ذلك بكل تأكيد.
ولأصدقائي القريبين: تناسوا ما نشره المشارُ إليه آنفاً إبّان ملتقى صنعاء للشعراء الشباب العرب من أن وزير الثقافة قد دحرج إليه فرصة ثمينة تقتضي أن يقوم الفندم، جلّت فطنتُه، برفع توصياته الخاصة إلى الوزير فيما يخص (من يرى فيهم مستقبل اليمن الشعري أكثر تجسيداً)!
لنعُد إلى أعمدة الحُكم الخمسة، المشار إليها آنفاً، انطلاقاً من هذا البوستر المخيف: شخصية متطرّفة في لجنة التحكيم تقلّبُ في نص شعري عمودي متسابق، يبدو لي أن صاحبه قصد من خلاله مناورة اللجنة. النص الشعري يمتلئ بحداثة الصورة الشعريّة، ويستفيد إلى حد بعيد من تقنيات قصيدة النثر في بناء نص عمودي.. لقد بدا الأمر مستفزّاً حقّاَ لأعضاء لجنة التحكيم، بحسب شخص قريب من اللجنة. في القراءة الخامسة للنص يكتشف أحدُهم خطأ عروضيّاً، ربما استكثر الشاعر على نفسه هندمته.. في هذه اللحظة يهش أعضاء الأمانة ويهتفون بلهجة أجنبية مترجمة، مشرّبة برائحة الانتصار: يووووووريكااااا! لقد سقطت القصيدة وخرجت من المنافسة تماماً، وانتهى أمر هذا الشاعر، في هذه اللحظة.. هكذا بسرعة. تساءل صاحبُ النص: وماذا عن أعمدة الحكم الخمسة، ومعايير التقييم والتفويز، أين ذهبت كلّها؟ رفع سؤاله إلى التراب، في حين لم يكن ينتظر جواباً من أحد.
كذلك.. بملاحظة أن المسابقة تحمل عنوان: أحسن نص شعري.. فإن الحديث عن تقييم (نص واحد) من حيث هو تجربة شعرية لها(آفاق جديدة – جديد على الصعيد الفنّي – جديد على صعيد الأداء الشعري، .. بحسب ألفاظ معايير التقييم المعتمدة لدى اللجنة) سيكون حديثاً غير موضوعي، نهائيّاً..باستثناء افتراض لاهوتي يمكن أن ينص على أن المحكّمين على علم سابق بكل ما اقترفه الشعراء من خطايا وفضائل شعرية، إلى ما قبل هذا العمل الفني. ربما يؤيّد مثل هذا الفرض الإكليروسي حقيقة أن معايير الحكم تحمل في عناوينها رائحة دينية(إيديولوجيا نقديّة، غالباًً) خفّية يشي بها تكرار كلمة(قيمة). يؤيّد هذا الفرض، بشكل مخيف جدّاً، صرخة أعلنها أحد أعضاء لجنة التحكيم منتقداً تأخير قصيدة شعرية قيلت في مدح الرسول: إذا لم تفُز احتراماً للشاعر فاحتراماً لرسول الله! بمقدورك أن تضيف إلى هذه الهبّة الدينية صرخة: تكبيييييير..
لقد شكّلت لجان التحكيم، في جائزة الأخ رئيس الجمهورية، عصابات شعرية شبيهة بعصابات نيويورك (بطولة ليوناردو دي كابريو)! وجرت عمليات تفويز واسعة، بطول تاريخ الجائزة، للأصناف الثلاثة فقط: شاعر/ شعر عمودي – شعر غير عمودي يجري مجرى العمودي – شاعر غير عمودي بتوصية عموديّة! وبالطبع، فقد كان يحدث هذا في إطار عام لا يفتقر إلى استثناءات هي أندر من الكبريت الأحمر، نزولاً عن رغبة ابن علوان في التوصيف.
بمقدورنا أن نعود إلى هذه القفشة بالتركيز على المشهد التالي: يصاب أحد أعضاء اللجنة الثلاثية بالملال بسبب انقسام حاد في(الانطباع) الذي تركته القصائد المتسابقة لدى أعضاء اللجنة. في سياق الملاحظة التي نحن بصددها، راهناً، سيكون ملائماً أن نعيد قراءة مفردة (الانطباع) ثم عرضها على معايير التحكيم السابقة.. لنكتشف أن تلك الأسس المعتمدة للحُكم ليست إلا عملية استيفاء بيانات، لا أبعَد.. وقبل أن ينفض سامر اللجنة، في هذه الأثناء المملّة، فقد رشّح أحدُهم قصيدة نثريّة (يا للهول) لتنال دم الجائزة. أمرٌ غريب(ما) لم يحدُث في تلك اللحظة الفاصلة في التحول المزاجي لأحد أعضاء اللجنة. حتى إذا ما تأكدنا من الرواية التي تقول أن حاخام اللجنة أمسك بتلابيب صديقه الصابئ، وبلهجة استنكارية غاطسة في رغبة الترشيد يخاطبه: الله المستعان يا(سين) نسيت العمودي، خلاص! وبالمصادفة الشيوعية، فإن الأخ (سين) هذا، هو نفسه المشار إليه سابقاً بنفس الرمز الأبجدي.. واحتمال أن يكون رامزاً ل (صاد) هو صفر!

لكي يبدو بيتُك أنيقاً، انسف حمّامك القديم
مازحتُ أحد الفائزين بالجائزة: هاه.. هل تثق في حكم اللجنة الآن، بعد أن منحتك الجائزة؟ فرد عليّ بثقة، بينما نحنُ في طريقنا إلى بني حشيش للتنزّه: أثق في شعري، أما اللجنة فقد أخطأت الحكم كالعادة.
وإذا كانت تجربتي القديمة مع الجائزة هي جديدة ومثيرة للضحك، فأنا هنا لا أقدّم عريضة مرافعة، كما لا أفكر في فتح مزاد ل(حرب استرداد) على شاكلة ما أعلنه الأمير فردناند، في أوائل القرن الخامس عشر، إسبانيا.يكفي أن لا يركّز الأصدقاء على حادثة هامشيّة كنتُ شاهدها وعلامة فارقة فيها. وبرواية الشاعر صلاح الدكّاك للقصّة، فإنّ خطوطها تتمايز كالتالي: تقدم مروان الغفوري للمنافسة على جائزة الشارقة للإبداع العربي بمجموعة شعرية مؤلّفة من جملة النصوص التي سقطت في التنافس على مستوى أمانة العاصمة لثلاث دورات، وكان من سوء حظّه أن يحقق المركز الأوّل في جائزة الشارقة. وبالمناسبة أيضاً: فإنّ أحداً لم يحتفِ بهذا الفوز باستثناء لقاء لصحيفة الثقافية ومختصر غير مفيد في صحيفة الصحوة ؛على عكس ما أقامته شلّة حسب الله احتفاء بالمنشد عمار العزكي.. يحدث هذا في وقت يقرّرُ فيه فيلسوف كبير (بول ريكور) أن الشعرَ هو طليعة الفلسفة، يفتح الطريق أمامها ويمدّها باصطلاحاتها اللغوية.

إلى رئيس الجمهورية
غيّر عتبة هذه الدار، بربّك، من أجل الشعر الذي قرّرت، عن طريق الخطإ شبه العمد، أن تكرّم أصحابه. وإذا كان رئيس وزرائك المتشاعر يفاخر بفلسفة نسف الأسقُف، في اليمن الجديم/د، فنحن نتطلّع إلى نسف المطبخ القديم بكل تنويعاته كشرط مفصلي في صناعة المستقبل.. فيما يمكن أن يمثّل بيروسترويكا (النسف وإعادة البناء من الجذور) جديدة تقتضي جلاسنوست (شفافيّة) حاد.. من لجنة المناقصات إلى أمانة الجائزة. ولأنّك لستَ اللهَ الأبديّ، فلتحافظ على ما بقيَ لمنصب الرئاسة من معنىً قومي.. فإنه سيؤول إلينا (أعني منصب الرئاسة)، بفعل قانون الطبيعة، خلال زمن دنيوي محتمل. وبودّنا لو اضطرِرنا لخوض معركة تنظيف للمنصب، في حال استلامه، أخف مما هو متوقّع.

على سبيل الختام الدرامي
تكتسب الجوائز الأدبية أهمّيتها من الاسم/ العنوان الذي تنتسب إليه أو الصفة الرمزية التي تحمِلُها، ومعايير التحكيم بالإضافة إلى الشخصيات الأدبية المشتركة في التحكيم وعضوية الأمانة، ومكوّنات المتسابقين الثقافية والمعرفيّة. وجائزة رئيس الجمهورية ارتبطت بأعلى رتبة يملكها الاجتماع اليمني، على الإطلاق..، لكنّها افتقرت إلى بقية إجراءات الموثوقية الأدبية (أمانة عامة، معايير، قيمة ماديّة، …إلخ).. حدث هذا رغم ارتباطها بأعلى رتبة اجتماعية يمنية.. وغدت، بكل صراحة، القيمة الأدبيّة لجائزة رئيس الجمهورية اليمنية للشعر والفن، في الوسط الثقافي اليمني والخارجي، قليلة الأهميّة والدلالة، في آنً. في حين تكتسب جوائز أقل شأنا، من الناحية الرمزيّة كونها تتبع نوادي أو مؤسسات أو شخصيات اجتماعية ليست فارقة الأهمية، أهمية ثقافيّة ومعنى إبداعياً بالغ الحسم. ببساطة متناهية: إن عملية سطو واختطاف قام بها غير مجهولين هي التي أفقدت الجائزة معناها.. وأبعد من ذلك، فقد جعلتها في أحايين كثيرة سبّة في ملف حائزها، بحسب تصريح فائز سابق بها. وحماية لمنصب رئيس الجمهورية(الرتبة الاجتماعية التي يملكها الاجتماع اليمني، وليس الشخص) من أن يرتبط بأي عمل فاشل، على أي صعيد[ كالعادة]، فأنا أطالب رئيس الجمهورية بإلغاء هذه الجائزة ومحاسبة القائمين عليها.. على الأكثر، أو نسف جهاز أمن الجائزة، وحرسها القديم، وإعادة صياغة شروطها الإبداعية ونفخ القيمة الفنيّة فيها من جديد، من خلال أمانة عامة معروفة بحضورها الإبداعي المائز يمنيّاً وعربيّاً(الجنسية ليست شرطاً حصريّاً في الفعل الإبداعي) والاستئناس بجوائز أخرى، عربية ودوليّة.. وأكثر من ذلك، التفكير بجعلها دوليّة، على الصعيد العربي العام.
ويكفي.. بصراحة.. إهانة لليمن، أيها القُدامى، فقد جرجرتُم طموحاتنا وتاريخنا على كل مزابل العالم.

[email protected]

* شاعر وكاتب يمني مقيم في القاهرة