المؤسسة الرسمية والعمل الحزبي وقضايا التنمية.. قصور ينتظر التطوير، وليس تناقضاً يقتضي الإلغاء – نبيل الصوفي

المؤسسة الرسمية والعمل الحزبي وقضايا التنمية.. قصور ينتظر التطوير، وليس تناقضاً يقتضي الإلغاء – نبيل الصوفي

* بين دعوة الرئيس الخروج من صنعاء، وجهود جان لامبير في الحارات القديمة، وتجربة جمعية الإصلاح

سيكون من المخاطرة مواصلة ذات الأداء بعد كل الرسائل التي وصلتني –بأساليب مختلفة- مقررة أن أي حديث عن إيجابيات حكومية هو عداء للقيم والنضالات ولله والوطن. مع التأكيد أن المجتمعات لا تخسر شيئا بالحوار ولو صراخا، فالحوار هو الوسيلة الأنجع لتقرير أي الأفكار تستحق أن تمكث لتنفع الناس باعتبارها إنجاز الأغلبية ووعيها وقرارها.
لذا فأنا مصرّ على أن أقول ما أنا مقتنع به. ليس باعتباره الصواب المطلق، فالإجماع وحده هو حكم الله لذا هو نادر التحقق، أما ما نحن مختلفون فيه فلدى كل منا جزء -يصغر أو يكبر- من هذا الحق. ومهما بلغت قسوة الأقلام، ومع أن القول -مطلق القول- خطير وخطير جدا، فإن الحوار لا ينتهي إلا بخير ولا يفضي إلا لمثله. وثمة “ما ينفع الناس” في كل شيء حتى فيما “ضره أكبر من نفعه”.
وعليه فتمسكي بالقول-المعبر عن الذات- هو تأكيد فقط بأن القول طمعا في وظيفة يستوي بالقول خوفا من قارئ معارض، كله إلغاء للذات، وهذا هو الرضوخ للقمع والاستبداد، وهو كريه، تحقق خوفا أو طمعا من السلطة أو من غيرها. علما بأن تمثيل الحق والقيم الكبرى والجماهير أكبر سلطة وأكثرها عمى، واقلها رشدا.
نحن جميعا ما زلنا في مرحلة الإدعاء بالديمقراطية، ومازالت السلطة هي منطقة اختبار هذه الإدعاءات. فيما غالب -إن لم يكن كل- قضايانا مؤجل النقاش فيها ووضعها محل الاختبار. نحن نقدر أن نقول ليس عن السلطة، بل وعن الرئيس شخصيا، ما نشاء، بموضوعية وبدون. لكننا أبدا لا نقدر على مناقشة تاجر محدد أو شيخ مسمى، ولا حتى صحفي أو أديب أو حتى عاقل حارة باسمه ووظيفته. لا أتحدث هنا عن مجرد ردة الفعل، وإنما عن تأثيرات مباشرة تمسنا، وقدرات لدينا على استخدام ما نراه “كلمة حق” والطريق المرسوم لهذه الكلمة في وعينا تاريخيا وتربويا وحتى سياسيا.
لا يفوتني هنا، التنويه بالترويض الثقافي، الذي نجح به وفيه الكتَّاب وقيادات الأحزاب معا، إذ صار نقد قيادات الأحزاب أقل خطورة من ذي قبل، غير أن ذلك ينحصر فقط في قيادات الأحزاب، أما ما دون ذلك أو ما هو أعم –كالأفكار- فنقده لا يزال مخاطرة كبرى. وأكبر “قيمة عائمة” هي هذه التي تقرر أن السلطة وحزبها “مجموعة من الخونة واللصوص”، وأن شخصاً واحداً في اليمن على ما يشاء قدير، سواء قيل ذلك بدعوى أنه مصدر كل خير، أو بدعوى أنه سبب كل شر.
عموما –برأيي- فإن حالتنا الآن هي أشبه بتقاطع طريق مزدحم، حيث يصبح شرطي المرور هو منطقة الاهتمام الوحيد، وهدف الاعتراض والصراخ. ولو فتحت الإشارة وبدأنا السير لتحول اهتمام كل منا إلى ذاته وأدائه وإمكانياته أولا.
وهنا لن أناقض منطق مقالي، حين أقول أن أملي –كمواطن لا ينتمي في تفكيره هذا إلى أي حزب أو محور سياسي- لا يزال معقود بالمؤتمر الشعبي العام وبرئيسه، وبالطبع بأمينه العام وبكل مجاميعه. لكي نغادر هذه “الجولة” المختنقة، وإشارتها الحمراء.
ليس ذلك بتحقيق كل الإنجازات، بل فقط بالتمسك بالأجواء المتميزة التي حققتها الانتخابات.
اليمن الجديد بحاجة لدفعة من الأجواء تشبه تلك التي أنجزت بها الحركة الوطنية –في الشمال القديم- وبرعاية علي عبدالله صالح –نفسه- تأسيس المؤتمر الشعبي العام. لا أتحدث عن النتائج الكلية، ولا عن المقدمات الكلية أيضا. أتحدث فقط عن الممكن. كما لا يتضمن حديثي هذا أي أمنية بعودة التحالفات الإستراتيجية، فهذه الأخيرة هي كارثة التعدد والتعددية. حديثي مقتصر هنا، على المؤسسة الرسمية، مدنية أو عسكرية، ومع تأثيرات متوجبة ستخص المعارضة هنا، فإن للأخيرة مجالها الذي يوجب عليها إعادة اكتشاف القوة الحقيقية للمعارضة –كفكرة وآليات.
خلاصة الأمر أن الأنظار تتجه نحو المؤتمر. لننسى هنا من يخاف أن يفقد وظيفته وقدراته المتعيشة من فشل المؤتمر ورئيسه، ولكن لنتذكر –مع أنصار المؤتمر وناخبي صالح- من لا يؤمل كثيرا بتحقق النجاح لأسباب موضوعية، فيما هو في الحقيقة يدعو الله أن يخيب ظنه الكسول وأن تشهد اليمن نقلات نوعية تستحقها شعبا ورئيسا.
سيدي الرئيس.. لقد منحتك الجماهير أصواتها ليس كما يقول البعض، بأن الشعب لا يستحق الحياة، بل تأكيدا لنجاحك في استقطاب اطمئنانه. وتذكر أنك عددت أمام ناخبي محافظة المهرة “وعودك التي صارت واقعا”، في سياق التأكيد أنك ستبذل كل جهدك ليصير غالب برنامجك الانتخابي واقعا، من أجل اليمن الحاضر وعلي عبدالله صالح التاريخ.
وأنك وعدت –حين عدلت عن عدم الترشح- أن تنجز ما تبدى لك أن الإنتقالة اليمنية تحتاجه قبل انتخابات 2013م. ونأمل أن لا يأتي ذلك التاريخ إلا وقد سمت الأحزاب مرشحيها لكل الانتخابات عبر مؤتمرات عامة هي أهم من مؤتمراتها الداخلية، كما طالبت واقترحت ذات يوم.
والله لك المعين، فالتغيير يبني طموحا، ثم كلمة، قبل أن يصير واقعا يرى بالعين المجردة. وأنت صاحب القرار.

الخطاب الرسمي.. تغيير الاهتمامات
المدخل من وجهة نظري، وأنا الذي لا يرى سوى قدرته كفرد في أمتار صغيرة على ارض هذه البلاد، هو الخروج من دائرة الاهتمامات المغلقة.
فلطالما نبه الرئيس صالح المعارضة –أثناء الحملة الانتخابية- أن “اليمن أوسع من الحارات التي يسكنونها”، بل وزاد أن اعتقد أن “قيادات الأحزاب لا تعرف حتى خصوصيات هذه الحارات”.
ولست في معرض مناقشة هذا الحديث. ولكني أريد أن أساهم في حماية إيجابياته. التي يهددها وضعه في إطار واحد مع حديث رسمي أثناء الانتخابات –من غير الرئيس- ربط بين ضعف التنمية وفعالية اليمن سياسيا.
علما بأنه إذا ما أضيف كل ذلك للحديث المعارض الضاج عن الدولة اليمنية القامعة والمستبدة.. وكل الأوصاف التي تسيء للحركة الوطنية وإنجازاتها منذ ثورة 1948م، فإن كل ذلك قد ينظر للمأزق العروبي الكبير الذي يفاضل بين الحرية السياسية والتنمية، ويظل يخير المواطنين بين “حرية لسانه” و”حقوق بطونهم”.
أقول، إن إيجابية حديث الرئيس، تنحصر في أن يكون حديثه دعوة للأحزاب لكي تخرج من “المكتبات” إلى الشارع، ومن الحارات إلى اليمن الكبير، ومن الاهتمام الواحد والتوجه الواحد والمدينة الواحدة، إلى التفاصيل التي يتوزعها اليمنيون كمجتمع كبير وليس مجرد نخبة. ولا يتضمن حديثي هذا أي استخفاف بوظيفة النخب ودورها.
من هنا فإن من الأدوات الناجعة في مهمة “إعادة الإقلاع” نحو المستقبل التي قرر المؤتمر ومرشحه الفائز قيادتها لتضاف لكثير من محطات الإنجاز السابقة، هي الاعتراف بالمنجز السياسي لليمن القديم، والذي ليس سوى هذه الأحزاب وهذا الجدل السياسي المرتبط بها وبأهدافها وأداءاتها.
الحزبية هي أدوات التنمية السياسية، وأي تعاط يعتبرها خصما هو اعتداء على منجزات مهمة، بحجة الإفساح لمنجزات جديدة. مع أن الإنجاز لا يقبل التجزئة ولا تتصارع مكوناته.
ولكي نربط –إذن- بين الدعوة الرئاسية وبين متطلبات التنمية فإن من المهم بسط القول ضد الغرق الحزبي في الاهتمامات الواحدة.
لقد دعتنا جمعية الإصلاح الاجتماعية الخيرية -عدد من الصحفيين- لتعارف مؤسسي مع أنشطتها، خاصة بعد تغيير غالب قيادتها المؤسسة وانتخاب قيادة جديدة. وقد أصابني الذهول لحجم غربة اهتمامات وأنشطة هذه الجمعية في الميدان السياسي والإعلامي. إن العمل السياسي اليمني ورغم أنه ضاج وفاعل ويستقطب الجدل والحوار والصراع، فإنه لا يسكن ولا يعبر سوى عن أقل من 5% من حاجة واهتمام اليمنيين.
لو عدنا لبيانات مؤسسات الأحزاب المحلية والمركزية، لما رأينا سوى ذات الاهتمامات.
عمالة أو تهريب، أو حتى الطفولة وحاجاتها بدون تهريب ولا عمالة، ليست مجالا للاختلاف والنقاش العام بين الأحزاب.
الصحة الإنجابية، الصحة العامة، مكافحة الأمية، الأيتام، تعليم الفتاة، التعليم الابتدائي، وحتى الفقراء والمعوزين، تنظيم الخدمات الصحية، المدارس، الشوارع والطرقات… الشباب- وآه من الشباب وآه عليهم… كل هذه القضايا ليست مجالا للصراع السياسي في اليمن.
صحيح هي قد تحضر في برامج الانتخابات، وفي بيانات عمومية، لكنها لا تمثل ولا تتمثل في مفردات الثقافة السياسية، ولا تمثل محاور الاستقطابات والاتفاقات والاختلافات.
لن نعيد الحديث عن قضايا النقاش التي سبق وتناولناها هنا: انتخاب المحافظين، مكافحة الفساد، إدارة المناقصات، والتخطيط للمالية العامة وإدارة الموارد…؛ فنحن نمثل فقط.
ولكن سأستحضر صورة أخرى. لقد عشت ساعات مبهرة خلال يومين من الاهتمام الفرنسي بتفاصيل الحياة اليمنية، أتحدث عن فعاليات المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية بصنعاء ومديره صديق اليمن أكثر من اليمنيين “جان لامبير”، المصاحبة لإطلاق كتاب الخبير العربي العاشق للتاريخ وما كان منه يمنيا بالأساس، منير عربش، “اليمن..مدن الكتابات المسندية”.
لقد تلفت كثيراً بحثا عن الوجوه العامة، العامة هنا تتجه لشخصيات حزبية ووزراء وبرلمانيين، وحتى أعضاء المجالس المحلية وكتاب وغيرهم. ولمزيد من التوضيح، فهذا المعهد يسكن في حي صنعاني قديم، ويحافظ حتى على تراب التاريخ اليمني المتلعق بـ”الشبكـ” القديم الذي كان يوضع حول النوافذ القديمة. هو نوع من تقدير الجهد اليمني والخبرة اليمنية التي هي أيضا من تتحكم بالحاضر كمنجز لها بكل اعتلالاته.
ولما لم أر سوى الصديقين: نبيلة الزبير، ونبيل سبيع، وهما من ذوي العلاقة المقطوعة بالعمل الحزبي أساسا، تذكرت أن هذه ليست اهتماما للحزبية في اليمن، مع أنها كل الأهمية، بل، وكما قال منير راجيا اليمنيين الاهتمام بتراثهم: “السياحة التاريخية يمكن أن تكون من أهم الموارد”.
عودة للموضوع الرئيسي، فاليمن الجديد لن يكون جديدا إلا بتجديد حزبيته وفعاليته السياسية، وليس بمزيد من إضعاف هذه التجربة.
لست أدري إن كان الرئيس علي عبدالله صالح يحلم بيمن “بلا أحزابـ”، ولكني وتذكيرا بتميز يمني في توطين الأيدلوجيات الحزبية (تذكروا هنا تجربة الإخوان المسلمين)، واتكاء على ذات البرنامج الانتخابي لصالح، سأتمسك بالاعتقاد أن “تطوير” العمل الحزبي من أهم مهمات المؤسسة الرسمية للفترة القادمة.
من هنا فبسط القول ضد الغرق الحزبي في الاهتمامات الواحدة، يقتضي أن نطالب المؤسسة الرسمية نفسها بتولي زمام هذا البسط. الأمر ليس مقالات للنقد والنقد الآخر، بل إدارة العلاقة بين الأطراف المعنية.
يحضرني هنا سؤال عن رؤية الأجهزة الحكومية لمقرات الأحزاب. إجابتي ستتجه لمطالبة الأجهزة بتنشيط هذه المقرات. لماذا يترك التجمع اليمني للإصلاح أو الحزب الاشتراكي أو التنظيم الناصري -السؤال أولا عن مقر المؤتمر الشعبي العام- مقرا خاصا بقضايا وحارات ما قبل اليمن الجديد؟!
لماذا لا تشارك وزارة الزراعة الإصلاح في حجة والحديدة النقاش حول متطلبات مهمتها كوزارة؟ صحيح أن مسؤولها الأول مؤتمري، ولكني أتحدث عن قضاياها كوزارة يمنية وليس عن دورات للاستقطاب الحزبي.
لقد افتتح الرئيس علي عبدالله صالح –ولمرة يتيمة- مؤتمرا استثنائيا للتجمع اليمني للإصلاح، ولقد كان ذلك المؤتمر أهم محطة إصلاحية لمناقشة خيارات وطنية كبرى. فلماذا لا تجر المؤسسة الرسمية الأحزاب وعلى رأسها المؤتمر لمناقشة تفاصيل الحياة، وتجرها بعيدا عن الانكماش في “صنعاء”. ليس الأمر يرتبط فقط بالرئيس والمؤتمرات العامة. إننا نعرف أن مكاتب المحافظات –وغالب المحافظين- لا يتعاملون مع الأحزاب إلا بمنافستهم في الانتخابات، وهذا هشَّم صورة الإنجاز الديمقراطي اليمني الذي نعيشه منذ حتى ما قبل الوحدة اليمنية، في الشمال.
كما أنا لا نرى قيادات الأحزاب في الإعلام الرسمي إلا حين الأزمات السياسية. السؤال: ألا يمكن تسويق النصيحة الرئاسية للأحزاب عمليا، عبر إشراك الأحزاب في ندوات لمناقشة القضايا المحلية في محافظة المهرة مثلا أو صعدة، من مكافحة الملاريا، إلى الثقافة الدستورية، وأداء البرلمان، والدور اليمني في القرن الإفريقي، وحصص الغاز بين المحافظات، ونسب التوظيف، والماليات العامة..؟
أعرف أن الخطاب الحزبي سيبدأ محشورا في نقطة واحدة على طريقة التلميذ الذي كان يقفز دوما إلى الحديث عن الجمل وحياته الصحراوية مهما كان موضوع التعبير المطلوب منه، ولكن الحل ليس أن يترك مستقبل اليمن بيد أحزاب لا تشتبك بحاجات اليمنيين. علما بأننا أصلا سننتظر طويلا حتى نجد من يحسن الحديث عن هذه القضايا من قيادات الأحزاب، وله القدرة ليتحدث باسم أو عن الحزب؛ إذ لا تزال مصدر قوة الأشخاص والوظائف في الأحزاب هي شيء آخر غير اهتمامهم بتفاصيل الحياة، هذا إن لم نقل في بعضها أنه ضد هذه الحياة ومتطلباتها.
ثمة -من الأحزاب- من سخر كثيرا حين تحدث الرئيس علي عبدالله صالح في رمضان عن “مشكلة المياه”، وثمة من امتعض من تأكيده أمام مؤتمر لندن أن اليمنيين ينتظرون أن تدعم ديمقراطيتهم عالميا عبر “توفير الخبز والخدمات”.
ألا يمكن اعتبار ردة الفعل هذه، دعوة لتأهيل هؤلاء بحيث يدركون أن اليمن ليست مجرد “خطابات نخبوية”، أكثر من كونه مدعاة لمزيد من تهميش الحزبية بدعوى إفساح المجال للتنمية؟
الجهود التي يبذلها الناشطون الحزبيون كبيرة وكبيرة جدا، ولكنها للأسف لا ترتبط كثيرا بالتوجهات العامة التي تقتضيها حاجة حتى الناشطين أنفسهم. فلماذا لا تكون الحلقات التنظيمية إحدى وسائل خدمة حاجات اليمن الجديد؟ أتحدث عن اليمن صحة وتعليما وإدارة، وليس مجرد قرار وخطاب سياسي.
إن الخطاب الرسمي هو الأقدر على جرنا –كحزبيين وناشطين حول القضايا العامة- إلى الميدان الذي غبنا عنه كثيرا، وغيابنا مثلما حبس المؤسسة الرسمية، فقد ضاعف من التحديات التي تسكنه.
وفوق كل ذي علم عليم.
[email protected]