في قارة أخرى تركت أعداءً مساكين يجب أن تخجل من نفسك عندما تتذكرهم* – إيمان مرسال**

في قارة أخرى تركت أعداءً مساكين يجب أن تخجل من نفسك عندما تتذكرهم* – إيمان مرسال**

يجب شراء organic food ولكني منذ ساعة أتأمل صورة أمي جالسة على
عتبة دار أبيها التي لم تعد هناك؛ أقصد العتبة رغم أن أمي نفسها لم تعد هناك.
لا أحد يمر في الشارع لأن العربات تدخل وتخرج بالريموت كنترول. كنت قد اشتريت
هذا البيت الذي لا يمكنني الجلوس على عتبته من أرملة نحات أسباني كان قد بناه على
أرضٍِ تؤول إلى مهاجرٍ أوكرانيّ أعطتها له الحكومة الكندية بعد نزعها من الهنود الحمر
لكي تقيم مدينة فيها عدة جامعات وعشرات من الشوبنج مول وآلاف مثلي يعرفون الفوائد
الصحية للأورجانيك فود ويمتلكون عربات تدخل وتخرج بالريموت كنترول.

ما تعلمته هنا لا يختلف عن ما تعلمته هناك:
– القراءة كتذكرة مرور إلى تغييب الواقع.
– تخبئة الخجل تحت ألفاظ بذيئة.
– إخفاء الضعف عبر إطالة الأظافر.
– تسريب الأرق في التدخين دائماً وفي ترتيب الأدراج أحياناً.
– توفير ثلاثة أنواع من قطرة العيون من أجل توضيح الرؤية ثم الاستمتاع بالعمى
والأهم تلك اللحظة الرائعة من إغماض الجفون على حريق.
هنا وهناك
تبدو الحياة وكأنها موجودة فقط لتُراقب من بعيد.

دقائق وتدخلك السكينة التي لا يبحث عنها أحد
فقط اترك رأسك تحت الماء
كيف؟ الفكرة التي تبرق مثل لؤلؤة في سلة مهملات؟ كيف تهدرها هكذا؟
انها فكرتك أنت؛ مختلفة عنك وأصيلة.
هذه الثواني ليست معدودات؛ إنها النصل الفاصل بين زمنين،
تذكّر الأطباق القذرة في المطبخ… البريد الذي يحمل إعلانات، المصابيح التي تسلط
نفسها في حدقتيك، البروزاك… الرحمة التي لم تعرف أنك تبحث عنها، معك، ستدخل إلى
رئتيك إذا تركت جسدك يهبط ، يهبط للقاع… تحت الماء ثوانٍ أخرى، لا حاجة للخوف.
الزمن لن يفعل شيئاً على الإطلاق،
لن يجعل لشجاعتك ثقلٌ يأخذك لأسفل
الزمن ليس مهماً، انه مجرد زمن.

في قارة أخرى، تركت أعداءً مساكين، يجب أن تخجل من نفسك عندما تتذكرهم.
لا شيء يغضبك الآن، من الصعب أن تقابل شيوعياً كلاسيكياً هنا،
انهم حتى يضعون ساعة في المكاتب العمومية بدلاً من صورة الرئيس،
ربما يكون كابوسأ أن تقضي يوماً كهذا تحت تأثير المهدئات،
لا شيء جدير بأن تتمرد عليه. أنت مرضيٌّ وميت،
والحياة من حولك تبدو مثل يدٍ رحيمة
أضاءت الغرفة لعجوزٍ أعمى
ليتمكن من قراءة الماضي.

مرة عملت محررة أدبية وتحول العالم إلى كتابة يغطيها التراب
أكوامٌ من الرسائل مدموغة بثقة الدولة في نظامها البريدي
وحيث لا أنتظر غير الضجر، كان فصل الطوابع هو العملية الأكثر إثارة،
حيث جف لعاب كتاب سيئي الحظ تحتها.
الوصول اليومي إلى غرفة التحرير
كان نوع من ركن الأنا على جنب، مثل وضع عدسة لاصقة في محلول مطهر.
لم تكن هناك غير كآبة أقيس بها حجم كآبة الآخرين،
ولم يكن ذلك مناسباٌ لمجلة تبشر بالغد.
غرفة التحرير لم يكن بها شرفة،
ولكن الأدراج كانت مليئة بالمقصات.

 
* مقطع من ديوان «جغرافيا بديلة»
** شاعرة مصرية (مصر – كندا)