ضَعْ إلهاً في صدرك* – أنسي الحاج

ضَعْ إلهاً في صدرك* – أنسي الحاج

الجمال الكامل لا يخاطِب. أبكم. لا ينادي.
الجمال «المؤثّر» لا يخلو من نداء، ولو همساً. النداء الخفيف يمنحه غموض (الموناليزا)، النداء القويّ يراوح بين الاستغاثة الجنسيّة وشفقة القدّيسين.

ليس الصراعُ بين زهدٍ وإقبال بل بين مُقزّز ومُشَهٍّ. ولولا الأول لما أخذ الثاني حقّه. وغالباً ما يقودنا الثاني إلى الأوّل بعد ارتواء، فكلاهما مترابطان أو متلاحقان. إنها دوّامة أكثر منها صراعاً، وفريستها لا تفقه لعبتها إلاّ خلال ثوانٍ لا تلبث أن تتبخّر مُفسحةً لدَوَران الدوّامة…

نَكْتُبُ بلغة مرهوبة، لغة تكتب كاتبيها، فَجْرُها ممحوّ من الذاكرة وفروعها تخيّم برهبة الطوطم. نكتب بلغة تطمر كاتبيها في أرضهم، لغة كنوزها في أرضها.
لكننا بتنا نعذّبها كما تُعذّبنا، ونكتبها كما تكتبنا، نكتشفها كلما توارتْ، ونشعشعها كلما أطفأها المطفئون.
وعندما يخترقها شعاعٌ من خارج كوكب العطّارين تقوم من كهفها مع الدعاة وتَسْطَع وتُزَفُّ إلى الحياة.

… وأنتِ مَنْ يوقد هذه النار.
أنتِ انحراف الحرف عن كَفَنه.
لا تدرين. لا أحد يدري، وهذا هو السرّ الخصيب.
تأخذين بوجدانهم أيتها العروس، تأخذين بجبينهم، تأخذين بمصيرهم، أولئك الذين على مرورهم تنغلق وتنفتح الأبواب التي يغلقها الموتى ويغلقها الأحياء ويُغلقها الأَحياء ويَفْتحها الموتى.

السباحة بين ناس الشارع… وإذا وَقَعْتَ على عينين تأسرانك، تستسلم. ثم تنتفض طمعاً بسائر الأفواج المتدفّقة، تَعبُّ منها بلا ارتواء. وهي أيضاً تريدكَ – أو لا ترفضك – في تبادل غير مَرئيّ لأشواق وامتلاكات أدفأ ما فيها سهولتها وأرقى ما فيها رخْصها التطهيري.

نضيع بين الجوّاني وصدى البرّاني. ما أدعوه «عالمي الداخلي» لا يكون أحياناً غير هدير لاجترارات التفاعل مع الحوادث الخارجيّة. وما أدعوه «كتابة الذات» هل هو بأكثر من تسجيل لردود الفعل؟
نخلط بين المحراب الداخلي وتأثيرات السطح والمحيط. ليس هناك داخلٌ صرْفٌ ولا في النوم. لا أحد، حتى الفصامي، ينجو من طَرْق الخارج على الباب.

يُحارَب الحرّ لأنه يرفض القيد. وبرفضه القيد يَبْذر الفوضى في النُظُم والقواعد التي تقوم على الهيمنة والطغيان، على التهديد والبطش. كل حُرٍّ، مهما يكن عاديّاً، هو مشروع هجوم على القيم السائدة و«المؤسسات» لأنه متأهّب، بطبيعته وغريزته لا بثقافته، للدفاع عن حقّه في التصرّف بحياته ونفسه ملء التصرّف بملء الاستقلال والحريّة. يُحارَب الحرُّ ويُلْفَظ لا لأنه عدمي، غير مؤمن بشيء، بل لأنه واقعيّ، يؤمن برفعة قراره، بقدسيّة اختياره، بل حتّى بعماء قَدَره، مُفضّلاً إيّاه على «قَدَر» المجتمع والدولة والدين والتاريخ… إن تمسُّك الحُرّ، أو الإنسان المسمّى فرديّاً وما هو بهكذا تماماً بالفعل، إن تمسّكه بحرّيته هو في الواقع دَحضٌ للعدميّة وتجديد إيمان بالحياة. فمن يتّخذ من الحرّية قيمة عليا ويقدّسها إلى هذا الحدّ إنما يقدّس الحياة وكلّ حيّ، وينتمي بإيمانه إلى مجموع الأحرار حتّى لو آثر العيش منعزلاً. بل ويفتدي غير الأحرار. إن الحرّ الوحيد لا ينام وحده على الإطلاق بل تحت رياح كونيّة يعاين شمس الخفاء، شمس جوهر دوفع عنه ضدّ التشويه.

ما تحمله النظرة لا تستطيعه العبارة. وما تفعله اليد لا تستطيعه العين. وما تستطيعه إغماضة العين يراوح بين الثأر المُطْلَق والغفران المُطْلَق.

نسكر باللحظة لأنّها قطعة فناء استطعنا حَرْقَها احتفاليّاً.
نسكر بإفناء فناء. باستعجال الفناء.
الآلهة تَسْكَر بشكل مختلف. لا تَلْحس المبرد. لا تدفع ثمناً. سكراتُها إضافات إلى أعمارها، إلى صحّتها، إلى انتصاراتها، إلى ضَجَراتها.
هناك، بل هنا، معشوقة وَضَعَتْ في صدرها إلهاً وفي رأسها سماء آلهة. معشوقة تَحْرق وتحلم وتزداد إشراقاً كلّما أعطت وكلّما أخذتْ.
ضعْ إلهاً في صدرك. ضعوا آلهة في صدوركم.
المعشوقة تحرق الزمن من حسابه لا على حسابها، تُولّعه من جمر برود الآلهة في رأسها، من تَجمّد الزمن أمام نظراتهم. ضعْ إلهاً تحت جلْدك. ولّع سيكارة النهار بنار غيرك، نار شَغَف غيركَ بكَ. تَشبَّه بالحصاة النظيفة التي يَعْبُر فوقها النهر، النهر الذاهب إلى أمّه، النهر الذي لا يعرف أن يعيش. كنْ حصاةً شَهيّة كركبة الصبيّة واغتسل بالعبور، تفرّج على العابر الطويل الهادر المحيي يرتمي كقطيع في أمّه، في أبيه، ولا ترتمِ مثله بين تلك الأشداق، بل ارتمِ لحظةً، لحظة انخطافٍ، وعُدْ… عُدْ كالبَرْق، عودة الوحدة إلى الحجر بعد انحسار الماء. عودة الضجر إلى الآلهة في ختام الوليمة. عودة التماسك إلى الصَنَم.
أيّتها المعبودة، ليس في قوّة ارتعاشتك الصغيرة عاصفةٌ ولا رؤيا. لأنها ارتعاشةُ الصَنَم، يقول في تحرّكه إنّ هذا المشهد آية أكيدة، وإن هذا الشعور هو فوق الشبهات، وإن الصَنَم لم يرتعش لأنه معبود… بل صار معبوداً لأنه صَنَمٌ ولأنّه ارتعش…

* عن «الاخبار» اللبنانية