حالات الآخر* – وديع سعادة

حالات الآخر* – وديع سعادة

أحاول أن أُسبل جناحاً مكانَ يدٍ غادرتْ، فأُسبل ذكرى يد
أُسبلُ ما تبقَّى في مكان اليد، ثغرةً في كتف، هوَّةً في العظام
أُسبلُ هوَّة في العظام وأطير
كوطواط
غائصاً أكثر فأكثر
في عتمة عظامي.

أُسبل ذكرى نظرة
مكانَ عينٍ غادرتْ
ذكرى مكان
مكانَ مكانٍ غادرَ
وأرى كائناتي شاردةً في براري شاسعة
لا تصل النظرةُ إلى حوافرها البعيدة وأناديها: تعالي
تعالي يا كائناتي
كوَّنتُ براريك الشاسعة من نقطة صغيرة
عودي إلى النقطة الصغيرة التي كانت
في قلبي.

أُسبلُ ذكرى يد وذكرى عين وذكرى مكان
أُسبل شطآناً للغرقى الآتين من بحارٍ تركت الأسماكُ بعضَ عظامهم
أُسبل للحياة الأخرى للغرقى مكاناً على الحصى
الحصى الأبيض حيث كان مكانهم
حيث كانت حياتهم وضحكتهم وملمس أقدامهم الناعمة قبل أن تأخذهم البحار
أُسبلُ للمشدوهين بالفضاء حجراً على الأرض
للساعين وراء نار الجبل خيمةً لمبيتهم
وللمأخوذين بالنجمة الغريبة أُسبل ضوءاً خفيفاً من أجسادهم
وظلاًّ
كي يستريحوا.

يخرج الموتى منّي
وكذا الأحياء
ويرتطم بعضهم ببعض ولا يعود يعرف الحيُّ أنَّه حيّ
ولا الميت أنَّه ميت.
يدخلُ الموتى بي
وكذا الأحياء
ويختلط بعضهم ببعض ولا أعود أعرف أحيائي من أمواتي
ولا إذا أنا حيٌّ أو ميت.
يختلط الموتى والأحياء بي وأرتبكُ
باحثاً عن مقاعد لهم
وعن صحون
ولا أعرف كم عددهم وماذا يأكلون.
فيَّ ضيوفٌ كثيرون
من التاريخ كلّه
ولا أعرف كيف أكرّمهم على مائدتي،
بيدٍ غائبةٍ كيف أقدّم طعاماً؟
وكيف أرى ضيوفاً بعينٍ غائبة
وكيف أُجلسُ أحداً
على مكانٍ غائب؟

إنّي في وليمة
دعا الضيوفَ إليها شخصٌ آخر على الأرجح
وعلى الأرجح صرتُ ذاك الآخر الذي يسبل فراغاً
ويلقّمُ فراغاً لفراغ
يسبل شطآناً وأحجاراً وجبالاً ونجوماً وناراً وظلالاً لم يرها
ولم يقعد عليها
سوى الفراغ.

* من ديوان “تركيب آخر لحياة وديع سعادة” أرسله الشاعر لاصدقاءه عبر البريد الالكتروني ولم يطبع في كتاب