“عم علي” بائع الصحف.. كما لو يجرُّكَ من أذنيك لأن تتأمله

“عم علي” بائع الصحف.. كما لو يجرُّكَ من أذنيك لأن تتأمله

ليس “عم علي الشرعبي”, اطلاقاً, بأقل شأناً من أن يدوَّن على عريضة العظمة وأبهتها. بائع الصحف ذاك خليق به ألا يظل في مربع من يجب الحكم بالتغاء انجازهم طالما هم في الهامش ما زالوا.
اعتقاد خاطئ, ذلك الذي يعترف بالمنتوج فقط عندما يأتي من اناس «متنيين».
هؤلاء أيضا, الرابضون على تقسيمات الرصيف العبثية, ينتجون بقاءهم من الفراغ حقاً.
وتبعاً لهذا, فالرجل القروي «عم علي» , وجه علينا ابقاؤه لامعاً دوماً، تقديمه كما لو أنه نيتشه..كافكا.. حتى فيكتور هوجو أو خالد الرويشان حتى, أو أي فاعل إنساني مجبول بطينة الخلق والابتكار. ذلك أن كل من خاط روائع أدبية.. فلسفية.. انثروبولجية.. واتته سوانح افضت لذلك.
أما القادم من عدمية البادية شأن بائع الصحف فهو بحق يعيش قدره بجدارة وتحد نبيل.
عدا أنه ناحت بديع للوحة البقاء، واقف على مرمى الرياح الملبدة بالرمال، الرياح الكابية المحملة بصنوف الخيبات, هو أيضاً معلم محترف غير أنه صموت في الغالب كما ولا يحسن إلقاء الدروس المكنونة لديه. لذا يطيب لنا من جماع حياة مثخنة بالدراما الحقة، باذخة بالعظات،اجتراح نصً ثريً بالتعاليم، ندف ثلج مضيئة هي.
ولئن توافقنا الآن في مسألة أن النجاح هو حركة مطلق انسانية, أي يتعذر قياسه دوماً بمنظورات انحرافية, اقصد بأسس قيمية فاسدة كالانتماءات العصبوية.. الاثنية.. الايديولوجية أو الاعتبارات المادية الباقية, أو حتى بافرازاته المحسوسة دون غيرها من اللامرئية، فإننا نسجل وبصدقية تامة قبل تخطي العتبة القبلية هذه, أن «عم علي» ليس من شك في كونه «تسريحة النجاح» المسبوكة, المصففة بذوقية رفيعة، زيادة على كونه مسهما فاعلا في المنشط الثقافي اليمني، وهذه الزيادة سنجلوها هنا لاحقاً.

محمد العلائي
[email protected]
 

محرض أكثر من كاف, يجرك من أذنيك لأن تتأمل رجلاً خمسينياً لم يسأم ملامسة الورق والتربيت عليها.
ذات النشوة ربما التي تحصل عليها “جابرييل غارسيا ماركيز” غداة انجازه «مائة عام من العزلة», تقتحم “عم علي” مساءات عديدة. يعيش رضًا كاملاً عن نفسه كما افاد, وهذا ما يرتجيه أي منا عند الشروع في عمل ما.
الاطمئنان والرضى من حيث هما محركا السلوك البشري ليسا بحاجة لأية ألبسة ومداميك كيما نلمحهما، هما شعوران داخليان مدمجان لا يقبلان البروز, فلا يكفي, للتدليل على الانبساط, فغر الفهم بفتور.
هو لا يتعدا مدخوله الشهري ال18 ألف ريال, يكرس كافة ال30 يوماً -بجمعها وسبوتها وآحادها- كيما يحصد المبلغ إذ لأن 7 أطفال في شرعب الرونة يعتاشون منه ولا ثمة من احد يعولهم غيره.
متماه في مهنته حد الانمحاء، في قصعات الشمس اللاظية يذرع مساحات خانقة, وحال جئته وقد لف المعروضات وأدرجها تجويف المنضدة, يحني قامته ويدلف رأسه الملفوف بغطاء أحمر إلى باطنها لبرهات وبتأن يجر جسده للأعلى وتبرق ابتسامة متعبة حين يناولك الجريدة, فيما أنت تروح في دهاليز شاسعة تجد نفسك وقد انخطفت إلى أعنة الدهشة السامقة.. كم نحن أقزام إزاءه؟
درفة بعرض شبر, تمتد بتقتير واضح لتصد عنه سياط الظهيرة اللافحة، إلا أنه يتجاوزها إلى بعيد, فلا ألذ من مقارعة الشمس لديه.

مزلاج وصل
وقت لم يكن بائعاً لها كان قارئاً شغوفاً للصحف إبان اغترابه في السعودية سبعينيات القرن الفائت.
 لربع قرن وناف عليه قضاه كساقٍ مؤتمن, يقف على حوض المطبوع، يقدح للناس مبتغاهم منه.
مزلاج وصل بين ضفتي الناشر والناشر له, زرار ربط بين ضلفتي قفطان فسيح.
“عم على”, الذي الآن يصارع دوامات الهواء المتربة, قصدته بعد ميعاد رسمناه معاً, فهو ليس متلهفاً لأن يرى يوماً نفسه بين اسطر ما يبيع, انشغاله يمنع عنك الانفراد به متى شئت ليدلي بما تريد..
إذن,عصرية متأخرة اقتحمت مجرته. كان منهمكاً في إدارة حساب بينه وبين بائع صحف متجول, وفيما طلب مني الانتظار قدم لي، لا اريكة محشوة بالفرو، بل مصطبة حديدية صغيرة مقعدها مجدول بأجزاء شوالات بلاستيكية. جلست عليها للحظات أمطرتني العاصفة خلالها برتل غبار.
بمحاذاة كشك ألمنيوم, يقف خلف منضدة عرض صدئة. الكشك اياه يتوسط جولة الساعة، هو على أي حال لا يملكه، ذلك انه ثالث محل يعمل فيه براتب شهري. فإثر عودته من الاغتراب وعلى مدى ربع قرن تنقل في مهنته هذه بدءاً من مكتبة مطار صنعاء وتالياً كشك جولة الجامعة الجديدة ثم أخيراً كشك الثورة الذي ما يزال فيه.
ليس له باحة خضراء, ولا من نافورة تزخ رذاذاً بارداً يحوطها مرج مورد أبدا. له عند الإعياء اتكاءة خاطفة، يسند حافة كتفه إلى جدار بارد ثم يعاود الكَّرة.

آمل اجتناب التهويل, ولي حق تعاطي المجاز هنا، فلا أجانب الواقع مثلاً لو قلت انه رسام يضاهي فان جوخ.. بيكاسو.. دافنشي. تجده مغرقاً في رص رزم الصحف على هيئة لوحة فاتنة. يقدم هذه ويؤخر تلك, يلصق عينة من مطبوعة مثيرة في فاترينة هنا, وعلى الجدار هناك.. وهكذا.
دؤوب كما لو كان أباً يوزع انامله على أبنائه المستلقين بجانبه, يمسح وجه الأول، يتفلى رأس الثاني، يدفئ الثالث.
استغرقته تفاصيل كثيرة، فأنسته الأشياء الأكثر بداهة. كأن، حين تسأله عن عدد أولاده، ينغمس في تفكير حسابي ثم يمنحك الاجابة موزعة «اثنين واثنين وثلاثة» كم؟
آه سبعة اولاد, يرد.
يبدو لك, حال الحديث معه, كم انه جاد للغاية ولا يضحك إلا لماماً.
انهى إجراءه المحاسبي مع البائع المتجول فدعوته للجلوس جواري على المصطبة الحديدية فطلب التحدث إليَّ واقفاً وكان عليَّ مط رقبتي وليّها ريثما أراه. كمن يريد تتبع غيمة مثقلة رفع عينيه وتدوير رأسه اذا ما كانت تستهويه لعبة مداعبة المطر.
سوف لن أنكر أني كممت ألمي حتى وأنا اكتب الآن, فلغة صارمة مشدودة تحاول نبش زخم القوة عنده وإغفال مكامن وجع كثيفة تلاقيك لصقه.
لم أشأ استنبات عواطف الشفقة مع أن الحالة مدعاة لأكثر منها, هي مدعاة للبكاء الذي أبقيته انا موارباً.

تكتسحه كتل برد صاقعة
الجميع ما عداه يأوون للراحة مؤقتاً. إلا هو فإنه في تيقظ تجاري دائم، يوزع حواسه, وأنت تحادثه, لك وللجرائد المنبطحة قبالته.. انه قلق المبدع.
«هل أنت من اختار عملاً كهذا؟», سألته.
وكما في كل كلمة يلقيها يغلف رده بالارتباك, ارتباك من لا يريد أن يكبو دائماً, الذي يمقت الندم. «لم اخترها انا.. قدر ما.. انه القدر ساقني إليها. وفي كل حال هي مهنة راقية تربطك بالناس», أجاب.
«بماذا تحلم يا عم علي»؟
فأثث رده بحكمة قال إنه لا يدري قائلها: «إن الذي يدعي أن له هدفاً معيناً في الحياة إنما يغالط الحقيقة لأنه متى ما أدرك ذلك الهدف فتش عن غيره».
«أتقرأ الصحف شيء؟».
– “ليس أكثر من الخطوط العريضة”، واستل حكمة أخرى ذات دلالة أعمق: «كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول».
الرجل هذا الوديع المرهق تحاشيت إزعاجه بأي شيء من شأنه تلويث مزاجه.
تورطت فسألته عن أمر لم يستلطفه كما عادة بعض اليمنيين.
«هل تعاطيت السياسة من قبل؟».
– “لا إطلاقا. لم أمارس أي عمل سياسي, فالشمس تبدو للعيون قريبة ولكن في تناولها بعد”, حكمة ثالثة.
لم يشعر بحنق ولا بخوف إنما رده كان يشي انه لم يرقه الخوض في السياسة التي هي لب عمله أصلا.
فالوعي الاجتماعي يشتم القات ويتناوله بنهم. يزدري السياسة ويموت في غمارها… إلى آخره.
“عم علي احمد صالح سعد الشرعبي”, عصابة حمراء على رأسه, ثوب كتاني مائل للسواد, سترة رمادية عتيقة, يهندس بما أمكن حياة مفعمة بالخشونة، يقف ما زال, في إحدى جولات العاصمة, تكتسحه كتل برد صاقعة, من جهة, وأكوام رمالية مؤذية. أليس عظيماً ويستحق التقديم والإجلال وصوغ كل جميل من الكلم؟
عطفاً على ما سبق فما هو بخاف أحقيته اعتلاء منصة العصامية الفارهة. له أن يختال لو أحب، له اجتياز وعثاء البؤس حالما أراد.
الرصيف يسح أحيانا الأكابر, مملوئين روعة وجمالا. وحدهم يعاركون المحو العام. يبرحونه دهساً على الإسفلت الذي يمدهم بسطوة خرافية.
وبالموازاة فهو حقا لاعب رصين إلى جوار الفريق الثقافي في اليمن. إن أحدا لا يبدو انه سيعترض.
– “ماذا بودك أن تطلب من وزيري الثقافة، الإعلام؟”.
اقسم انه لم يفه بحاجة خاصة. وهذه نقطة تسويغ اخرى لاحتفائنا به هنا.
– ” اطلب الاعتناء بالأكشاك وتطويرها وتوسعتها”.
لكم أن تتخيلوا رجلا مطحونا، يناطح الفاقة بصلابة, وهو علاوة على ذلك يسكن “دشمة” مضغوطة وسط صنعاء وإذ هو كذلك كان الهم الجمعي يزاحم ما جاوره من مؤرقات ليس اقلها الفقر.
كنت لحظة مغادرتي أومئ له أن لا شيء لدي سوى التنويه بكفاحه لا أكثر. واستدركت.
– على فكرة ما تقييمك للصحافة هنا؟
– لا بأس إنما أنصح بتحسين مظهرها لتجتذب القارئ أكثر.

في انه مرهق
رغبت ان لو أقاسمه الرباطة واللااكتراث, أن لو أكون ياقته المبلولة بالعرق, أنا الذي قرضتني مطامح كسيحة, أنا المبلول بالارتكاس, المعجون بشواغل لا أتفه منها.
لأتلافى ما فوته بفعل الدهشة، وحيث يلزمني، بوصفي ناقلاً لمشهدية اللقاء، عدم استبقاء ولا انطباع. لا بد ان عليَّ افشاء ايضاً ذاك الزهو الوسيم وهو يريني صورة له نشرتها «الجزيرة نت» كمكمل لتقرير اخباري يمت للصحافة بصلة، دس يده في جيبه واخرجها، مطوية باتفاق، معرباً عن امتنانه لهذا الذي «عولمه» في لحظات.
هو بالتأكيد يحب الظهور كتجل لآدميته المحققة، غير أنه لا يتهافت عليه مثل مساقيط آخرين.
لسعات الشمس تسدد له صفعات قاسية فيردعها بتسقيفة بسيطة يلفقها من الورق الصحفي، ويلويها بشكل نصف اسطواني رابطاً اياها بمطاط ويثبتها على رأسه فتبدو كمظلة تهامية مصاغة من الخزف.

الرويشان
بالطبع ليس ما يجب ان يقال قد قيل فعلاً. مؤكد لا.
كلما في الأمر أنه سنارة على سنها طعم نتوخى أن نصطاد به التقاف الوزير الرويشان أو كذلك اللوزي.
فالمتانة والجسارة اللتان بدتا من الرجل هما ساتر رهيف لكسر أذرع الاحباط وانسداد النفس.
يكافح، أكيد. يخدم الثقافة، طبعاً نعم. مرهق، مهمش، مخنوق، مقصي، معذب، ملايين «نعم».
سيدي الرويشان.. سوف لن تحتاج لأوركسترا ومسرح مفتوح ونثريات وأوسمة لهذا العملاق، فقط انحناءة شكر مع معونة عاجلة تنتشله من وهدة الجوع والعراء هو وأطفاله، هذا كل ما هناك لا غير.. صدقني!
باح لي همساً عن حاجته لقطعة ارض كون اسرته يضمها بيت قروي مهلهل جداً ما يعني ان استجابة الوزير ضرب من النقاء والطهورية الدمثة.