ذاكرة اليمنيين رفوف فارغة.. عن الخفة، والخشية، وقلة الحيلة – ماجد المذحجي

ذاكرة اليمنيين رفوف فارغة.. عن الخفة، والخشية، وقلة الحيلة – ماجد المذحجي

يمتنع الكثيرون عن الحديث عن أنفسهم بوصف ذلك خفة، أو ربما لكونه افتتاناً شخصياً لا يلائم الرصانة، و يهمل المعيار الاجتماعي السائد الذي سينتقص منهم مباشرة، ويصفهم بالانتفاخ، والتمركز حول الذات، في ظل تلقٍ واسع، يميل إلى مطابقة الأفراد في الصوت العام، ويستنكر أي أداء فردي لا ينشغل به، وينشئ صوتاً خارجه، لا يتمحور حول مقولاته وأولوياته، فكيف إذا دار صوت هذا الفرد حول ذاته؟!!. أستقدم هذه الفكرة كمدخل، وأنا أفكر بغياب الحديث عن التجربة الفردية في التعبير اليمني العام. إن حقل الحديث عن التجربة الذاتية للأفراد في الثقافة اليمنية – في تناوبها السردي بين الشأن الشخصي والشأن العام – لم يحظ بفرصة كافية للتعبير عن نفسه، وبالتالي للحضور والتداول والنقاش، وتأسيس تقاليد في هذا الاتجاه، في ظل ممانعة اجتماعية وثقافية ذات جذور تقليدية شديدة التأصل ترفض الإفصاح الشخصي الذاتي الطابع!!. يمكن تلمس ذلك في نسبة كتب السيرة الذاتية في التدوين اليمني، حيث تنخفض إلى الحدود الدنيا قياساً بأشكال التدوين الأخرى، على قلة التدوين والإصدار اليمني بشكل عام، وتنشغل -إذا حضرت لدى القليلين- بالمطابقة الشخصية للحياة، مع الشأن العام فقط، والتركيز على حضور الفرد فيه، مع تغييب لحضوره الفردي ضمن الهواجس، والأفكار، وأشكال الخبرة اليومية البسيطة والشخصية، التي ساهمت في صياغة تعبيره وحضوره الإنساني اللاحق، وتحولاته الحياتية، ضمن الصيغ العاطفية والنفسية والعائلية، إلا في إطار الإطلالة العابرة، التي لا تغادر مزاج السرد الخجل، الذي يريد التخفف بسرعة من تهمة الأنا المتضخمة التي قد تلتصق به، أو لخشية من انتباه اجتماعي، قد يمارس فعل التشهير والاصطياد في أي اعترافات ذاتية. إن ضمور حضور السيرة الذاتية في التداول الثقافي والسياسي، يصبح ذا دلالة مفزعة، حين يمتنع عنه أفراد ذوو مساهمة أساسية في صناعة التاريخ الوطني الحديث، أو أصحاب تجربة ودور مهم في صياغة التعبير الثقافي، والفني، والفكري… الخ!!. لم نشهد في الغالب العام، تجربة تدوين للسيرة الذاتية، تقوم بها شخصيات اجتماعية وسياسية يمنية، مهمة ومعاصرة، إلا في النادر الذي لا يشكل قاعدة، والذي منه تجربة الشيخ سنان أبو لحوم، ومحسن العيني، ومحمد عبد الواسع حميد الاصبحي ( الخويل )، والدكتور/ عبد الرحمن البيضاني، والعمل المحدود للمرحوم/ عبد الغني مطهر، واللواء/ عبد الله جزيلان، بالإضافة للأستاذ المرحوم/ محمد احمد النعمان، الذي مارس تدويناً شفهياً جزئياً، بتحريض من قبل شخص آخر( ليس يمنياً بالتأكيد، بل لبنانياً كما أتذكر )، تم حفظه لحسن الحظ، ضمن وثائق الجامعة الأمريكية ببيروت، وتم نشره لاحقاً من قبل المعهد الفرنسي للعلوم والآثار الاجتماعية إذا كنت دقيقاً. وهو تدوين على قلته في العموم، كان أقرب إلى التوثيق التاريخي لأحداث معينة ومهمة، من وجهة نظر ذاتية، ولم يغادر هذا المربع ليشكل تدويناً منفتحاً على السيرة الشخصية إلا بشكل عابر. طبعاً لم تقم شخصيات أخرى مهمة بهذا التدوين، مثل الشيخ/ عبد الله بن حسين الأحمر، والمرحوم الشيخ/ مجاهد أبو شوارب، والمرحوم الحاج/ هائل سعيد أنعم، والمرحوم الأستاذ/ عمر الجاوي، والمرحوم القاضي/ عبد الرحمن الارياني، والمرحوم الإمام/ محمد البدر، والأستاذ/ إبراهيم بن علي الوزير، والأستاذ/ عبد الله عبد العالم، و الأستاذ/ علي صالح عباد ( مقبل )، والدكتور/ ابوبكر السقاف، والأستاذ/ محمد سعيد عبد الله ( محسن )، والأستاذ/ علي سالم البيض، والأستاذ/ حيدر ابوبكر العطاس، والدكتور/ ياسين سعيد نعمان، والدكتور/ فرج بن غانم، والمهندس/ فيصل بن شملان، والأستاذ/ عبد الرحمن الجفري،والأستاذ/ سالم صالح محمد، والأستاذ/ أنيس حسن يحي، والدكتور/ عبد الوهاب محمود، والأستاذ/ علي ناصر محمد، والأستاذ/ عبد العزيز عبد الغني، والدكتور/ عبد الكريم الارياني، والمرحوم الأستاذ/ يوسف الشحاري، والمرحوم الأستاذ/ عبد الله البردوني، والدكتور/ عبد العزيز المقالح،والأستاذ/ مطهر الارياني، والأستاذ/ أيوب طارش، والأستاذ/ محمد مرشد ناجي، والأستاذ/ صالح الدحان، والأستاذ/ عبد الباري طاهر، وغيرهم الكثير من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية، ذات الصلة الوثيقة بصناعة التاريخ الوطني الحديث، وصياغة ملامحه وتحولاته. وأنا هنا أتجاهل، ولا أتحدث عن مدونات السيرة التي تكتب نيابة عن بعض الشخصيات من قبل آخرين، ضمن مزاج احتفائي يميل للغنائيات النضالية العمومية على الأغلب.
  إن عدم مساهمة كل هؤلاء في التدوين لسيرتهم الذاتية، هو بالحقيقة مؤشر على افتقاد الكثير منهم الجرأة على المساهمة في توضيح ملامح التاريخ الحديث لليمنيين، خشية تشابكات شخصية وسياسية واجتماعية وثقافية، ستلقي بثقلها على أي تعبير سردي ذاتي، يستبطن رأيهم مما حدث، وموقعهم فيه. وهو فعل تعطله مصالح وظروف متشابكة في الوقت الراهن، تستدعي غض الطرف، وركن التاريخ في مكانه المظلم. ولكون المساهمة في هذا الفعل التدويني المهم، هي مهمة مليئة بالمخاطر والحسابات – ذات بعد سياسي على الأغلب – بالنسبة للكثيرين، وهي مساهمة ستكشف عن مناطق مظللة وراكدة في الوعي الوطني العام، تم التعاقد على إبقائها في حيز الصمت، ضمن توافقات ضمنية واسعة ورديئة، تأسست بشكل ساخر على قاعدة الحديث النبوي الذي يقول: ” إذا ابتليتم فاستتروا”!!، طبعاً باعتبار أن التاريخ اليمني الحديث بلية مفزعة، شارك الجميع في صياغة ملامحها، وهم بلا حيلة أمامها الآن!! طبعاً مع عدم إغفال أن من مارسوا التدوين لسيرهم الذاتية، حرصوا على صياغة سيرة مشغولة بالعام والتاريخي، متخففة حتى الحد الأقصى من الشخصي والذاتي والمعاصر، لكون ذلك يحرسهم من ارث اجتماعي وسياسي وثقافي، سيصطادهم بقسوة في أي هفوة. هذا بالإضافة طبعاً، إلى ضمور واضح في تقاليد كتابة السيرة الذاتية، على المستوى الوطني والإقليمي، وحضورها الخافت في المشهد الثقافي والأدبي، والذي تنتمي له كتعبير إبداعي ذاتي متميز بالأساس، ولاحتكار الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط بشكل عام لفعل التدوين التاريخي، وتعميم روايتها الرسمية فقط عنه، بما يستتبع ذلك من موقف قمعي ستتخذه من أي رواية أخرى له، تشكك في روايتها هي، من قبل أي طرف، سواء كان فرد، أم جهة بحثية أو سياسية. طبعاً الأنظمة تأتي هنا، كتعبير عن مصالح قوى وتحالفات سياسية، واجتماعية، واقتصادية، أخذت الحكم بالقوة والغلبة، من قوى وتحالفات أخرى، ومن مصلحتها قمع رواية القوى الأخرى عن الحدث، وقسرها على الامتناع عن أي تأريخ له، باعتبار أن في ذلك تشكيكاً في شرعيتها بالأساس، والتي يتم التأكيد عليها، عبر صياغتها لأيديولوجية وطنية، تحتكر عبرها الحقيقة والصواب في ذاتها فقط!!.
[email protected]